من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
من كلام الحجاج وغيره
، ما أمكننا في بقية هذا الجزء إن شاء الله.
[من كلام الحجاج وغيره]
وقال أبو الحسن المدائني: قال الحجاج لأنس بن مالك، حين دخل عليه في شأن ابنه عبد الله، وكان خرج مع ابن الأشعث: «لا مرحبا بك ولا أهلا. لعنة الله عليك من شيخ جوّال في الفتنة، مرة مع أبي تراب ومرة مع ابن الأشعث. والله لأقلعنك قلع الصّمغة، ولأعصبنّك عصب السلمة، ولأجرّدنّك
تجريد الضّب». قال أنس: من يعني الأمير أعزّه الله؟ قال: إياك أعني، أصمّ الله صداك! فكتب أنس بذاك إلى عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك إلى الحجاج:
«بسم الله الرحمن الرحيم. يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، والله لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها في نار جهنم. قاتلك الله، أخيفش العينين أصكّ الرجلين، أسود الجاعرتين. والسلام».
وكان الحجاج أخيفش، منسلق الأجفان، ولذلك قام إمام بن أقرم النميري، وكان الحجاج جعله على بعض شرط أبان بن مروان ثم حبسه، فلما خرج قال:
طليق الله لم يمنن عليهأبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عيني بنت ماءتقلب طرفها حذر الصقور
لأن طير الماء لا يكون أبدا إلا منسلق الأجفان.
قال: وخطب الحجاج يوما فقال في خطبته: «والله ما بقي من الدنيا إلا مثل ما مضى، ولهو أشبه به من الماء بالماء والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه».
المفضل بن محمد الضبي قال: كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: أن أبعث إليّ بالآدم الجعد، الذي يفهمني ويفهم عني. فبعث إليه غذّام بن شتير فقال الحجاج: لله درّه! ما كتبت إليه في أمر قط إلا فهم عني وعرف ما أريد.
وقال أبو الحسن وغيره: أراد الحجاج الحج، فخطب الناس فقال:
«أيها الناس، إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني محمدا هذا،
وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله صلّى الله عليه وآله في الأنصار. إن رسول الله صلّى الله عليه وآله أوصى أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، ألا وإني قد أوصيته ألا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالة ما يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي. ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة! ألا وإني معجل لكم الإجابة، لا أحسن الله عليكم الخلافة». ثم نزل.
وكان يقول في خطبته: «أيها الناس، إن الكف عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله».
وقال عمرو بن عبيد ﵀: كتب عبد الملك بن مروان وصية زياد بيده وأمر الناس بحفظها وتدبّر معانيها، وهي: «إن الله ﷿ جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته، فالناس بين محسن بنعمة الله عليه، ومسيء بخذلان الله إياه. ولله النعمة على المحسن، والحجة على المسيء. فما أولى من تمت عليه النعمة في نفسه، ورأى العبرة في غيره، بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار فناء، ولا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله ﷿. فأحذركم الله الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العجزة، قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها، فلا تقدروا فيها على توبة، وليست لكم منها أوبة. وأنا أستخلف الله عليكم، وأستخلفه منكم».
وقد روي هذا الكلام عن الحجاج، وزياد أحق به منه.
قال جرير:
تكلّفني ردّ الفوائت بعدماسبقن كسبق السيف ما قال عاذله
وقال الكميت بن معروف:
خذوا العقل إن أعطاكم القوم عقلكموكونوا كمن سيم الهوان فأربعا
ولا تكثروا فيه الضجاج فإنهمحا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
والمثل السابق: «سبق السيف العذل».
ومن أهل الأدب: زكريّاء بن درهم، مولى بني سليم بن منصور، صاحب سعيد بن عمرو الحرشي. وزكرياء هو الذي يقول:
لا تنكروا لسعيد فضل نعمتهلا يشكر الله من لا يشكر الناسا
ومن أهل الأدب ممن وجهه هشام إلى الحرشي: السّرادق بن عبد الله السدوس الفارس. ولما ظفر سلم بن قتيبة بالأزد، كان من الجند في دور الأزد انتهاب وإحراق، وآثار قبيحة، فقام شبيب بن شيبة إلى سلم بن قتيبة فقال:
أيها الأمير، إن هريم بن عدي بن أبي طحمة- وكان غير منطيق- قال ليزيد بن عبد الملك في شأن المهالبة: يا أمير المؤمنين، إنّا والله ما رأينا أحدا ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك، ولا عفا عفوك. وإنّا نقول أيضا: أيها الأمير، إنّا والله ما رأينا أحدا ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك. فافعل الثالثة نقلها.
قال الهيثم بن عديّ: قام عبد الله بن الحجاج التغلبي إلى عبد الملك بن مروان، وقد كان أراد الاتصال به، وكان عبد الملك حنقا عليه، فأقام ببابه حولا لا يصل إليه، ثم ثار في وجهه في بعض ركباته فقال:
أدنو لترحمني وترتق خلّتيوأراك تدفعني فأين المدفع
فقال عبد الملك: إلى النار! فقال:
ولقد أذقت بني سعيد حرّهاوابن الزبير فعرشه متضعضع
فقال عبد الملك: قد كان ذلك، وأنا أستغفر الله.
وقال أبو عبيدة: كان بين الحجاج وبين العذيل بن الفرخ العجليّ بعض الأمر، فتوعده الحجاج، فقال العذيل:
أخوّف بالحجاج حتى كأنمايحرّك عظم في الفؤاد مهيض
ودون يد الحجاج من أن تنالنيبساط لأيدي اليعملات عريض
مهامه أشباه كأن سرابهاملاء بأيدي الغاسلات رحيض
المهيض: الذي قد كسر ثم جبر ثم كسر. اليعملات: العوامل، والياء زائدة لأنها من عملت.
ثم ظفر به الحجاج فقال: ايه يا عديل، هل نجاك بساطك العريض؟
فقال: أيها الأمير، أنا الذي أقول فيكم:
لو كنت بالعنقاء أو بيسومهالكان لحجاج عليّ دليل
خليل أمير المؤمنين وسيفهلكلّ إمام مصطفى وخليل
بنى قبة الإسلام حتى كأنماهدى الناس من بعد الضلال رسول
فقال له الحجاج: اربح نفسك، واحقن دمك، وإياك وأختها، فقد كان الذي بيني وبين قتلك أقصر من إبهام الحبارى.
قال: وقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، خطيبا بالمدينة، وكان واليها، ينعي معاوية ويدعو إلى بيعة يزيد، فلما رأى روح بن زنباع إبطاءهم قال:
«أيها الناس، إنّا لا ندعوكم إلى لخم وجذام وكلب، ولكنا ندعوكم إلى قريش ومن جعل الله له هذا الأمر واختصه به، وهو يزيد بن معاوية، ونحن أبناء الطعن والطاعون، وفضالات الموت، وعندنا إن أجبتم وأطعتم من المعونة والعائدة ما شئتم». فبايع الناس.
قال: وخطب إبراهيم بن إسماعيل، من ولد المغيرة المخزومي فقال:
«أنا ابن الوحيد، من شاء أجزر نفسه صقرا يلوذ حمامة بالعرفج».
ثم قال:
استوسقي أحمرة الوجينسمعن حسّ أسد حرون
فهن يضرطن وينتزين
ثم قال: «والله إني لأبغض القرشي أن يكون فظا». يا عجبا لقوم يقال لهم من أبوكم فيقولون: أمنا من قريش.
فتكلم رجل من عرض الناس وهو يخطب، فقال غيره: مه فإن الإمام يخطب. فقال: إنما أمرنا بالإنصات عند قراءة القرآن، لا عند ضراط أحمرة الوجين.
وقال آخر: سمعت عمر بن هبيرة وهو يقول على هذه الأعواد في دعائه:
اللهم إني أعوذ بك من عدو يسري، ومن جليس يغري، ومن صديق يطري.
قال أبو الحسن: كان نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرّث، خال مروان، واليا على مكة والمدينة، وكان شاهرا سيفه لا يغمده، وبلغه أن فتى من بني سهم يذكره بكل قبيح، فلما أتي به وأمر بضرب عنقه قال الفتى:
لا تعجل عليّ، ودعني أتكلم. قال: أوبك كلام؟ قال: نعم وأزيد، يا نافع وليت الحرمين تحكم في دمائنا وأموالنا، وعندك أربع عقائل من العرب، وبنيت ياقوته بين الصفا والمروة- يعني داره- وأنت نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرث، أحسن الناس وجها، وأكرمهم حسبا، وليس لنا من ذلك إلا التراب، لم نحسدك على شيء منه، ولم ننفسه عليك، فنفست علينا أن نتكلم. قال:
فتكلم حتى ينفك فكّاك.
عليّ بن مجاهد، عن الجعد بن أبي الجعد، قال: قال صعصعة بن صوحان: ما أعياني جواب أحد ما أعياني جواب عثمان، دخلت عليه فقلت:
أخرجنا من ديارنا وأموالنا أن قلنا ربنا الله! فقال: نحن الذين أخرجنا من ديارنا وأموالنا أن قلنا ربنا الله، فمنا من مات بأرض الحبشة ومنا من مات بالمدينة.
قال: وقال الحجاج على منبره: «والله لألحونّكم لحو العصا، ولأعصينّكم عصب السلمة، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل. يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق، ومساوىء الأخلاق، إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب. وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف فتنة. أي بني اللكيعة وعبيد العصا، وأبناء الإماء، والله لئن قرعت عصا عصا لأتركنكم كأمس الدابر».
مالك بن دينار قال: ربما سمعت الحجاج يخطب، يذكر ما صنع به أهل العراق وما صنع بهم، فيقع في نفسي أنهم يظلمونه وأنه صادق، لبيانه وحسن تخلصه بالحجج.
قال: وقسم الحجاج مالا، فأعطى منه مالك بن دينار، وأراد أن يدفع منه إلى حبيب أبي محمد فأبي أن يقبل منه شيئا، ثم مر حبيب بمالك، فإذا هو يقسم ذلك المال، فقال له مالك: أبا محمد، لهذا قبلناه! قال له حبيب:
دعني مما هناك، أسألك بالله الحجاج اليوم أحب إليك أم قبل اليوم؟ قال: بل اليوم. فقال حبيب: فلا خير في شيء حبب إليك الحجاج.
ومرّ غيلان بن خرشة الضّبيّ، مع عبد الله بن عامر، على نهر أمّ عبد الله الذي يشق البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا المصر! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير، يعلّم القوم صبيانهم فيه السباحة، ويكون لسقياهم ومسيل مياههم، وتأتيهم فيه ميرتهم. قال: ثم مر غيلان يساير زيادا على ذلك النهر، وقد كان عادى ابن عامر، فقال زياد: ما أضر هذا النهر، بأهل هذا المصر! قال غيلان: أجل والله أيها الأمير، تنزّ منه دورهم، وتغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم.
فالذين كرهوا البيان إنما كرهوا مثل هذا المذهب، فأما نفس حسن البيان فليس يذمه إلا من عجز عنه. ومن ذم البيان مدح العيّ، وكفى بهذا خبالا.
ولخالد بن صفوان كلام في الجبن المأكول، ذهب فيه شبيها بهذا المذهب.
قال: ورجع طاوس عن مجلس محمد بن يوسف، وهو يومئذ والي اليمن، فقال: ما ظننت أن قول سبحان الله معصية لله حتى كان اليوم.
سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما فقال رجل من أهل المجلس:
سبحان الله! كالمستعظم لذلك الكلام. فغضب ابن يوسف.
قال أبو الحسن وغيره، قالوا: دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان دميما، فلما رآه قال: على رجل أجرّك رسنك، وسلّطك على المسلمين، لعنة الله! قال: يا أمير المؤمنين، إنك رأيتني والأمر عني مدبر، ولو رأيتني والأمر عليّ مقبل لاستعظمت من أمري ما استصغرت! قال:
فقال سليمان: أفترى الحجاج بلغ قعر جهنّم بعد! قال: يا أمير المؤمنين، يجيء الحجاج يوم القيامة بين أبيك وأخيك، قابضا على يمين أبيك وشمال أخيك، فضعه من النار حيث شئت.
وذكر يزيد بن المهلب، يزيد بن أبي مسلم، بالعفة عن الدينار والدرهم وهمّ بأن يستكفيه مهما من أمره، قال: فقال عمر بن عبد العزيز: أفلا أدلك على من هو أزهد في الدرهم والدينار منه، وهو شرّ خلق الله؟ قال: من هو؟
قال: إبليس.
قال: وقال أسيلم بن الأحنف، للوليد بن عبد الملك قبل أن يستخلف:
أصلح الله الأمير، إذا ظننت ظنا فلا تحققه، وإذا سألت الرجال فسلهم عمّا تعلم، فإذا رأوا سرعة فهمك لما تعلم ظنوا ذلك بك فيما لا تعلم، ودس من يسألك لك عما تعلم، فإذا رأوا سرعة فهمك لما تعلم ظنوا ذلك بك فيما لا تعلم، ودس من يسأل لك عما لا تعلم.
وكان أسيلم بن الأحنف الأسدي، ذا بيان وأدب وعقل وجاه، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
ألا أيها الركب المخبون هل لكمبسيّد أهل الشام تحبوا وترجعوا
أسيلم ذاكم لا خفا بمكانهلعين ترجّي أو لأذن تسمّع
من النفر البيض الذين إذا انتمواوهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
جلا الأزفر الأحوى من المسك فرقهوطيب الدّهان رأسه فهو أنزع
إذا النفر السود اليمانون حاولواله حوك برديه أرقّوا وأوسعوا
وهذا الشعر من أشعار الحفظ والمذاكرة.
الهيثم بن عدي قال: قدمت وفود العراق على سليمان بن عبد الملك، بعد ما استخلف، فأمرهم بشتم الحجاج، فقاموا يشتمونه، فقال بعضهم إن عدو الله الحجاج، كان عبدا زبابا، قنّورا ابن قنّور، لا نسب له في العرب. فقال سليمان: أي شتم هذا؟ إن عدو الله الحجاج كتب إليّ:
«إنما أنت نقطة من مداد، فإن رأيت فيّ ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما، وإلا فأنا الحجاج وأنت النقطة، فإن شئت محوتك، وإن شئت أثبتك» .. فالعنوه لعنة الله! فأقبل الناس يلعنون، فقام ابن أبي بردة بن أبي موسى فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرك عن عدو الله بعلم. قال: هات.
قال: كان عدو الله يتزيّن تزيّن المومسة، ويصعد على المنبر فيتكلم بكلام الأخيار، وإذا نزل عمل الفراعنة وأكذب في حديثه من الدجال.
فقال سليمان لرجاء بن حيوة: هذا وأبيك الشتم لا ما تأتي به هذه السّفلة. وعن عوانة قال: قطع ناس من عمرو بن تميم وحنظلة، على الحجاج ابن يوسف، فكتب إليهم:
من الحجاج بن يوسف. أما بعد فإنكم قد استصحبتم الفتنة- وقال بعضهم قد استنجتم الفتنة- فلا عن حق تقاتلون، ولا عن منكر تنهون، وأيم الله إني لأهمّ أن يكون أول ما يرد عليكم من قبلي خيل تنسف الطارف والتالد، وتخلي النساء أيامى، والأبناء يتامى، والديار خرابا، والسواد بياضا، فأيّما
رفقة مرّت بأهل ماء فأهل ذلك الماء ضامنون لها حتى تصير إلى الماء الذي يليه. تقدمة مني إليكم، والسعيد من وعظ بغيره. والسلام.
مسلمة بن محارب قال: كان الحجاج يقول: «أخطب الناس صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة، إذا شاء خطب، وإذا شاء سكت».
يعني الحسن. فيقول: لم ينصب نفسه للخطاب.
قال: ولما اجتمعت الخطباء عند معاوية في شأن يزيد، وفيهم الأحنف، قام رجل من حمير، فقال: إنّا لا نطيق أفواه الكمال- يزيد الجمال- عليهم المقال، وعلينا الفعال. وقول هذا الحميري: إنّا لا نطيق أفواه الكمال، يدل على تشادق خطباء نزار.
سفيان بن عيينة قال: قال ابن عباس: «إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله».
وقال عمر بن عبد العزيز: «من قال لا أدري فقد أحرز نصف العلم».
لأن الذي له على نفسه هذه القوة قد دلنا على جودة التثبت، وكثرة الطلب، وقوة المنّة.
قال: وقيل لعيسى بن مريم ﵇: من نجالس؟ قال: من يزيد في علمكم منطقه، ويذكركم الله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله.
قال: ومر المسيح ع بقوم يبكون، فقال: ما بال هؤلاء يبكون؟ قيل له: يخافون ذنوبهم. قال: أتركوها يغفر لكم.
الوصافي قال: دخل الهيثم بن الأسود بن العريان، وكان خطيبا شاعرا، على عبد الملك بن مروان فقال له: كيف تجدك؟ فقال: أجدني قد
ابيضّ مني ما كنت أحب أن يسودّ، واسودّ مني ما كنت أحب أن يبيضّ، واشتدّ مني ما كنت أحب أن يلين، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد. ثم أنشد:
اسمع أنبيك بآيات الكبرنوم العشاء وسعال بالسحر
وقلة النوم إذا الليل اعتكروقلة الطعم إذا الزاد حضر
وسرعة الطرف وتحميج النظروتركي الحسناء في قبل الطّهر
وحذرا ازداده إلى حذروالناس يبلون كما يبلى الشجر
وقال الآخر: «مروا الأحداث بالمراء، والكهول بالفكر». فقال عبد الله ابن الحسن: «المراء رائد الغضب، فأخزى الله عقلا يأتيك بالغضب».
وقالوا: أربعة تشتدّ معاشرتهم: الرجل المتواني، والرجل العالم، والفرس المرح، والملك الشديد المملكة.
وقال غاز أبو مجاهد، يعارضه: أربعة تشتد مؤونتهم: النديم المعربد، والجليس الأحمق، والمغني التائه، والسفلة تقرّأ.
وكان أبو شمر الغساني يقول: أقبل عليّ فلان باللحظ واللفظ، وما الكلام إلا زجر أو وعيد.
قال: وقال عمير بن الحباب، وروى ذلك عنه مسعر: ما أغرت على حي في الجاهلية أحزم امرأة ولا أعجز رجلا من كلب، ولا أحزم رجلا ولا أعجز امرأة من تغلب.
قال: وقامت امرأة من تغلب إلى الجحّاف بن حكيم حين أوقع بالبشر، فقتل الرجال، وبقر بطون النساء، فقالت له: «فضّ الله فاك، وأصمّك
وأعماك، وأطال سهادك، وأقل رقادك، فو الله إن قتلت إلا نساء أسافلهن دميّ، وأعليهن ثديّ». فقال الجحاف لمن حوله: «لولا أن تلد مثلها لخليت سبيلها». فبلغ ذلك الحسن فقال: «إنما الجحاف جذوة من نار جهنم».
وكان عامر بن الظّرب العدواني حكيما، وكان خطيبا رئيسا. وهو الذي قال: «يا معشر عدوان، إن الخير ألوف عزوف، ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه، وإني لم أكن حليما حتى اتبعت الحكماء، ولم أكن سيدكم حتى تعبّدت لكم».
وقال أعشى بني شيبان:
وما أنا في أمري ولا في خليقتيبمهتضم حقي ولا قارع سني
ولا مسلم مولاي من شر ما جنىولا خائف مولاي من شر ما أجني
وإن فؤادا بين جنبي عالمبما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وفضّلني في العقل والشعر أننيأقول بما أهوى وأعرف ما أعني
وقال رجل من ولد العباس: ليس ينبغي للقرشي أن يستغرق شيئا من العلم إلا علم الأخبار، فأما غير ذلك فالنتف والشدو من القول.
وقال اخر:
وصافية تعشي العيون رقيقةرهينة عام في الدنان وعام
أدرنا بها الكأس الرؤية بيننامن الليل حتى انجاب كلّ ظلام
فما ذر قرن الشمس حتى كأننامن العيّ نحكي أحمد بن هشام
ومرّ رجل من قريش بفتى من ولد عتّاب بن أسيد وهو يقرأ كتاب سيبويه، فقال: أف لكم، علم المؤدّبين وهمة المحتاجين!
وقال ابن عتّاب: يكون الرجل نحويا عروضيا، وقساما فرضيا، وحسن الكتاب جيد الحساب، حافظا للقرآن، راوية للشعر، وهو يرضى أن يعلم أولادنا بستين درهما. ولو أن رجلا كان حسن البيان حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك لم يرض بألف درهم، لأن النحوي الذي ليس عنده إمتاع، كالنجار الذي يدعى ليعلق بابا وهو أحذق الناس، ثم يفرغ من تعليقه ذلك الباب فيقال له انصرف. وصاحب الامتاع يراد في الحالات كلها.
خبّرنا عبيد الله بن زيد السفياني قال: عوّد نفسك الصبر على الجليس السوء، فإنه لا يكاد يخطئك.
وقال سهيل بن عبد العزيز: من ثقل عليك بنفسه، وغمّك في سؤاله، فأعره أذنا صمّاء، وعينا عمياء.
سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: كان أبو هريرة إذا استثقل رجلا قال:
اللهم اغفر له وأرحنا منه! وقال ابن أبي أمية:
شهدت الرقاشيّ في مجلسوكان إليّ بغيضا مقيتا
فقال اقترح يا أبا جعفرفقلت اقترحت عليك السكوتا
وقال ابن عباس: «العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء بأحسنه».
المدائني عن العباس بن عامر، قال: خطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز أخته فقال:
«الحمد لله رب العزة والكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء أما
بعد فقد أحسن بك ظنا من أودعك حرمته، واختارك ولم يختر عليك وقد زوجناك على ما في كتاب الله، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان».
قال: وخطب أعرابي وأعجله القول وكره أن تكون خطبته بلا تحميد ولا تمجيد، فقال: «الحمد لله، غير ملال لذكر الله، ولا إيثار غيره عليه». ثم ابتدأ القول في حاجته.
وسأل أعرابي ناسا فقال: «سأجعل الله حظّكم في الخير، ولا جعل حظّ السائل منكم عذرة صادقة».
وكتب إبراهيم بن سيّابه إلى صديق له كثير المال، كثير الدخل، كثير الناضّ يستسلف منه نفقة، فكتب إليه: «العيال كثير، والدخل قليل، والدّين ثقيل، والمال مكذوب عليه». فكتب إليه إبراهيم: «إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت مليما فجعلك الله معذورا».
وقال الشاعر:
لعل مفيدات الزمان يفدننيبني صامت في غير شيء يضيرها
قال: وقال أعرابي: «اللهم لا تنزلني بماء سوء فأكون امرأ سوء». وقال أعرابي: «اللهم قني عثرات الكرام».
قال: وسمع مجاشع الرّبعيّ رجلا يقول: الشحيح أعذر من الظالم. فقال: أخزى الله شيئين خيرهما الشح.
قال: وأنشدنا أبو فروة:
إني امتدحتك كاذبا فأثبتنيلما امتدحتك، ما يثاب الكاذب
وأنشدني عليّ بن معاذ:
ثالبني عمرو وثالبتهفأثم المثلوب والثالب
قلت له خيرا وقال الخناكلّ على صاحبه كاذب
أبو معشر، قال: لما بلغ عبد الله بن الزبير قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد قام خطيبا فقال: «إن أبا ذبّان قتل لطيم الشيطان. كذلك نولّي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون».
ولما جلس عثمان بن عفان على المنبر قال: «يأيها الناس، إن الله قد فتح عليكم افريقية، وقد بعث إليكم ابن أبي سرح، عبد الله الزبير بالفتح، قم يا ابن الزبير». قال: فقمت فخطبت، فلما نزلت قام فقال: «يأيها الناس، انكحوا النساء على آبائهن وإخوتهن، فإني لم أر لأبي بكر الصديق ولدا أشبه به من هذا». وقال الخريمي:
وأعددته ذخرا لكلّ مصيبةوسهم المنايا بالذخائر مولع
وذكر أبو العيزار جماعة من الخوارج بالأدب والخطب فقال:
ومسوّم للموت يركب ردعهبين القواضب والقنا الخطار
يدنو وترفعه الرماح كأنهشلو تنشّب في مخالب ضاري
فثوى صريعا والرماح تنوشهإن الشراة قصيرة الاعمار
أدباء أما جئتهم خطباءضمناء كل كتيبة جرّار
ولما خطب سفيان بن الأبرد الأصمّ الكلبي، فبلغ في الترهيب والترغيب المبالغ، ورأى عبيدة بن هلال اليشكري أن ذلك قد فتّ في أعضاد أصحابه:
أنشأ يقول:
لعمري لقد قام الأصمّ بخطبةلها في صدور المسلمين غليل
لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتيوفارقت ديني إنني لجهول
ولما قام أحد الخطباء الذين تكلموا عند رأس الاسكندر قال أحدهم:
«الاسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس». فأخذه أبو العتاهية فقال:
بكيتك يا عليّ بدرّ عينيفما أغنى البكاء عليك شيّا
طوتك خطوب دهرك بعد نشركذاك خطوبه نشرا وطيا
كفى حزنا بدفنك ثم أنينفضت تراب قبرك عن يديّا
وكانت في حياتك لي عظاتوأنت اليوم أوعظ منك حيا
ومن الأسجاع الحسنة قول الأعرابية حين خاصمت ابنها إلى عامل الماء فقالت: «أما كان بطني لك وعاء؟ أما كان حجري لك فناء؟ أما كان ثديي لك سقاء؟». فقال ابنها: «لقد أصبحت خطيبة، رضي الله عنك». لأنها قد أتت على حاجتها بالكلام المتخير كما يبلغ ذلك الخطيب بخطبته.
وقال النّمر بن تولب:
وقالت ألا فاسمع نعظك بخطبةفقلت سمعنا فانطقي وأصيبي
فلن تنطقي حقا ولست بأهلهفقبّحت مما قائل وخطيب
قال أبو عباد كاتب ابن أبي خالد: ما جلس أحد قط بين يدي إلا تمثل لي أني سأجلس بين يديه.
قال الله ﷿: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً
. ليس يريد بلاغة اللسان، وإن كان اللسان لا يبلغ من القلوب حيث يريد إلا بالبلاغة.
قال: وكانت خطبة قريش في الجاهلية- يعني خطبة النساء-: «باسمك اللهم، ذكرت فلانة وفلان بها مشغوف. باسمك اللهم، لك ما سألت ولنا ما أعطيت».
ولما مات عبد الملك بن مروان صعد الوليد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «لم أر مثلها مصيبة، ولم أر مثلها ثوابا: موت أمير المؤمنين، والخلافة بعده. إنّا لله وإنّا إليه راجعون. والحمد لله رب العالمين على النعمة. انهضوا فبايعوا على بركة الله». فقام إليه عبد الله بن همّام فقال:
الله أعطاك التي لا فوقهاوقد أراد الملحدون عوقها
عنك ويأبى الله إلا سوقهاإليك حتى قلدوك طوقها
فبايع الناس.
وقيل لعمرو بن العاص، في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك؟
قال: «أجدني أذوب ولا أثوب، وأجد نجوي أكثر من رزئي، فما بقاء الشيخ على ذلك».
وقيل لأعرابي كانت به أمراض عدة، كيف تجدك؟ قال: «أما الذي يعمدني فحصر وأسر».
وعن مقاتل قال: سمعت يزيد بن المهلب، يخطب بواسط، فقال: «يا أهل العراق، يا أهل السبق والسباق، ومكارم الأخلاق، إن أهل الشام في أفواههم لقمة دسمة، زبّبت لها الأشداق، وقاموا لها على ساق، وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدال، فالبسوا لهم جلود النمور».
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع