من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
بعض محتويات الجزء الثاني
وقال أبو عثمان: وقد طعنت الشعوبية على أخذ العرب في خطبها
المخصرة والقناة والقضيب، والاتكاء والاعتماد على القوس، والخدّ في الأرض، والإشارة بالقضيب، بكلام مستكره سنذكره في الجزء الثاني إن شاء الله. ولا بد من أن نذكر فيه بعض كلام معاوية، ويزيد، وعبد الملك، وابن الزبير، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، والوليد بن يزيد بن الوليد، لأن الباقين من ملوكهم لم يذكر لهم من الكلام الذي يلحق بالخطب، وبصناعة المنطق، إلا اليسير. ولا بد من أن نذكر فيه أقسام تأليف جميع الكلام، وكيف خالف القرآن جميع الكلام الموزون والمنثور، وهو منثور غير مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع وكيف صار نظمه من أعظم البرهان، وتأليفه من أكبر الحجج. ولا بد من أن نذكر فيه شأن إسماعيل صلّى الله عليه وآله وانقلاب لغته بعد أربع عشرة سنة، وكيف نسي لغته التي ربي فيها، وجرى على أعراقها وكيف لفظ بجميع حاجاته بالعربية على غير تلقين ولا ترتيب، وحتى لم تدخله عجمة ولا لكنة ولا حبسة، ولا تعلق بلسانه شيء من تلك العادة، إن شاء الله.
ولا بد من ذكر بعض كلام المأمون ومذاهبه، وبعض ما يحضرني من كلام آبائه وجلة رهطه. ولا بد أيضا من ذكر من صعد المنبر فحصر أو خلط، أو قال فأحسن، ليكون أتمّ للكتاب إن شاء الله.
ولا بد من ذكر المنابر ولم اتخذت، وكيف كانت الخطباء من العرب في الجاهلية وفي صدر الإسلام، وهل كانت المنابر في أمّة قط غير أمتنا، وكيف كانت الحال في ذلك. وقد ذكرنا أن الأمم التي فيها الأخلاق والآداب والحكم والعلم أربع، وهي: العرب، والهند، وفارس، والروم. وقال حكيم بن عياش الكلبيّ:
ألم يك ملك أرض الله طرّالأربعة له متميزينا
لحمير والنجاشي وابن كسرىوقيصر غير قول الممترينا
فما أدري بي سبب وضع الحبشة بهذا المكان. وأما ذكره لحمير فإن كان إنما ذهب إلى تبّع نفسه في الملوك، فهذا له وجه. وأما النجاشي فليس هو عند الملوك في هذا المكان، ولو كان النجاشي في نفسه فوق تبّع وكسرى
وقيصر لما كان أهل مملكته من الحبش في هذا الموضع. وهو لم يفضّل النجاشي لمكان إسلامه، يدل على ذلك تفصيله لكسرى وقيصر. وكان وضع كلامه على ذكر الممالك، ثم ترك الممالك وأخذ في ذكر الملوك. والدليل على أن العرب أنطق، وإن لغتها أوسع، وإن لفظها أدلّ، وأن أقسام تأليف كلامها أكثر، والأمثال التي ضربت فيها أجود وأسير. والدليل على أن البديهة مقصور عليها، وأن الارتجال والاقتضاب خاصّ فيها، وما الفرق بين أشعارهم وبين الكلام الذي تسميه الروم والفرس شعرا. وكيف صار النسيب في أشعارهم وفي كلامهم الذي أدخلوه في غنائهم وفي ألحانهم إنما يقال على ألسنة نسائهم، وهذا لا يصاب في العرب إلا القليل اليسير. وكيف صارت العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، فتضع موزونا على موزون، والعجم تمطّط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزونا على غير موزون.
وسنذكر في الجزء الثاني من أبواب العيّ واللحن والغلط والغفلة، أبوابا طريفة، ونذكر فيه النوكى من الوجوه ومجانين العرب، ومن ضرب به المثل منهم، ونوادر من كلامهم، ومجانين الشعراء. ولست أعني مثل مجنون بني عامر، ومجنون بني جعدة، وإنما أعني مثل أبي حية في أهل البادية، ومثل جعيفران في أهل الأمصار، ومثل أريسيموس اليوناني.
وسنذكر أيضا بقية أسماء الخطباء والنساك وأسماء الظرفاء والملحاء، إن شاء الله. وسنذكر
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع