تجاوز إلى المحتوى

من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)

من شبام إلى ظفار

من شبام إلى تريم سبعة فراسخ، وفي أوسط الجبل ضرس جبل ثابت صاعد في الجو شبه منارة وقد بنى عليه حصن يسمى المشرق. فأنشأ يقول:

أقبل من أعشقه غدوةمن جانب الغرب على أشهب
للشاعر تاج الملوك الأيوبي، اقرأ القصيدة
فقلت سبحانك يا ذا العلاأشرقت الشمس من المغرب
للشاعر ابن مليك الحموي، من قصيدة «أقبل من أعشقه راكبا»

فصل

قعد الأمير فهد بن عبد الله بن راشد على منظرة هذا الحصن مشرف فإذا هو يرى رجلين غاديين على غير طريق فأنفذ قوما وراءهم فأحضروهما بين يديه فإذا هم قوم عرب. فقال لهما: من أين جئتما؟ قالا: من بصرة العراق. قال: وكم لكما عنها؟ قالوا: ثلاثة أو سبعة أيام. فقال: قولا لي كيف قصتكم! قالوا: إنا قوم بدو نسكن العراق والبصرة إذ رأى شيخ خلفنا رجلين راكبين هجينين غاديين في الفلاة. فقال لنا الشيخ: أقفوا لنا خبر هذين الراكبين! فقمت أنا وصاحبي هذا تبعنا أثرهما إلى أن غلس الليل فلما أظلم ضاع منا الأثر، فتممنا على حالنا في صعود آكام ونزول أودية ورمل وحصى. فلما طال الشوط أردنا الرجوع إلى أهلنا فلم نعلم الطريق فلا زلنا نسير إلى أن أشرفنا على هذه المدينة. وما هذا الإقليم؟ قال: هذه ترم من أعمال حضرموت أريحوا بارك الله فيكم! فالبلد مستدار حول الحصن وبنى بها ملك في تريم جامع فلما تم بناءه قال للمهندس: تقدر على أن تبني خيرا من هذا البناء؟ قال نعم. ففي الحال ضرب عنقه خوفا أن يبني في موضع ثان خيرا من الأول.

ومن محاسن سيرة القائد حسين أبن سلامة إنشاء الجوامع الكبار والمنارات الطوال من حضرموت إلى مكة حرسها الله ﷿ طول المسافة فمن ذلك ما رأيته عام ومستهلك ومنها ما رواه الناس رواية جامعة. فأولها جامع شبام وتريم مدينتان من حضرموت فاتصلت عمارة الجوامع منها إلى عدن. وإلى قبر النبي هود ﵇ ثمانية فراسخ، طوله سبعون ذراعا. وفي هذه النواحي قبر ذي نيال ﵇ أبن هود طوله أربعين ذراعا. حدّثني علي بن محمّد بن أحمد السباعي قال: إنّ قبر ذي نيال بن هود ﵉ في قرية هارون بناه هود ﵇ من أعمال دوعان. قال أبن المجاور: ويمكن إنّه كان لهود النبي ﵇ ولدان ذكرين أحدهما رونيا والثاني ذا نيال. وقبر أبن ذي القرنين طوله خمسة وثلاثون ذراعا، وقبر العزيز ﵇ طوله ثمانية وعشرون ذراعا. قال أبن المجاور: وما ضن القوم كانوا بهذا الطول ولكن طولوا قبورهم. وإلى مضى خمسة فراسخ. وإلى خليج عشرة فراسخ. وإلى ظهور عشرة فراسخ. وإلى مهرفق سبعة فراسخ. وإلى كدنوب خمسة فراسخ. ذات نخيل. وإلى مأرب عشرين فرسخا، وهي ذات نخيل وهي نصف الطريق.

حدّثني رجل من أهلها في دار الإمارة بمكة سنة إحدى وعشرين وستمائة قال: إنّ هذه الأراضي والجبال والشعاب مواضع كانت مساكن قوم شداد بن عاد في فصل الربيع يتنزهون بهذه الأمكنة وقد بنوا على رؤوس الجبال وفي بطون الأودية دكاك ومصاطب من الحجر والجص وكانوا يقيمون بها أيام الربيع ويتفرجون. وقال آخر إنّما بنيت هذه الدكاك والمصاطب في هذه المواضع إلاّ لمّا سلط الله عليهم الذر وهو النمل، فكان القوم يجدون لذلك ألما شديدا. وحينئذ هجروا البلاد وخرجوا بأهلهم وسكنوا الجبال والشعاب والأودية وبنوا الدكاك متفرقة في بطون الأودية ورؤوس الجبال. فلما كثر عليهم الذر أشعلوا النيران حول الدكاك لئلا يصعد إليهم الذر، كما قال الله تعالى (فأرسلنا عليهمُ الطوفانَ والجرادَ والقملَ والضفادعَ والدم) تمام الآية. وإلى الآن الدكاك على حولها مع طول الزمان ومواضع النيران على حالها.

رسوم الدار باقية على خرابويجول بأكتافها كل لاهج
من سين ست ذي إعساريومن حناء ذا مخارج
رحلوا الأحباب وخلفونيبليل شبه شاة عند ذابح
أمسى الزمان بدار قومإذا رحلوا الأحباب عنها مصباح

وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في المعنى:

نسائلها أي المواطن حلتوأي ديار أوطانتها وأنت
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نسائلها أي المواطن حلت»
وماذا عليها لو أشارت فودعتإلينا بأطراف البنان وأومت
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نسائلها أي المواطن حلت»
وما كان إلاّ أن توليتها النوىفولى عزاء القلب لمّا تولت
وأما عيون العاشقين فأسخنتوأما عيون الشامتين فقرت
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نسائلها أي المواطن حلت»
ولمّا دعاني البين وليت إذ دعاولمّا دعاها قد أطاعت ولبت
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نسائلها أي المواطن حلت»
فلم أر مثلي كان أوعى لذمةولا مثلها لم ترع عهدي وذمتي

وحدّ الدكاك من أعمال حضرموت إلى آخر معاملة عمان مع التهائم ونجدها. إلى جيروت أربعة فراسخ. وإلى التهودى أربعة فراسخ. وإلى الشعب سبعة فراسخ، معدن شجر البان. وإلى حلوف خمسة فراسخ. وإلى الغيل ثمانية فراسخ. وإلى، ثلاثة أعين يخرجوا من شعب جبل ويسمى جبل الأسفل وهي عقبة. وإلى ظفار أربعة فراسخ. وكل هذه المواضع ثرار وشعاب ذات مياه ليس عليها عمارة إلاّ بعض السيء والله اعلم واحكم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر أسماء مكة وصفاتها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.