من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)
بستان حسين باشا القازوقجي
واما البستان المذكورة فهي جنة من جنان الدنيا، ماؤها رقراق، ونهرها دفاق، تصدح فيها الحمائم والبلابل، وتغرّد فيها الشحارير والعنادل، رق نسيمها حتى عاد كالعليل، وطاب
ظلها وهو ظل ظليل، ذات أشجار مختلفة الثمار، تطل على نهر قويق، وعلى بساتين مد البصر، رفيعة المباني والعمران، مزخرفة بسائر الألوان، فانبسطنا ودام لنا السرور، وحصلنا على الأفراح والحبور. وكان حفظه الله ما بين يوم ويوم يأتي لزيارتي وتحصل بيننا مذاكرات ومحاورات من سائر العلوم من منثور ومنظوم، فالغالب يكون الصواب معي، وهو حفظه الله وافر الإنصاف، مجانب الاعتساف، حتى إنه اتفق لي معه مذاكرة في إنّ العام إذا خصص بغير إلّا هل تكون دلالته ظنية أم قطعية؟ وما الذي رجحه علماء الأصول؟ فامتد البحث بيننا ثلاثة أيام، ووافقه على دعواه الشيخ طه الجبريني مع إقامة الدلائل من الطرفين، والمعارضة من الجانبين، حتى كثر الصخب، وارتفعت الأصوات، مع مراعاة قوانين المناظرة، فاجتمعت به خلال اليوم الثالث، فأول ما وقع نظره عليّ قال لي: يا سيدي إن الصواب معك ونحن مخطئون! وما كفاه هذا إلّا أنه أينما جلس عند الأكابر والأعيان يقول: جرت بيننا وبين الشيخ البغدادي مباحثة والصواب معه ونحن كنا مخطئين، ولم يزل ينوه بذكري، ويقول إنه شيخنا ونحن تلامذته، فلله دره من عالم ما أكثر إنصافه وما أجزل ألطافه وإسعافه مع مداعبته وملاءمته وتفرده في حلب علما وجاها. وأضافني مرة ثانية في بيته ومعنا رفيقنا الشيخ عبد الوهّاب الموصلي الإمام بالحضرة الجرجيسية، والشيخ طه الجبريني، والشيخ عبد الكريم الشراباتي، والشيخ السيد حسين الديري، وغيرهم. وجرت في ذلك المجلس محاورات ومذاكرات أكثرها عبارات الشيخ ابن حجر في شرح المنهاج عارضني
فيها الشيخ طه الجبريني، وكان الحق معي آخرا. وكان معنا السيد محمد قزيزان، وهو رجل حسن الصوت، حسن النغمة، معرفته بالألحان الموسيقية تامة، وما سمعته يلحن في إنشاده ولو بحركة. ومن عادته أنه لا ينشد إلا الرقيق من الأشعار، فمما أنشدنا في ذلك المجلس ميمية الشريف الرضي:
يا ليلة السفح هلا عدت ثانيةسقى زمانك هطال من الديم
ماض من العيش لو يفدى بذلت لهكرائم المال من خيل ومن نعم
لم أقض منك لبانات ظفرت بهافهل لي اليوم إلا زفرة الندم
فليت عهدك إذ لم يبق لي أبدالم يبق عندي عقابيلا من السقم
تعجبوا من تمني القلب مؤلمهوما دروا أنه خلو من الألم
ردوا عليّ لياليّ التي سلفتلم أنسهن وما بالعهد من قدم
أقول للائم المهدى ملامتهذق الهوى وإن اسطعت الملام لم
وظبية من ظباء الأنس عاطلةتستوقف العين بين الخمص والهضم
لو أنها بفناء البيت سانحةلصدتها وابتدعت الصيد في الحرم
قدرت منها بلا رقبى ولا حذرعلى الذي نام عن ليلي ولم أنم
بتنا ضجيعين في ثوبي تقى وهوىيلفنا الشوق من فرع إلى قدم
وأمست الريح كالغيري تجاذبناعلى الكثيب فضول الرّيط واللمم
يشي بنا الطيب أحيانا وآونةيضيئنا البرق مجتازا على إضم
وبات بارق ذاك الثغر يوضح ليمواقع اللثم في داج من الظلم
وبيننا عفة بايعتها بيديعلى الوفاء لها والرعي للذمم
يولع الطل بردينا وقد نسمترويحة الفجر بين الضال والسلم
وأكتم الصبح عنها وهي غافلةحتى ترنم عصفور على علم
فقمت أنفض بردا ما تعبقهغير العفاف وراء الغيب والكرم
وألمستني وقد جد الوداع بناكفا تشير بقضبان من العنم
وألثمتني ثغرا ما عدلت بهأري الجنى ببنات الوابل الرزم
دين عليك فإن تقضيه أحي بهوإن أبيت تقاضينا إلى حكم
عجبت من باخل عني بريقتهوقد بذلت له دون الأنام دمي
ما ساعفتني الليالي بعد بينهمإلا بكيت ليالينا بذي سلم
لا تطلبن لي الأبدال بعدهمفإن قلبي لا يرضى بغيرهم
ومما أنشدنا ثمة تائية ابن الفارض من قوله
متى أوعدت أولت وإن وعدت لوتوإن أقسمت لا تبرىء السقم برت
وسرد منها عشرين بيتا.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع