من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)
ذكر بناء سور عدن
حدثني عبد الله بن محمد بن يحيى قال: أرسى مركب من المغرب إلى عدن في الليل فنزل الناخوذة من المركب فدار عدن فإذا هو بدار عالية وبه شمع يقد وعود يبخر فدق الباب فنزل الخادم ففتح له وقال له: هل لك من حاجة؟ قال التاجر: نعم. فأستأذن الخادم له فقال له صاحب الدار يصعد فصعد فسلم كل على صاحبه من غير معرفة وجرى الحديث فقال الناخوذة: إني قدمت الليلة من المغرب وأريد من إنعام المولى أن أخفي عنده بعض التحف. قال: ولم؟ قال: خوفا من الداعي. وقال له: أقبل ولا تخف من الظالمين انقل جميع ما معك إلى الدار الفلانية! فنزل التاجر فصارت البحارون ينقلون المتعاع من المركب إلى الصناديق إلى الدار إلى أن يخلوا ثلثي ما في المركب. فلما أصبح الناخوذة وجد صاحبه البارحة الداعي بعينه وقال في نفسه: خفت من المطر وقعت تحت الميزاب! وتشوش خاطره وأسود ناظره. فانقذ الداعي إليه وقال له: أنا صاحبك البارحة وأنا الداعي مالك عدن اليوم طيب قلبك واشرح صدرك! عشور مركبك هبة مني إليك مع الدار التي نزلت فيها وهذه ألف دينار تنفقها ما دمت في بلادنا وحرام عليّ اخذ شيء منك لا على وجه الهبة ولا على وجه البيع والشراء. فقال له الناخوذة: وعلى ما هذا كله؟ قال: لدخولك علينا البارحة منزلنا في نصف الليل. وأمر أن يمد سور من الحصن الأخضر إلى جبل حقات فادير سور ضعيف وأرتدم بعضه على بعض وهتدم لدوام الموج عليه فلما خرب ادير عليه سور ثاني من القصب شبك. وبقي على حاله إلى أن بناه أبو عثمان عمر بن عثمان بن علي الزنجبيلي التكريتي دائرا على جبل المنظر إلى آخر جبل العر وركب عليه باب حقات، وأدار سورا ثانيا على الجبل الأخضر وحده من الحصن الأخضر إلى التعكر على رؤوس الجبال، وأدار سورا على الساحل من الصناعة إلى جبل حقات. وركب عليه ستة أبواب: باب الصناعة، وباب حومة، وباب السكة، وهما بابان يخرج منهما السيل إذا نزل الغيث بعدن، وباب الفرضة ومنه تدخل البضائع وتخرج، وباب مشرف لا يزال مفتوحا للدخل والخرج، وباب حيق لا يزال مغلقا، وباب البر قد تقدم ذكره. وبنى سورها بالحجر والجص وبنى الفرضة وجعل لها بابين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع