تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

السقيفة

وكان من جملة القصر الكبير موضع يعرف: بالسقيفة يقف عنده المتظلمون، وكانت عادة الخليفة أن يجلس هناك كل ليلة لمن يأتيه من المتظلمين، فإذا ظلم أحد وقف تحت السقيفة، وقال بصوت عال: لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه عليّ وليّ اللّه، فيسمعه الخليفة، فيأمر بإحضاره إليه، أو يفوّض أمره إلى الوزير أو القاضي أو الوالي، ومن غريب ما وقع أن

الموفق بن الخلال: لما كان يتحدّث في أمور الدواوين أيام الخليفة الحافظ لدين اللّه، وخرج من انتدب بعد انحطاط النيل من العدول، والنصارى الكتاب إلى الأعمال لتحرير ما شمله الريّ، وزرع من الأراضي وكتابة المكلفات، فخرج إلى بعض النواحي من يمسحها من شادّ، وناظر، وعدول، وتأخر الكاتب النصرانيّ، ثم لحقهم وأراد التعدية إلى الناحية، فحمله ضامن تلك المعدّية إلى البرّ، وطلب منه أجرة التعدية، فنفر فيه النصرانيّ ووسبّه، وقال: أنا ماسح هذه البلدة، وتريد مني حق التعدية، فقال له الضامن: إن كان لي زرع خذه، وقلع لجام بغلة النصرانيّ، وألقاه في معدّيته، فلم يجد النصراني بدّا من دفع الأجرة إليه، حين أخذ لجام بغلته، فلما تمم مساحة البلد، وبيض مكلفة المساحة ليحملها إلى دواوين الباب، وكانت عادتهم حينئذ، كتب الجملة بزيادة عشرين فدّانا ترك بياضا في بعض الأوراق، وقابل العدول على المكلفة، وأخذ الخطوط عليها بالصحة، ثم كتب في البياض الذي تركه: أرض اللجام باسم ضامن المعدّية عشرين فدانا، قطيعة كل فدّان: أربعة دنانير، عن ذلك ثمانون دينارا، وحمل المكلفة إلى ديوان الأصل وكانت العادة إذا مضى من السنة الخراجية أربعة أشهر ندب من الجند من فيه حماسة، وشدّة، ومن الكتاب العدول، وكاتب نصرانيّ، فيخرجون إلى سائر الأعمال لاستخراج ثلث الخراج على ما تشهد به المكلفات المذكورة فينفق في الأجناد، فإنه لم يكن حينئذ للأجناد إقطاعات، كما هو الآن، وكان من العادة أن يخرج إلى كل ناحية ممن ذكر من لم يكن خرج وقت المساحة، بل ينتدب قوم سواهم، فلما خرج الشادّ والكاتب والعدول لاستخراج ثلث مال الناحية استدعوا أرباب الزرع على ما تشهد به المكلفة، ومن جملتهم ضامن المعدّية، فلما حضر: ألزم بستة وعشرين دينارا وثلثي دينار عن نظير ثلث المال الثمانين دينارا التي تشهد بها المكلفة، عن خراج أرض اللجام فأنكر الضامن أن تكون له زراعة بالناحية، وصدّقه أهل البلد، فلم يقبل الشادّ ذلك، وكان عسوفا، وأمر به فضرب بالمقارع واحتج بخط العدول على المكلفة، وما زال به حتى باع معدّيته وغيرها، وأورد ثلث المال الثابت في المكلفة وسار إلى القاهرة، فوقف تحت السقيفة، وأعلن بما تقدّم ذكره، فأمر الخليفة الحافظ بإحضاره، فلما مثل بحضرته قص عليه ظلامته مشافهة، وحكى له ما اتفق منه في حق النصرانيّ، وما كاده به، فأحضر ابن الخلال، وجميع أرباب الدواوين، وأحضرت المكلفات التي عملت للناحية المذكورة في عدّة سنين ماضية، وتصفحت بين يديه سنة سنة، فلم يوجد لأرض اللجام ذكر البتة، فحينئذ أمر الخليفة الحافظ: بإحضار ذلك النصرانيّ، وسمر في مركب وأقام له من يطعمه ويسقيه، وتقدّم بأن يطاف به سائر الأعمال، وينادى عليه، ففعل ذلك، وأمر بكف أيدي النصرانية كلها عن الخدم في سائر المملكة، فتعطلوا مدّة إلى أن ساءت أحوالهم.

وكان الحافظ مغرما بعلم النجوم وله عدّة من المنجمين من جملتهم: شخص صار إليه عدّة من أكابر كتاب النصارى، ودفعوا إليه جملة من المال، ومعهم رجل منهم يعرف:

بالأخرم بن أبي زكريا، وسألوه أن يذكر للحافظ في أحكام تلك السنة حلية هذا الرجل، فإنه إن أقامه في تدبير دولته زاد النيل، ونما الارتفاع، وزكت الزروع، ونتجت الأغنام، ودرّت الضروع، وتضاعفت الأسماك، وورد التجار، وجرت قوانين المملكة على أجمل الأوضاع، فطمع ذلك المنجم في كثرة ما عاينه من الذهب وعمل ما قرّره النصارى معه، فلما رأى الحافظ ذلك تعلقت نفسه بمشاهدة تلك الصفة، فأمر بإحضار الكتاب من النصارى، صار يتصفح وجوههم من غير أن يطلع أحدا على ما يريده، وهم يؤخرون الأخرم عن الحضور إليه قصدا منهم، وخشية أن يفطن بمكرهم إلى أن اشتدّ إلزامهم بإحضار سائر من بقي منهم، فأحضروه بعد أن وضعوا من قدره، فلما رآه الحافظ: رأى فيه الصفات التي عينها منجمه، فاستدناه إليه، وقربه وآل أمره إلى أن ولاّه أمير الدواوين، فأعاد كتاب النصارى أوفر ما كانوا عليه، وشرعوا في التجبر، وبالغوا في إظهار الفخر، وتظاهروا بالملابس العظيمة، وركبوا البغلات الرائعة، والخيول المسوّمة بالسروج المحلاة، واللجم الثقيلة، وضايقوا المسلمين في أرزاقهم واستولوا على الأحباس الدينية، الأوقاف الشرعية، واتخذوا العبيد والمماليك، والجواري من المسلمين والمسلمات، وصودر بعض كتاب المسلمين، فألجأته الضرورة إلى بيع أولاده وبناته، فيقال: إنه اشتراهم بعض النصارى، وفي ذلك يقول ابن الخلال:

إذا حكم النصارى في الفروجوغالوا بالبغال وبالسروج
وذلت دولة الإسلام طرّاوصار الأمر في أيدي العلوج
فقل للأعور الدجال هذازمانك إن عزمت على الخروج
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة

وموضع السقيفة فيما بين درب السلامي، وبين خزانة البنود يتوصل إليه من تجاه البئر التي قدّام دار كانت تعرف: بقاعة ابن كتيلة، ثم استولى عليها جمال الدين الإستادار، وجعلها مسكنا لأخيه ناصر الدين الخطيب وغير بابها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.