من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)
صفة جبل صبر
جبل مدور يصح دوره ثلاثة أيام رفعته ذات طول وعرض، وفيه من القرى والحصون ما شاء الله وبساتين كروم وزروع. ولها أربع مسالك إحداها الخشبة وبرداد وعتدان وجبأ، وما عدا هذه الطرق لم تسلك لوعرها وخشنتها لا لراجل ولا لفارس وهو جبل طيب. وفيه أنشدت شمس النهار بنت أحمد بن سبأ بن أبي السعود ويقال سبأ بن أبي سليمان تقول: عاتبتني فقالت: كيف طاب لك النأي وخليت الوطن؟
يترك الحبيب حبيبة ويطلب الإقامة في عدن
واغتضت من صيد الظباء صيود أرباب السفن
واغتضت صيرة من صبر سلطان أجبال اليمن
وفي بعض كهوفها أصحاب الكهف والرقيم وهم الذين قال الله ﷿ فيهم: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا). وأسماؤهم مكسليمنا وبمليخا وبرطبوت وكسرطوس وفرورس وححمسمينا واسم الكلب دير ويقال قطيمر ويقال حمران وانطيس والحاين. وقال آخرون: واوس ولماطونس ومكسلمينا وساوالحسابر وبلميليخا. (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد). وعلى باب الغار مسجد وعلى باب المسجد عين تسمى عين الكوثر، وهو موضع فاضل مزار في العاشر من رجب. فإن قال قائل: ليس القوم في هذا الإقليم، قلنا: بلى لان دقيانوس هو الملك الذي أسس مدينة الكدراء وسكن الجند. وكان القوم من أهل الأفسوس. فلما تم لهم ما تم خرجوا من مدينتهم صعدوا جبل صبر فأووا إلى الكهف وجرى عليهم ما جرى، وكلبهم معهم كما قال الله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً). كما قال:
كثر الشك والخلاف وكليطلب العوز بالصراط السوى
واعتقادي أن لا اله سواهثم حبي لأحمد وعلي
فاز كلب بحب أصحاب كهفكيف أشقى بحب آل النبي
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
ملوك بني العباس في الكتب سبعةولم يأتنا عن ثامن لهم الكتب
كذلك أهل الكهف سبعةكرام إذا عدوا وثامنهم كلب
وينزل ماء تعز من جبل صبر حين اشتراه سيف الإسلام طغتكين لهذا الماء من أصحابه بعشرة آلاف دينار وسبله ويسمى ماء الخشبة وهو ماء خفيف هنيء مريء. ويقال إنّه عين كسر كثير الماء نصفه يقلب إلى تعز ونصفه ينزل إلى مدينة جبأ وهو أصح من ماء الخشبة الذي ينقلب إلى تعز وأجود منه، وليس أهل اليمن جبأ على الغرباء إلا بشرب هذا الماء لا غير من طيبه. وينزل جميع فواكهها وأحطابها وأخشابها التي للعمارة لان الغصن ميال والغيم هاطل. ومن يوم يدخل الإنسان الدرياع إلى إنّ ينحدر إلى نفيل الحمراء يهب عند كل عصر هواء بارد يحيي الفؤاد وبعده تككل الأفق بالغمام وينزل الغيث ساعة زمانية ثم يصحو، ويبقى العالم على هذه الصفة مدة ستة اشهر الصيف.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع