تجاوز إلى المحتوى

من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)

بستان آغا زاده

وأضافني ثالثة في بستان آغا زاده، ومعنا في الضيافة الشيخ طه الجبريني، والشيخ عبد الكريم الشراباتي، والشيخ عبد السلام الحريري، والشيخ الناسك السيد علي العطار، والشيخ السيد حسين الديري، والشيخ محمود الكردي المدرس بالشعبانية، والشيخ عبد الوهاب الموصلي الإمام بحضرة نبي الله جرجيس، والشيخ محمود الكردي الغريب، والسيد محمد نائب المحكمة الصلاحية، وغيرهم ممّن كان يحضر تدريسه في البيضاوي، فدخلنا البستان فإذا هي ملتفة بالأشجار، مزينة بالأوراد والأزهار، فيها البلابل تترنم طربا، والنسيم يشق له من خلالها سربا، يشقها النهر المسمى بقويق نصفين، وهو نهر صاف عذب لأهل تلك الديار فيه أشعار كثيرة، منها قول القائل:

هو الماء أن يوصف بكنه صفاتهفللماء إغضاء لديه وإطراق
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
ففي اللون بلور وفي اللمع لؤلؤوفي الطيب قنديل وفي النفع درياق
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
إذا عبثت أيدي النسيم بوجههوقد لاح [منه] أبيض الوجه براق
فطورا عليه منه زرق حقيقةوطورا عليه جوشن منه رقراق

وهي طويلة، وفيما ذكرنا كفاية.

ويمد هذا النهر قناة حلب، قيل: إن هذه القناة هي عين إبراهيم ﵇، وهي من حيلان قرية شمالي حلب.

رجع، فانبسطنا يومنا كله، وقضيناه ما بين مذاكرة ومداعبة وإنشاد شعر، وكان منشدنا السيد محمد قزيزان، فمما أنشدنا ذلك اليوم موشح الأديب مصطفى أفندي البابي في وصف نهر عين الذهب، وهو نهر ذو فوائد كثيرة، ومنافع غزيرة، ينبئك عما فيه من العجب تسميته بعين الذهب، وقد نزلنا عليه في مرحلة الباب، وأشرنا ثمة إلى بعض ذلك، والموشح هو هذا:

بأبي وأيأبي وبي جرعة من ماء عين الذهب

يا رعاه الله من واد وسيمرقّ فيه الماء واعتل النسيم
للشاعر مصطفى البابي الحلبي، اقرأ القصيدة

تعرف النّضرة فيه والنعيم

عيشنا فيه رخي اللببغفلت عنه عيون النوب
حيثما يممت روض وغديروإلى جانبه ظبي غرير

وفراش متقن الوشي وثير

كملت فيه دواعي الطربيؤخذ الصيد به عن كثب

في نديم شب في حجر الدلال

لو عصرت الظرف من عطفيه سالوإذا ساجلته بالأدب
قمر ينظر من عيني غزاليملأ الدلو لعقد الكرب

قم بنا ننشق أرواح السحر

قبل أن تصدى بأنفاس البشرهذه الورق تغنّت في الشجر
وتناجت في رؤوس القضبكل من ضيع ذا الوقت غبي
للشاعر مصطفى البابي الحلبي، اقرأ القصيدة

دأبنا شم ورود وخدود

وعناق من غصون وقدودوالهوى لف خصورا بزنود
لذة ما شانها من أشبخلصت من موبقات الريب

نفح روح الراح في جسم الزجاج

إنما يسمر عن غيظ المزاجأيها الساقي فبادر بالعلاج
رصع الشمس لنا بالشهبواسكب الفضة فوق الذهب
للشاعر مصطفى البابي الحلبي، اقرأ القصيدة

وممّن وصفه، كما في التاريخ، أبو نصر المنازي حين تفيأ في واديه وقال:

وقانا لفحة الرمضاء وادسقاه مضاعف الوبل العميم
نزلنا دوحة حنّت عليناحنوّ المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالاألذّ من المدامة للنديم
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة
يصد الشمس أنّى قابلتنافيحجبها ويأذن للنسيم
تروع حصاه حالية العذارىفتلمس جانب العقد النظيم
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة

وهذا البيت الأخير مما يخلب بالألباب، ويذهب بالعقول. قال ابن الشحنة في تاريخه: يعني أن العذراء التي في عنقها عقد إذا وقفت عليه ونظرت خيال عقدها في مائة تظنّ أن عقدها قد انفصم ووقع فيه فتلمسه، وقد يكون المعنى أنها تشبه الحصى الذي في النهر بعقدها. قلت: وقد نزلنا على هذا النهر، ويحق للناظم ذلك، لأنه لم ير الفرات ولا دجلة، فإن أدنى نهر من أنهارها ألطف وأرق وأعذب وأسلس مما ذكر ولا أحد يذكره في بيت أو شعر أو مثل. ومما أنشدنا ذالية ظافر الحداد، وهي:

