تجاوز إلى المحتوى

من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)

الكناسة

بالبصرة معروفة، وكان بنو أسد وبنو تميم يطرحون فيها كناستهم.

وكناسة الكوفة فيها صلب يوسف بن عمر عامل هشام بن عبد الملك على العراق زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵃ ثم حرق بالنار بعد سنتين وذري في الريح، وذلك سنة إحدى وعشرين ومائة أو سنة اثنتين وعشرين.

وكان زيد بن علي شاور أخاه أبا جعفر محمد بن علي فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة إذ كانوا أهل غدر ومكر، وقال له: بها قتل جدك علي وطعن عمك الحسن وقتل أبوك الحسين، وفيها وفي أعمالها شتمنا أهل البيت، وأخبره بما كان عنده من العلم في مدة ملك بني مروان وما يتعقبهم من الدولة العباسية، فأبى إلا ما عزم عليه من المطالبة بالحق، فقال له: إني أخاف عليك يا أخي أن تكون غداً المصلوب بكناسة الكوفة، وودعه أبو جعفر لعلمه أنهما لا يلتقيان، وقد كان زيد دخل على هشام بالرصافة، فلما مثل بين يديه لم ير موضعاً يجلس فيه، فجلس حيث انتهى به مجلسه وقال: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى الله، ولا يصغر دون تقوى الله ﷿، فقال له هشام: اسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة وأنت ابن أمة، قال: يا أمير المؤمنين، إن لك جواباً إن أحببت أجبتك به، وإن أحببت أمسكته عنك، قال: أجب، قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحاق ﵈، فلم يمنعه ذاك أن ابتعثه الله تعالى نبياً وجعله للعرب أباً وأخرج من صلبه خير البشر محمد ﷺ، أفتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي ﵄، وقام وهو يقول:

شرده الخوف فأزرى بهكذاك من يكره حر الجلاد
منخرق الخفين يشكو الوجىتنكبه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحةوالموت حتم في رقاب العباد

أن يحدث الله له دولة ... يترك آثار العدا كالرماد فمضى عليها إلى الكوفة، وخرج عنها ومعه القراء والأشراف، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي، فلما قامت الحرب انهزم أصحاب زيد وبقي جماعة يسيرة، فقاتلهم أشد قتال وهو يقول متمثلاً:

ذل الحياة وعز المماتكلاً أراه طعاماً وبيلا
فإن كان لا بد من واحدفسيري إلى الموت سيراً جميلا

وحال المساء بين الفريقين، فانصرف زيد مثخناً بالجراح، وقد أصابه سهم في جبهته فطلبوا من ينتزع النصل، فأتي بحجام من بعض القرى، فاستكتموه أمره فاستخرج النصل فمات من ساعته، فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش، وأجري الماء على ذلك، وحضر الحجام مواراته، فعرف الموضع، فلما أصبح مضى إلى يوسف مستنصحاً فدله على موضع قبره، فاستخرجه يوسف وبعث برأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام أن اصلبه عرياناً، فصلبه يوسف كذلك، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أمية يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم من أبيات:

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة ... ولم أر مهدياً على الجذع يصلب وكان زيد سمع يقول: اللهم إن هشاماً وأهل بيته قد طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد فصب عليهم سوط عذاب، إنك لهم بالمرصاد، وطهر منهم البلاد، واجعلهم نكالاً للحاضر والباد وإلى زيد هذا ينتسب الزيدية من الشيعة.

قال أبو بكر بن عياش: كنت إذ كنت شاباً إذا أصابتني مصيبة تجلدت ودفعت البكاء بالصبر، فكان ذلك يؤذيني ويؤلمني، حتى رأيت أعرابياً بالكناسة واقفاً على نجيب وهو ينشد:

خليلي عوجا من صدور الرواحلبجمهور حزوى فابكيا في المنازل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»

لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل فسألت عنه فقيل ذو الرمة، فأصابتني بعد ذلك مصائب فكنت أبكي فأجد بعد ذلك راحة، فقلت: قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره.

النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الكاف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.