من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)
الرحلة
وأشرع في المقصود فأقول:
كان استئذاننا لأجل الحج من الوزير المحترم، والدستور المكرّم، حضرة أحمد باشا - أدام الله نصره- يوم السبت الثامن عشر من ربيع الأول عام سبع وخمسين ومئة وألف من الهجرة. وإنما احتجت إلى الاستئذان لأن العادة في بغداد إذا كان لأحد جهة تدريس أو خطابة أو إمامة لا بد من أن يستأذن من والي بغداد، وقدّمت في صدر الاستئذان قصيدة داليّة:
كم للهوى من رياق فوق أجيادشوقا إلى ساكني أكناف أجياد
وللجفون انهمال لا يشابههمن السواري هتون رائح غادي
صب يبيت على فرش الضنّا ولهقلب ثوى بين أعواد وعوّاد
يهيم وجدا إذا سار الحجيج ضحىوتستحث قواه نغمة الحادي
تزيده شجنا ورقاء إن صدحتوذكرت نغمات الشادن الشادي
إذا تذكرت والذكرى تهيج جوىمهابط الوحي شبّت نار إنكادي
من لي بكو ماء مرسال تبلّغنيأرض الحجاز لتطفي نار أكبادي
موافيا مكة الغراء ذا جذلبشراي إذ ذاك في عرس وأعياد
متى أراني للأكوار ممتطياأفري فيافي أغوار وأنجاد
وكلما نهضت آمال مكتئبفالعجز يقعدها قهرا بأقياد
وكيف يبرد قلبا بات مضطرماوجذوة في حشاه ذات إيقاد
وكيف يهدأ طرف ظلّ منسجماوالقلب ظمآن وجد شيّق صادي
يئست لولا رجائي بالذي سطعتبه مآثر آباء وأجداد
هو الوزير الذي عمّت مواهبهداني الحواضر والقاصي من البادي
هو الغياث إذا ما أزمة فدحتوهو المرام لقصاد ووراد
كهف العفاة ملاذ المستجير بهغوث الصريخ به غيث لمرتاد
مجندل الشّوس والهيجاء في سعرمردي الكماة ببتّار ومدّاد
يدبّر الأمر والأخطار معضلةجدّا فيلبسها أثواب إرشاد
بحر ولكنما عذب مذاقتهيولي الورى عرفه من قبل ميعاد
ذلّت لسطوته صمّ العتاة وقدكان الجميع أبيا غير منقاد
له التدابير أغنت عن مضاعفةمن العساكر قد مدّت بأجناد
لا سيما ثالث الوقعات حين أتىديارنا الشاه يبغي ضبط بغداد
في محفل كالحصى والرمل عدّتهتكلّ عن جمعه أرقام أعداد
توهّم الشاه أن الجند كثرتهاتروّع أحمد أو تقضي بأنكاد
ظن القنابر والأطواب تفزعهأو من صواعقها يخشى وإرعاد
فمال للسلم إذعانا وذا نادرلما رآه ثبوتا طود أطواد
واختار من بعد رفض رفض مذهبهمفصار في الحال سنيّا بأشهاد
وشدد النهى عن سبّ الصّحابة بلقد شاب هذا بتهديد وإبعاد
ورتّب الخلفاء الراشدين علىعقائد السنّة الأولى بإرشاد
فكم خلاف وكم كفر وكم بدعأزال وهو على كل بمرصاد
وحتّم الأمر أن يدعو خطيبهمعلى المنابر للخنكار في النادي
وقد علمنا يقينا إنما فعلالذي ذكرنا حذار الضيغم العادي
والله والله أيمانا مغلظةلولا أبو عدلة والمفخر البادي
لكان أطفالنا أسرى الأعاجم بلكنا رهائن أجداث وألحاد
فالله يكلؤه والسعد يخدمهوالنصر يقدمه فوزا بإسعاد
فيا أبا عدلة لا زلت ذا ظفرإذنا ومنا بإحسان وإرفاد
والاستئذان الذي كانت هذه القصيدة في صدره هو هذا:
اللهم يا ذا المن الذي لا ينفذ إمكانه، والإحسان الذي لا يحد إحسانه، إنا نتوسل إليك بجلال ذاتك، وكمال صفاتك، أن تديم على الأنام، ولا سيما سكان مدينة السلام، ظل الوزير
الذي ألبسته الهيبة والجلالة، ومنطقته السؤود والعدالة، وقصمت بسطوته ظهور القساة المتمردين، وأحييت برأفته العفاة المقلين، ونشرت بأوامره أعلام العدل والأمان، وطويت بزواجره كل بغي وعدوان، آمين. فالمعروض على السدة التي سمت على السماكين قدرا ونمت على النيرين رفعة وفخرا، لا زالت لجباه الأمراء الأفاخم مساجد، ولا برحت مقبلة بشفاه الأعاظم الأماجد.
بقيت بقاء الدهر يأكهف أهلهوهذا دعاء للبرية شامل
هو أنه من الأمور المقررة، والأحكام المحررة، مما هو معلوم لديكم، وغير خفي عليكم، أن النطف أجابت من كل فج سيدنا إبراهيم حين أذن بالحج، فصممت نفس هذا الداعي على أن تتبع القول بالعمل، وتجمع بين جوابي الأرواح والأشباح، ليطابق الحال في الأزل، فنزعت نزوع الطفل بعد فطامه إلى الرضاع، إلى أن تعفر محياها مهابط الوحي من تيك البقاع، لترمي من أشواقها جمرات، وترضع من ثدي زمزم رضعات، وتقف على عرفات الغفران، وتسعى بحط الأوزار باستلام الأركان، وتطوف حول حمى الملك الغفار، قائلة: هذا مقام العائذ بك من النار، ولما تيقنت أن العمر قد ذهب أطيبه، وغبر أعذبه، وأن الجسم قد وهى ورقّ، والعظم قد وهن ودق، والبدن كشن بالية وعما يصلحها عارية خالية، وتذكرت حديثا سمعته من الثقات الجهابذة الأثبات، أنه ﷺ قال، أو كما قال: (اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك) الحديث سارعت بالاستئذان مستدرة عوائد الإحسان:
وفي النفس حاجات وفيك فطانةسكوتي بيان عندها وخطاب
ولله عليّ إذا شاهدت تلك المشاهد، وتعهدت هاتيك المعاهد، أن تكون هجيراي المستمرة، وشنشنتي الدائمة المستقرة، خير الدعاء لكم في تلك الأماكن الشريفة، والبقاع السامية المنيفة، فلا زلت مغمورا بالنعم، مدفوعا عنك النقم، آمين.
فخرج الإذن ذلك اليوم، ووكلت على تدريسي في آستانة قطب العارفين، وسلطان الموحدين، سيدي أبي صالح محيي الدين عبد القادر الجيلي- قدس سره العزيز- ولدي النجيب العالم الفاضل، أبا الخير عبد الرحمن، لا زال سعيدا ما كرّ الجديدان، آمين.
ثم خرجنا من بغداد دار السلام قبيل الظهر، الاثنين، الثامن والعشرين من ربيع الأول من العام المذكور، فخرج الأولاد والمحبّون لوداعنا، فجرت منّا العبرات، وتلظت منا الزفرات، وفاضت دموع العيون، وتراكمت على الفؤاد الشجون.
وبما جرى في موقف التوديع منألم النوى شاهدت هول الموقف
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع