من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)
تهودة
من بلاد الزاب بالقرب من بسكرة، وهي مدينة أولية بنيانها بالحجر الجليل وعليها سور عظيم، ولها ربض ويدور بجميعها خندق، ولها نهر كبير ينصب إليها من جبل أوراس، فإذا كان بينهم وبين أحد حرب وخافوا النزول عليهم أجروا ماء ذلك النهر في الخندق المحيط ببلدهم فامتنعوا به وشربوا منه، وهي كثيرة البساتين والنخيل والزرع وجميع الثمار. وفي هذه المدينة حديث مشهور عن رسول الله ﷺ رواه شهر بن حوشب ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن سكنى هذه البقعة الملعونة التي هي تهودة وقال: " سوف يقتل بها رجال من أمتي على الجهاد في سبيل الله تعالى ثوابهم كثواب أهل بدر وأهل أحد وانهم مابدلوا حتى ماتوا "، وكان شهر بن حوشب ﵁ يقول: واشوقاه إليهم. قال شهر ﵁: سألت جماعة من التابعين عن هذه العصابة التي ذكر رسول الله ﷺ فقالوا: ذلك عقبة بن نافع وأصحابه قتلهم البربر والنصارى بمدينة يقال لها تهودة فمنها يحشرون يوم القيامة وسيوفهم على عواتقهم حتى يقفوا بين يدي الله ﷿.
قالوا: قدم عقبة بن نافع ﵁ مصر في خلافة معاوية ﵁، وعليها عمرو بن العاصي ﵁، فنزل منزلاً في بعض قرى مصر ومعه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄، فوضعت بين أيديهم سفرة فيها طعام، فلما تناولوا من الطعام سقطت حدأة على ما بين أيديهم من الطعام فأخذت منه عرقاً، فقال عقبة ﵁: اللهم دق عنقها، فأقبلت منقضة حتى ضربت بدفيها الأرض فاندقت عنقها، فاسترجع ابن عمرو، فسمعه عقبة فقال: ما لك يا أبا عبد الله، قال: بلغني أن قوماً يغزون إلى هذه الناحية فيستشهدون بها جميعاً، فقال عقبة: اللهم أنا منهم، وكان مستجاب الدعوة.
ثم إن عقبة بن نافع ﵁ خرج في أيام يزيد بن معاوية على جيش كبير غازياً إلى بلاد المغرب، فمر على عبد الله بن عمرو بمصر فقال له: يا عقبة لعلك من الجيش الذي يدخل الجنة، فقدر أن افتتح عقبة بلاد المغرب حتى وصل إلى أقصاها وهي على ضفة البحر المحيط فأدخل فرسه في البحر حتى بلغ الماء السرج وقال: اللهم إني أطلب السبب الذي طلب عبدك ذو القرنين فقيل له: يا ولي الله وما السبب الذي طلبه؟ فقال: ألا يعبد في الأرض إلا الله وحده. وانصرف إلى إفريقية، فلما دنا منها تفرق أصحابه فوجاً فوجاً، فلما وصل إلى مدينة طبنة من أرض الزاب أذن لسائر جيشه وبقي في عدة يسيرة من أصحابه، وكان في دخوله المغرب خطر على مدينة تهودة وعلى مدينة بادس فرأى فيهما قوة كبيرة من النصارى والبربر، وكانت في ذلك الوقت
من أعظم مدن المغرب، فلما رجع قال: أمر على مدينتي تهودة وبادس لأعرف ما يكفيهما من العدة والجيوش، فلما انتهى إلى مدينة تهودة اعتمده كسيلة بن أقدم وكان أميرها في جيش الروم، وكان قد سمع بتفرق جيش عقبة، وأقبلت إليه أيضاً عساكر البربر فلما رآهم عقبة وأصحابه كسروا أجفان سيوفهم وزحفوا إليهم فقاتلوا حتى قتلوا جميعاً رحمة الله عليهم، وقبر عقبة اليوم بتهودة على مقربة منها بمرحلة.
النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع