من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)
دبا
مثل عصا، موضع بظهر الحيرة، ودبا فيما بين عمان والبحرين، كان وفد الأزد من أهل دبا على رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، فبعث فيهم مصدقاً منهم يقال له حذيفة بن اليمان الأزدي من أهل دبا، وكتب له فرائض صدقات أموالهم ثم رسم له أخذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم، ففعل ذلك حذيفة ورد فاضلها إلى رسول الله ﷺ إذ لم يجد لها موضعاً، فلما توفي رسول الله ﷺ منعوا الصدقة وارتدوا، فدعاهم حذيفة إلى التوبة فأبوا، وأسمعوه شتم النبي ﷺ، فقال: يا قوم أسمعوني الأذى في أبي وأمي ولا تسمعوني الأذى في رسول الله ﷺ، فأبوا إلا ذاك وجعلوا يرتجزون:
لقد أتانا خبر ردي ... أمست قريش كلها نبي ... ظلم لعمر الله عبقري ... فكتب حذيفة إلى أبي بكر الصديق ﵁ بما كان منهم فاغتاظ أبو بكر عليهم غيظاً شديداً وقال: من لهؤلاء ويل لهم، ثم بعث إليهم عكرمة بن أبي جهل، وكان النبي ﷺ استعمله على سفلى بني عامر بن صعصعة مصدقاً، فلما بلغته وفاة النبي ﷺ انحاز إلى تبالة في أناس من العرب ثبتوا على الإسلام، فكان مقيماً بتبالة فجاءه كتاب أبي بكر ﵁، وكان أول بعث بعثه إلى أهل الردة: أن سر فيمن قبلك من المسلمين إلى أهل دبا، فسار عكرمة في نحو ألفين من المسلمين ورأس أهل الردة لقيط بن مالك فلما بلغه مسير عكرمة بعث ألف رجل من الأزد يلقونه، وبلغ عكرمة أنهم في جموع كثيرة فبعث طليعة، وكان لأصحاب لقيط أيضاً طليعة، فالتقت الطليعتان فتناوشوا ساعة ثم انكشف أصحاب لقيط، وبعث أصحاب عكرمة فارساً يخبر عكرمة، فلما أتاه الخبر أسرع بأصحابه ومن معه حتى لحق طليعته ثم زحفوا جميعاً ميمنة وميسرة وسار على تعبئة حتى أدرك القوم فالتقوا فاقتتلوا ساعة، ثم رزق الله تعالى عكرمة عليهم الظفر فهزمهم وأكثر فيهم القتل، ورجعوا منهزمين أجمعين إلى لقيط بن مالك، فأخبروه أن جمع عكرمة مقبل إليهم وأنهم لا طاقة لهم بهم، وفقدوا من أصحابهم بشراً كثيراً، منهم من قتل ومنهم من أسر، فلما انتهوا إلى لقيط مفلولين قوي حذيفة بن اليمان ﵁ بمن معه من المسلمين فناهضهم وناوشهم، وجاء عكرمة في أصحابه فقاتل معهم فأصابوا منهم مائة أو نحوها في المعركة ثم انهزموا حتى دخلوا مدينة دبا فتحصنوا فيها وحصرهم المسلمون شهراً أو نحوه وشق عليهم الحصار إذ لم يكونوا أخذوا له أهبة، فأرسلوا إلى حذيفة رجلاً منهم يسأله الصلح، فقال: إلا أخيرهم، بين حرب مجلية أو سلم مخزية، قالوا: أما الحرب المجلية فقد عرفناها فما السلم المخزية؟ قال: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وأن ما أخذنا منكم فهو لنا وما أخذتموه منا فهو رد علينا، وأنا على حق وأنكم على باطل وكفر، نحكم فيكم بما رأينا فأقروا بذلك، فقال: اخرجوا من مدينتكم عزلاً لا سلاح معكم، ففعلوا، فدخل المسلمون حصنهم، فقال حذيفة ﵁: إني قد حكمت فيكم أن أقتل أشرافكم وأسبي ذراريكم، فقتل من أشرافهم مائة رجل، وسبى ذراريهم، وقدم حذيفة ﵁ بسبيهم إلى المدينة، وهم ثلثمائة من المقاتلة وأربعمائة من الذرية والنساء، وأقام عكرمة بدبا عاملاً عليها لأبي بكر ﵁، فلما قدم حذيفة ﵁ بسبيهم إلى المدينة اختلف فيهم المسلمون فكان زيد بن أسلم يحدث عن أبيه أن أبا بكر رضي
الله عنه أنزلهم دار رملة بنت الحارث، وهو يريد أن يقتل من بقي من المقاتلة، فكان من كلام عمر ﵁: يا خليفة رسول الله قوم مؤمنون إنما شحوا على أموالهم والقوم يقولون: والله ما رجعنا عن الإسلام ولكن شححنا على أموالنا، فيأبى أبو بكر ﵁ أن يدعهم بهذا القول، ولم يزالوا موقفين بدار رملة حتى توفي أبو بكر ﵁ وولي عمر ﵁ فدعاهم فقال: قد كان من رأيي يوم قدم بكم على أبي بكر ﵁ أن يطلقكم وقد أفضى إلي الأمر فانطلقوا إلى أي البلاد شئتم فأنتم قوم أحرار لا فدية عليكم، فخرجوا حتى نزلوا البصرة، وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب وهو غلام يومئذ، وكان في من نزل البصرة.
وعن ابن عباس ﵄ أن رأي المهاجرين فيهم إذ استشارهم أبو بكر ﵁ كان قتلهم أو فداءهم بأغلى الفداء، وكان عمر ﵁ يرى ألا قتل عليهم ولا فداء، فلم يزالوا محتبسين حتى ولي عمر بن الخطاب ﵁ فأرسلهم بغير فداء.
ويروى عن عمر بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى فيهم بأربعمائة، فصار فداء، ثم نظر في ذلك فقال: لا سباء في الإسلام فهم أحرار، والأول أكثر. وعن عروة: لما قدم أهل غزو دبا المدينة قافلين أعطاهم أبو بكر ﵁ خمسة دنانير خمسة دنانير.
النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع