تجاوز إلى المحتوى

من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)

كوثا

مدينة بالعراق إلى جانب بابل، فيها ولد إبراهيم الخليل ﵇، وفيها المكان الذي فيه كان حبس إبراهيم الخليل ﵇ والبيت الذي كان محبوساً فيه، ويقال إن بها طرح إبراهيم الخليل ﵇ في النار، وبها تلول رماد عالية قد لزق بعضه ببعض يقال إنه رماد نار النمرود بن كنعان الذي طرح فيها إبراهيم ﵇.

ولما انقضى أمر القادسية قدم سعد بن أبي وقاص ﵁ زهرة بن حوية ثم اتبعه الجند، فلقي بأطراف كوثا جمعاً من جموع العجم مقدمهم شهريار، فخرج ينادي: ألا رجل ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إلي حتى أثكلكم به، فقال له زهرة، وقد كايده، لقد أردت أن أبادرك، فإما اذ سمعت قولك فإني لا أخرج إليك إلا عبداً، فإن أقمت قتلك إن شاء الله، وإن فررت منه فإنما فررت من عبد، ثم أمر أبا نباتة نائلاً الأعوجي، وكان من شجعان بني تميم، فخرج إليه، مع كل واحد منهما الرمح، وكلاهما وثيق الخلق، إلا أن شهريار مثل الجمل، فلما رأى نائلاً ألقى الرمح ليعتنقه، وألقى نائل رمحه ليعتنقه، وانتضيا سيفيهما فاجتلدا بهما ثم اعتنقا فخرا عن دابتيهما فوقع شهريار على نائل كأنه بيت فضغطه بفخذه، وأخذ الخنجر وأراد حل أزرار درعه ليذبحه، فوقعت إبهامه في فم نائل، فمضغها فحطم عظمها، وأحس منه فتوراً فثاوره فجلد به الأرض، ثم قعد على صدره، وأخذ خنجره فكشف درعه عن بطنه فطعنه في بطنه وجنبه حتى مات، وأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه فذهبوا في البلاد، وأقام زهرة بكوثا حتى قدم سعد عليه، فغنم سعد نائلاً ذلك السلب كله وقال: عزمت عليك يا نائل إلا لبست سواريه وقباءه ودرعه وركبت دابته، وانطلق فتدرع سلبه ثم أتاه في سلاحه على دابته، فقال له سعد: اخلع سواريك إلا أن ترى حرباً فالبسهما، فكان أول رجل من المسلمين سور بالعراق. وأقام سعد بكوثا أياماً، وأتى المكان الذي حبس فيه إبراهيم ﵇ بكوثا والبيت الذي كان فيه محبوساً فنظر إليه وصلى على رسول الله ﷺ وعلى إبراهيم وعلى أنبياء الله أجمعين. وقرأ " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، وقد مر في ذكر افرندين أن المسلمين لما دخلوا المدائن وناداهم رسول كسرى: هل إلى الصلح من سبيل، أجابه رجل من المسلمين بلسانهم، وكان لا يعرف منه شيئاً: لا، حتى نأكل عسل افرندين بأترج كوثا، والقصة مشروحة هناك.

النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الكاف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.