لو كان بالصبر الجميل ملاذهما شح وابل دمعه ورذاذه
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «لو كان بالصبر الجميل ملاذه»
ما زال جيش الحب يغزو قلبهحتى وهى وتقطعت أفلاذه
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «لو كان بالصبر الجميل ملاذه»
لم يبق فيه من الغرام بقيةإلا رسيس يحتويه جذاذه
من كان يرغب في السلامة فليكنأبدا من الحدق المراض عياذة
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «لو كان بالصبر الجميل ملاذه»
لا تخدعنّك بالفتور فإنهنظر يضر بقلبك استلذاذه
يا أيها الرشا الذي من طرفهسهم إلى حب القلوب نفاذه
در يلوح بفيك من نظّامهخمر يجول عليه من نباذه
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «لو كان بالصبر الجميل ملاذه»
وقناة ذاك القد كيف تقومتوسنان ذاك اللحظ ما فولاذه
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «لو كان بالصبر الجميل ملاذه»
رفقا بجسمك لا يذوب فإننيأخشى بأن يجفو عليه لاذه
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «لو كان بالصبر الجميل ملاذه»
هاروت يعجز عن مواقع سحرهوهو الإمام فمن يرى أستاذه
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «لو كان بالصبر الجميل ملاذه»
تا لله ما علقت محاسنه امرءاإلا وعزّ على الورى استنقاذه
مالي أتيت الحب من أبوابهجهدي فدام نفاره ولواذه
إياك من طمع المنى فعزيزهكذليله وغنيه شحاذه
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «لو كان بالصبر الجميل ملاذه»

ومما أنشدته ثمة قول سيف الدولة ابن حمدان، وقيل لابن المعتز

وساق صبيح للصبوح دعوتهفقام وفي أجفانه سنة الغمض
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وساق صبيح للصبوح دعوته»
يطوف بكاسات العقار كأنجمفمن بين منفض علينا ومنقض
للشاعر سيف الدولة الحمداني، من قصيدة «وساق صبيح للصبوح دعوته»
وقد لبست أيدي الجنوب مطارفاعلى الجو ركبا والحواشي على الأرض
يطرزها قوس السحاب بأحمرعلى أصفر من أخضر إثر مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائلمصبغة والبعض أقصر من بعض
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وساق صبيح للصبوح دعوته»

ومما أنشدنا أيضا ثمة يائية ابن الفارض، من قوله:

يا أصيحابي تمادى بينناولبعد بيننا لم يقض طي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سائق الأظعان يطوي البيد طي»

[إلى قوله]

غير ما أوليت من عقدي ولاعترة المبعوث حقا من قصي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سائق الأظعان يطوي البيد طي»

وإنما لم أكتب الأبيات التي أنشدها من تائية ويائية سيدي عمر ابن الفارض لشهرتها بين الناس بشهرة ديوانه.

وحضرنا مرّات عديدة درسه في البيضاوي، [فهو] يدرس في الأسبوع يوم الأحد في بيته، ويحضر في حلقة درسه غالب أجلاء حلب، منهم سيدنا الشيخ طه الجبريني، وسيدنا الشيخ عبد الكريم الشراباتي، وسيدنا السيد علي العطار وهو المملي للتفسير، وسيدنا الشيخ فتيان، والسيد محمد نائب الصلاحية التفتنازي، وسيدنا الشيخ محمود وغيرهم. وهؤلاء كلهم محققون فضلاء مدققون، لهم تآليف كثيرة، وتصانيف شهيرة، ويحضر في الدرس من الحواشي حاشية شيخي زاده، (وحاشية شيخ الإسلام زكريا الأنصاري)، وحاشية سعدي أفندي، وحاشية عصام، وحاشية سنان باشا و (حاشية) الشهاب الخفاجي. ويورد في الدرس كل ما في ذلك من إشكال وغموض غير ما تستنبطه الأذهان في ذلك الآن. وهو- حفظه الله- كالبحر إذا زخر،

والليث إذا زأر، والجمل إذا (هدر)، والسيل إذا انهمر. كيف لا! وقد مكث في الجامع الأزهر أربعة عشر عاما يطلب فيها العلم، وقرأ أيضا على علماء الحرمين وغيرهم، حتى حصل جميع الفنون. حدثني أنه أخذ التفسير عن الشيخ (أحمد) الملوي، وهو أخذه عن الشيخ عبد الله الكنكسي وثبته مشهور، وأخذ الحديث عن الشيخ أحمد النخلي وثبته المشهور، وعن محمد بن عبد الله المغربي وثبته مشهور، وله إجازة بثبت الشيخ علي العقدي عنه، وبثبت الشيخ منصور المنوفي عنه، وبثبت الشيخ عبد الرؤوف البشبيشي عنه، وبثبت الشيخ عبدو الديوي عنه، وأخذ المعاني والبيان والنحو والصرف وسائر العربية والأصولين والمنطق عن الشيخين الشيخ منصور والشيخ أحمد الملوي. وأخذ الفقه الحنفي عن الشيخ علي العقدي، وهو عن عمه عيسى عن الحمودي، شارح الأشباه. وأخذه عن الشيخ حسن الشرنبلالي، وهو عن أبيه مؤلف الحاشية. وأخذ علم الكلام عن الشيخين الشيخ أحمد الملوي، والشيخ محمد بن عبد الله المغربي، وأخذ الحديث أيضا عن الشيخ محمد الميت ضد الحي.

والتمس مني أن أؤلف ثبتا باسم (ولده) السيد مصطفى، وأذكر فيه سنداتي إذا وصلت إلى وطني بغداد، وأرسله إليه فأجبته والله الموفق. وقد طلب مني- حفظه الله- أن أجيزه، وولده النجيب السعيد السيد مصطفى، بجميع ما يجوز لي وعني روايته، فأجزته وولده بجميع ما لي فيه رواية البديري الدمياطي وطلبت منه الإجازة لي ولولدي (القلبي أبي المحاسن) حسين وأمه أم الفضل خديجة وأخيه علي، ولأولادي الصلبيين أبي الخير عبد الرحمن، وأبي السعود محمد، وأبي الفتوح إبراهيم، وشهاب الملة أبي المحامد أحمد، وأم الخير رقية، وأم العفاف سارة، وأم السعد صفية، فأجازني وإياهم بجميع ما رواه عن مشايخه المتقدمين، وكانت الإجازتان، إجازتي وإجازته ضحى يوم السبت الثامن عشر من شعبان عام هـ.

عودا على بدء. وإن عادة هذا الشيخ في تقريره على التفسير لا يستعجل بل يقرر بتوءدة وتأنّ، من غير همهمة ولا هذرمة والاعتراضات عليه كرشق النبال، فيجيب من غير إمهال.

ومما منّ الله به عليّ أنه ما جرى بحث في التفسير أو الحواشي إلّا كنت المصيب، والحاضرون لهم إنصاف عظيم، وتسليم للحق القويم، لا عناد ولا خلاف، ولا خبط ولا اعتساف، ولا نزاع ولا شقاق، ولا خداع ولا نفاق، بل إنّهم- كثر الله في الإسلام أمثالهم- يتبعون الحق، ويأخذون العلم ولو عن أدنى منهم، فكان الشيخ الطرابلسي يجلسني في مكانه ويجلس هو مع سائر الطلبة، فالداخل يظن أني أنا المدرس، وكلما قرّر هذا الشيخ ينظر إلى كالمستفهم، ويقول: يا سيدي أليس كذا؟ وهذا كله من محاسن أخلاقه حفظه الله تعالى. وكانت العادة عند تمام درسه يسرع السيد محمد قزيزان بإنشاد قصيدة، وبفراغه

من الإنشاد ينفض مجلس الدرس. فمما أنشد (عقب الدرس) قول (ابن الخياط الدمشقي):

خذا من صبا نجد أمانا لقلبهفقد كاد رياها يطير بلبه
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «خذا من صبا نجد أمانا لقلبه»
وإياكما ذاك النسيم فإنهمتى هبّ كان الوجد أيسر خطبه
للشاعر بلبل الغرام الحاجري، من قصيدة «خليلي عوجا بالغوير وكثبه»
خليلي لو أحييتما لعلمتمامحل الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوىيتوق ومن يعلق به الحب يصبه
للشاعر بلبل الغرام الحاجري، من قصيدة «خليلي عوجا بالغوير وكثبه»
غرام على يأس الهوى ورجائهوشوق على بعد المزار وقربه
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «خذا من صبا نجد أمانا لقلبه»
وفي الركب مطوي الضلوع على أسىمتى يدعه داعي الغرام يلبّه
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «خذا من صبا نجد أمانا لقلبه»
إذا خطرت من جانب الرمل نفحةتضمن منها داؤه دون صحبه
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «خذا من صبا نجد أمانا لقلبه»
ومحتجب بين الأسنة معرضوفي القلب من إعراضه مثل حجبه
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «خذا من صبا نجد أمانا لقلبه»
أغار إذا أنّت وفي الحي أنةحذارا وخوفا أن تكون لجبه

ومما أنشدنا عقب درس الطرابلسي من همزية البوصيري

من قوله:

فتنزّه في ذاته ومعانيهاستماعا ما عزّ منها اجتلاء
للشاعر البوصيري، من قصيدة «كيف ترقى رقيك الأنبياء»

إلى قوله: شق عن صدره.. البيت

وكان من جملة ما أنشده من هذه، قوله:

فإذا ما ضحا محا نوره الظلوقد أثبت الظلال الضحاء
للشاعر البوصيري، من قصيدة «كيف ترقى رقيك الأنبياء»
فكأن الغمامة استودعتهمن أظلت من ظله الدففاء
للشاعر البوصيري، من قصيدة «كيف ترقى رقيك الأنبياء»

فقلت في المجلس: كيف تفهمون هذا البيت؟، فإن الشيخ الجوجري قال: لم يظهر لي معناه، والشيخ ابن حجر شرحه»

إلا أنه لم يظهر لي المراد منه، فما معنى عبارة ابن حجر؟

فتوقفوا في البيت، وفي شرح ابن حجر، وراجعوا، فوجدوا الشيخ حسن البوريني كتب عليه بعد ما ذكر (ما) للشارحين فيه من الكلام الذي حاصله يرجع إلى ان الدففاء بفائين،

وأظلت فيه بالظاء المشالة، إلى أن قال: والذي فيه عندي أنه تحرف عليهم أجمعين، وإنما هو كذا، فكأن الغمامة استودعته مذ أظلت من ظله الدقعاء، فاستودعته وأظلت مبنيان للمفعول، ومذ بميم مضمومة، وذال معجمة، والدقعاء بدال مفتوحة وقاف وعين مهملة، ثم مد، بمعنى الأرض، والمعني أن الغمام إنما أظلّه لئلا يمس ظلّه الأرض، فلهذا أخذه وديعة عنده ليصونه عن مس التراب، وهذا معنى بديع يعرفه من ذاق حلاوة الشعر وعرف مغزاه.

وفي قوله: مذ أظلت. انتهى. معنيان أحدهما مذ مس ظله التراب، والآخر مذ صارت الأرض كلها في حمايته لأنه ظل الله. وفي معناه رباعية لي:

ما جر لذيل أحمد أذيالفي الأرض كرامة كذا قالوا
هذا عجب وكم له من عجبوالناس بظله جميعا قالوا

وفي التائية المنسوبة للإمام السبكي الذي نظم فيها معجزات النبي ﷺ، وشرحها بعض المتأخرين:

لقد نزه الرحمن ظلك أن يرىعلى الأرض ملقى فانطوى لمزية
وأثر في الأحجار مشيك ثم لميؤثر برمل فوق بطحاء مكة

قال شارحها: قيل إنّه ﵊ كان لا يقع ظله على الأرض لأنه نور

روحاني:

مالطه رأى البرية ظلاهو روح وليس للروح ظل

والنور لا ظل له، إلى آخر كلامه، وهو كلام حسن لو كانت الرواية مثلما ذكر، وأحسن ما رأيت في شرح هذا البيت ما ذكره بعض الشارحين حيث قال: ودفيف الطائر مدة فوق الأرض، والدفيف الدبيب وهو السير اللين، فدففاء على فعلاء جمع داف، كعالم وعلماء، وهو خبر كان. وجملة استودعته حال من الغمامة على إضمار قد، والهاء في استودعته تعود على الظل الممحو بنوره ﵊. والمعنى كأن الغمامة الدففاء، والحال أنها قد أودعت الظل (من النبي) ﵊ التي أظلته من ظله:

ما قال إلا ظلته غمامةهي في الحقيقة تحت ظل القائل

(انتهى).

ومما أنشدنا في ضيافة الطرابلسي في بستان طه زاده قول الشيخ عبد الرحمن الموصلي:

إلى علياك تعنو الأنبياءومن نجواك يقتبس الضياء
للشاعر عبد الرحمن الموصلي، اقرأ القصيدة
وكيف وأنت يا باهي المحيّاعليك أتى من الله الثناء
للشاعر عبد الرحمن الموصلي، اقرأ القصيدة
وزادتك الشفاعة يوم حشركذاك الحوض فخرا واللواء
براك الله من نور نبياولا أرض هناك ولا سماء
للشاعر عبد الرحمن الموصلي، اقرأ القصيدة
فكنت وآدم في ظهر غيبولا طين هناك وليس ماء
للشاعر عبد الرحمن الموصلي، اقرأ القصيدة
فبدء الكون أنت بغير شكوسر الكائنات ولا مراء
وأحسن منك لم تر قط عينيوأجمل منك لم تلد النساء
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «وأحسن منك لم تر قط عيني»
خلقت مبرءا من كل عيبكأنك قد خلقت كما تشاء
للشاعر أبو العزم الحموي، من قصيدة «أزحت عن الشريعة غين عين»

وأنشدنا قصائد كثيرة بعد دروس البيضاوي، وفي بعض الضيافات ما كتبتها لضيق الوقت، وقد سألته- حفظه الله تعالى- عن قول عصام: ولو جعل كنت، بمعنى صرت، لكان أعلى كعبا الواقعة على قول البيضاوي في تفسير قوله تعالى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ

أكد تهديده، وبالغ فيه من عدة وجوه، انتهى. وهذه العبارة ما رأيت أحدا أجاب عنها، بل غالبهم يقول: إنها سهو، ولما فتح الله لي بحلها سجدت لله شكرا وأنا في بغداد. وأما هذا الشيخ فثاني يوم [بعد] السؤال قال:

المراد من كنت في قول عصام هي: كنت التي تقدمت في آيات كثيرة في قوله تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ

الآية، وهو عين الجواب الذي أجبت (به). وقد كتبت على كونه أعلى كعبا كلاما حسنا على هوامش الحاشية العصامية، والله الموفق.

ومما وقع السؤال عنه عبارة القهستاني في شرحه لصدر الشريعة عند قول الماتن:

ويغسل يديه إلى رسغيه ثلاثا للمستيقظ، حيث قال بفتح القاف، وإن اشتهر كسره، لموافقه الحديث، ولأن هذا التصريح بعد الكتابة لا يخلو عن شيء، انتهى. فلم يجب أحد منهم سوى الشيخ الطرابلسي فإنه كتب عليه، وهو غير ما كنت أفهمه أولا. وصورة ما كتب:

المراد من الحديث الموافق: إذا استيقظ أحدكم من منامه، الحديث. ووجه موافقة المستيقظ بفتح القاف (له) أنه يكون حينئذ مصدرا ميميا واللام فيه للوقت، فيفيدان سنية غسل اليدين وقت الاستيقاظ من النوم كإفادة الحديث لذلك. وقوله: ولأن الخبر علة ثانية لمخالفة المشهور. ووجه التعليل إن التصريح أي الإتيان بالاسم الصريح الظاهر بعد الضمير المسمى بالكناية، الواقع في يديه ورسغيه لا يخلو عن شيء، أي عن نكتة حاملة له على العدول عن الإضمار إلى الإظهار، وتلك النكتة هي إفادة الموافقة، وإنها لا تكون على زعمه إلّا بفتح القاف المخالف للمشهور، هذا ما وصل إليه الفهم الموصوف بالفتور. وفي كل من الوجهين نظر، إذ الموافقة للحديث حاصلة مع الموافقة للمشهور، أما بجعل اللام في المستيقظ للعهد، والمعهود هو الأحد المذكور في الحديث، وأما بأن المراد أول أزمان الاتصاف بهذه الصفة، وما ذكره علة للعدول يجري فيما ذكرناه من غير نكول، انتهى.

ومما وقع مني السؤال أيضا في التفسير المذكور، في قوله تعالى لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

فقد ذكر في [تفسير سورة] هود أن الفعل تعلق [بخلق]، وفي سورة الملك نفى التعليق، والآية في الموضعين واحدة، وهو تبع صاحب الكشاف في

الموضعين، فجرى البحث فيها كثيرا من جواب ورد، ثم انتقل الكلام إلى ما ذكر المحشون، فذكر سعدي أفندي، وشيخه شيخ الاسلام زكريا الأنصاري، تلفيقا وتوفيقا بين المحلين، إلا أنه تلفيق وتوفيق إقناعي لا يجدي نفعا فليراجع. ثم وذكر سنان باشا في حواشيه كلاما طويلا، ثم قال: وبالجملة إن هذا من مشكل هذا الكتاب، ولقد أنصف. ثم نشأ من عبارة الكشاف التي هي صريحة في أنّ المعلق لا يكون إلّا قبل الجزءين، فلو تقدم على المفعول الثاني فقط دون الأول لا يكون تعليقا، وتبعه البيضاوي في جميع ذلك. سؤال، وهو أنه هل أحد قال بتعليق المفعول الثاني فقط؟ فقلت: نعم، كما في قولنا علمت زيدا (أبو من) هو، ونقله الجلال السيوطي في شرح الألفية عن الناظم في الكافية. ثم رأيت شيخ الإسلام قال في هذا الحل أنه مذهب الأكثر.

ومما وقع مني أيضا السؤال عن عبارة البيضاوي، عند قوله (تعالى) في سورة (ص):

مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ

وسمّي به العطاء، إلى أن قال: وفرقوا بين الفعلين، فقالوا: صفده إذا قيده وأصفده إذا أعطاه عكس وعدو، أو عدو، (وهي) في ذلك نكتة، فوقع البحث في تعيين النكتة، فأتوا بالحواشي كحاشية سعدي أفندي، وحاشية شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وحاشية شيخي زاده، فاختلفت الحواشي في تعيين النكتة، ولم يقرب إلى الصواب إلا شيخ الإسلام وجوابه في الحواشي مسطور، ولكن للنظر فيه مجال لا يخفى على فحول الرجال.

ومما وقع السؤال عنه في التفسير المذكور: كثير، لكنه ليس من البحث المشهور، وذلك كمعلق جار ومجرور، وإرجاع ضمير، ووصل وفصل وإعراب.

ومما وقع السؤال عنه عبارة الملّا عصام عن قوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً

الآية. فإنه هناك نقل كلام المحقق التفتازاني معترضا، ويفهم من عبارته الجواب عن الاعتراض المذكور وهو غير ما اعترض به التفتازاني فلينظر هناك، وقد أجبت عنه بجواب استحسنه الجميع، ولم تحضرني عبارة عصام هذا الوقت، وإلا لكنت ذكرت الجواب بعد تشخيص الإشكال.

وممن زارنا وصاحبنا وامتزج معنا امتزاج الروح بالجسد سيدنا ومولانا العالم الذي لا يجارى، والفاضل الذي لا يمارى، ذو التحقيقات التي تشهد بأنه البحر الزخار، والتدقيقات التي تخبر بأنه الشمس، الشيخ طه الجبريني بن مهنا، نسبة إلى جبرين، قرية من قرى حلب، فجرت بيننا وبينه أنهار المذاكرة، ودارت علينا كؤوس المباحثة والمناظرة، وهو- حفظه الله- أول من زارنا من علماء حلب، فلم يزل يوقع المسائل في غضون كلامه، ومطاوي صحبته، يوردها بالمناسبة، فطال ما بيني وبينه من المذاكرات في سائر الفنون، فإذا هو عالم علامة، وفاضل فهامة، مع ما اشتمل عليه من النسك والعبادة والصلاح- وفقه الله لطاعته آمين- فقد حصلت لي معه مباحثات شتى، حتى إنه كل يوم يعرض عليّ عبارات (الشرح) المطول وسواداته، وسبب ذلك أنه كان يقرأ المطول إذ ذاك ويعرض عليّ عبارات البيضاوي، لأنه من جملة من يحضر درس الطرابلسي في التفسير، ويعرض عليّ أحاديث البخاري وعبارات شروحه، لأنه كان يقرأ البخاري في الجامع الكبير عند المحراب

الأصفر في مصلّى الشافعية. وأما المسائل المتعلقة بتحفة ابن حجر وبالنحو والصرف وسائر الفنون فهي أكثر من أن تحصى، وكان- حفظه الله- بحاثا بحيث كان يتعبني في المباحثة إلّا أن الغالب عليه عدم إظهار التسليم إلّا أن يلزم إلزاما لا مناص له منه.

وممّا منّ الله عليّ أني ما بحثت مع أحد منهم إلّا وكان الصواب معي، فعظمت في أعينهم بحيث يعاملونني معاملتهم لمشايخهم. وكنت كل يوم أجتمع معه في الجامع الكبير، ويضيفني فيها، وتأدب معي غاية التأدب، والأبحاث بيننا غير منقطعه.

ومما وقع البحث فيه، قول الشاعر:

منينني بالوصل حتىإن مللت من التمني
عرضن لي بالوصل حتىقلت قد أعرضن عني

فقلت: فيكف يكون إعراضهن غاية لتعريضهن بالوصل، فتكلف في الجواب، ولم يقع على الصواب. والجواب إن (قد) هنا اسم فعل بمعنى كفى [و] ليست قد الحرفية.

ومما وقع البحث عنه قوله- ﷺ إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة.

فسألته: ما معنى هذا الحديث؟ فتوقّف. والجواب، كما نقله الشيخ أحمد المقري في تاريخ المغرب عن أبي مدين، أن معناه أعطي نصف جنة. قال: عوض عن الإضافة، كما هو مذهب الكوفيين، أو إنها للعهد كما هو مذهب البصريين، فلم يسلم لهذا الجواب ظاهرا. فاتفق أني صليت العصر في الجامع الكبير، وهو في درس البخاري، فسمعته، وهو لم يرني، يقرر هذا الحديث ويفسره بعين ما ذكرته له.

ومما وقع السؤال عنه قوله ﷺ: ما أسلم من عواصي قريش إلا المطيع بن سالم، فتحير في الجواب، وجوابه كما ذكره ابن الأثير في النهاية: إن المعنى ما أسلم ممن تسمّى بالعاص إلّا مطيع، ومطيع هذا كان اسمه أولا العاصي فغيّر النبي ﷺ اسمه، فسمّاه المطيع، فالعواصي جمع العاصي علما لا صفة.

ومما وقع السؤال عنه، على طريقة المداعبة، أني قلت له: إن بعض الناس يقول: إن أبا هريرة قال لرسول الله ﷺ، وفي هذه الجملة تمّ الحديث، وأفاد معنى حكما شرعيا، فأين مقول القول الذي يتوقف عليه المعنى؟ فتوقف. والجواب: إن قال الثاني من القيلولة لا من القول.

ومما جرى بيني وبينه أنّا حضرنا عقد نكاح، فرأيتهم يحرصون على حضور العدول، فقلت: ولم هذا؟ فقال: حتى يصبح العقد على مذهب الإمام الشافعي. فقلت: لا يصح في هذا المجلس، لأن الولي وأكثر الحاضرين لابسون حريرا، ولبس الحرير من الكبائر التي يفسق بها الولي والشهود، بل يفسق من كان جالسا معهم وله قدرة على دفع المنكر، أو يقدر على مفارقتهم، فأنكر أن يكون لبس الحرير من الكبائر، فأخرجت له الزواجر لأبن حجر، فذكر أن لبس الحرير من الكبائر. وذكر في موضع آخر: أن الاجتماع معهم، مع القدرة على جفاوتهم كبيرة، فلما رأى ذلك قال: لا أسلم ذلك! إنما أريد كتابا في الفقه ذكر ذلك، فنظرنا عبارة التحفة، فأحال الكبائر ومعرفتها على الزواجر. وعرضت عليه عبارة الذهبي فإنه صرح بأن ذلك كبيرة، وعبارة الشبراملسي فإنه قال: وهو من الكبائر، فتوقف حتى إني غضبت عليه، فقلت: لم هذا العناد مع تصريح الشيخ ابن حجر وأنت أولا

تفتي الناس بصحة نكاحاتهم ووقوع طلاقهم وتستند إلى قول ابن حجر فلم لم تقبله إذا كان عليك؟ فسكت ولم يردّ علي.

ومما وقع السؤال عنه، عبارة الشيخ ابن حجر عند قول النووي في المنهاج، وقد أكثر أصحابنا- ﵏ من التصنيف من المبسوطات والمختصرات، حيث قال: قيل والإيجاز لكونه حذف طول الكلام، وهو الإطناب، غير الاختصار، لأنه حذف تكريره مع اتحاد المعنى ويشهد له فذو دعاء عريض وفيه تحكم واستدلال بما لا يدل، إذ ليس في الآية حذف ذلك العرض فضلا عن تسميته، فالحق ترادفهما كما في الصحاح، فسألته عن معنى هذه العبارة، فقرر خلاف المراد، ثم ذكرت له المعنى المراد من العبارة، فمنع منعا مجردا وأصرّ على ذلك. فاتفق ثاني يوم البحث، فرأيت بين أوراقه ورقة كتب فيها المعنى الذي ذكرته له ولم يخبرني بأنه رجع عما قال فيه إلى ما قلته، وأنا كذلك ما ذكرت له أني اطلعت على ورقتك، وإن فيها كذا وكذا. ولنرجع إلى عبارة الشيخ ابن حجر فنقول:

معناها إجمالا إن صاحب هذا القيل ادعى أن الإيجاز غير الاختصار، لأن الإيجاز حذف طول الكلام، والمسمى بالإطناب، والاختصار حذف تكريره الذي هو عرضه، واستشهد على الفرق بقوله: فذو دعاء عريض، فرده الشيخ بأن في هذا الفرق تحكّما أي دعوى بلا دليل، وإن فيه أيضا استدلالا بما لا يدل، فإنه استدل بالآية وليس فيها حذف ذلك العرض المسمى بالتكرير فضلا عن تسميته اختصارا، بل الذي في الآية لفظ دال على التكرير، لا أنه تكرير وحذف، فانظر يا أخي إلى أحوال الشيخ طه! فإنه- والله- عالم فاضل، محقق مدقق، له نظر في العبارة وقوة حافظة في ضبط القواعد من سائر العلوم، مع أدبه وتواضعه، فلا عيب فيه سوى أنه لا يسلم ظاهرا في غالب أحواله، ويستفيد من الخصم مع إنكاره ظاهرا، فسبحان من لا عيب فيه، غفر الله لنا وله.

وممّا وقع فيه السؤال، عبارة الشيخ ابن حجر في قول النووي: وكذا الباب المردود والشباك في الأصح حيث قال ثمة: وبما تقرر علم صحة صلاة الواقف على أبي قبيس بمن في المسجد، وهو ما نص عليه، ونصه على عدم الصحة محمول على العبد، وعلى إذا ما حدثت أبنية بحيث لا يصل إلى بناء الإمام لو توجه إليه من جهة إمامه إلا بازورار وانعطاف، بأن يكون بحيث لو ذهب إلى الإمام من مصلاه فلا يلتفت إلى جهة القبلة، بحيث يبقى ظهره إليها. فقلت: إن لا في قوله لا يلتفت زائدة من قلم الناسخ لأنه في صدد بيان الازورار والانعطاف، وهما يقتضيان الالتفات عن جهة القبلة لا عدمه، فكابر وعاند، وادعى أن قوله بأن يكون بحيث انتهى بيان لعدم الازورار. فقلت: عدم الازورار غير مذكور حتى يكون هذا بيانا، فقال هو مفهوم بطريق المخالفة وأصر على ذلك.

ومما وقع السؤال عنه، عبارة الشيخ ابن حجر، ونصها: وبحث الأسنوي أن هذا في غير شباك بجدار مسجد، وإلّا كالمدارس التي بجدر المساجد الثلاثة صحة صلاة الواقف فيها لأن جدار المسجد منه، والحيلولة فيه لا تضر، ورده جمع وإن انتصر له آخرون بأن شرط الأبنية في المساجد تنافذ أبوابها على ما مر، فغاية جدار المسجد أن يكون كبناء فيه، فالصواب أنه لابد من وجود باب أو خوخة فيه يستطرق منه إليه من غير أن يزور كما مر في غير المسجد، فقلت: صريح عبارة ابن حجر أن الازورار في المسجد يضر، وإن ذهب غيره إلى خلافه، كالحلبي وغيره. فقال الشيخ طه: لا تقتضي العبارة ذلك، وتمحل لها تمحلات بعيدة وتكلفات واهية غير سديدة تماما. ثم إنّا توافقنا أن نجعل الشيخ الطرابلسي حكما في المسألتين، وقلنا: إنه رجل حنفي ولا يعرف حكم المسألة عند الشافعية إلا من مدلول اللفظ، فنعرض عليه العبارتين ونسأله تقريرهما، فإن وافق تقرير أحدنا ينبغي للآخر أن يسلم.

فعرضنا عليه العبارتين فقرر طبق ما قررت- والحمد لله- فإن النزاع طال وامتد إلى سبعة أيام.

ويوم اجتمع بي، وجرت بيني وبينه المذاكرات، أنشدني متمثلا:

لم تزل منا شدة الركبان تخبرنيعن أحمد بن علي أطيب الخبر
فلما التقينا فلا والله ما سمعتأذني بأحسن ممّا قد رأى بصري

أخذ الشيخ طه المذكور الحديث والفقه والأصول والنحو والمعاني والبيان وغير ذلك عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري ثم المكي، وعن الشيخ عيد البرلسي المصري، وعن الشيخ تاج الدين القلعي المفتي بمكة المكرمة، وعن الشيخ عبد القادر المفتي بها أيضا، وعن الشيخ يونس المصري، وعن الشيخ أبي الحسن السندي. وأخذ الفقه والنحو أيضا عن الشيخ مصطفى الحفسر جاوي ثم الحلبي، وعن الشيخ أحمد الشراباتي الحلبي. وأخذ الحساب والنحو عن الشيخ حسن التفتنازي ثم الحلبي.

والمنطق عن الشيخ محمد شلبي البرلسي المصري [وأخذ] هداية الحكمة عن الشيخ عبد الله الصادق بلاقي الكردي وغيرهم.

والتمست منه أن يجيز أولادي الصلبيين والقلبيين، وهم أبو المحاسن وأمه أم الفضل خديجة، وأبو المفاخر علي، وأبو الخير الشيخ عبد الرحمن الشعراني، وأبو السعود محمد، وأبو الفتوح إبراهيم، وأبو المحامد شهاب الدين (أحمد)، وأم الخير رقية، وأم العفاف سارة، وأم السعد صفية، فأجازهم بثبت الشيخ عبد الله بن سالم، وجميع ما يجوز له وعنه روايته، وذلك في واحد والعشرين من رجب الأصب من العام المذكور، منحه الله أعظم الأجور، آمين. وممّن زارنا وصاحبنا الصحبة الأكيدة، وواددنا المودّة المديدة، سيدنا

ومولانا العالم المحدث الثقة الثبت، تذكرة ابن الصلاح رواية، وخليفة ابن الأثير دراية، وجامع الفنون العديدة، وحائز العلوم المفيدة، الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ أحمد الشراباتي الحلبي البصير، عمي- فيما أظن- عام سبعة وثلاثين ومائة وألف، له فكرة وقادة، وفطنة نقادة واشتغال تام، لا يفتر عن الإفادة والاستفادة يوما من الأيام أمين على العلم بحيث إذا ظهر خطؤه ولو بعد شدة النزاع رجع وأذعن وأقر بأنه كان مخطئا، لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا تعتريه فيما إذا أخطأ ندامة نادم، لين العريكة، صافي السريرة والطوية، مخلص العزم في أعماله، حسن النية. عاشرني معاشرة ارتفعت فيما بيننا الحشمة، ومكنني من جميع كتبه، بل من جميع ما في بيته. وأول ما وقع عليه نظري وصافحني قال:

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وأنا قلت حين المصافحة: اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وسلم، اللهم اغفر لي ولأخي هذا، وذلك لأنه المأمور به وقت المصافحة كما جاء في ذلك أحاديث كثيرة، وأخبار معروفة شهيرة، وكأنه استشعر مني الإنكار عليه، فقال: روينا عن الأذكار النووية أنه، ﷺ، ما أخذ بيد رجل وفارقه إلا قال: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وكان- حفظه الله تعالى- لا يخاطبني إلا بيا شيخنا.

وكان يقول: والله علمنا الشيخ البغدادي كيفية البحث والمناظرة، واستفدنا منه شيئا كثيرا. وكان سخي النفس جدا، دعاني مرارا عديدة، وأول ما وقع نظري عليه أحبه قلبي محبة كثيرة، فقلت له: يا شيخ عبد الكريم! إني أحبك لله، فقال: أحبك الذي أحببتني لأجله.

نقل مرة مسألة عن كتاب فلم توجد فيه وإنما الموجود عكس ما قال، فقال: إني أحفظها

من غير هذا الكتاب، فقلت: يا شيخ إن العلم أمانة، وإنك ادّعيت أنك لا تحفظها إلّا من هذا الكتاب، فسكت طويلا ثم قال: جزاك الله خيرا، وعيناه تدمعان. قال ﷺ: العلماء أمناء الله فانظروا عمّن تأخذون دينكم، أو كما قال. وأنا والله لا أحفظها إلّا من هذا الكتاب، لكن الأمر التبس عليّ فأنا مخطئ في حفظي! فبقي مدة كلما جرت مسألة يقول: جزاك الله خيرا، العلم أمانة، ثم يتكلّم بالمسألة.

حضرت درسه في المشكاة في الجامع الكبير، قبالة ضريح السيد زكريا، على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام، فبقي أينما جلس يقول: حضر درسنا الشيخ البغدادي، فانقطع نفسي، وتلجلج لساني من هيبته، أو كما قال، ولم يزل- حفظه الله- يسألني عمّا أشكل عليه طالبا الاستفادة. وبالجملة هو عالم عامل، والتمس مني أولا أن أجيزه بصلاة الشيخ عبد السلام بن بشيش فأجزته بها، واستجزت بها أيضا فأجازني، وسنده أعلى من سندي بواحد، والتمس مني ثانيا أن أجيزه بجميع مروياتي فأجزته بما يجوز لي وعني روايته، واستجزته أيضا لأولادي الصلبيين والقلبيين فأجازنا بجميع مروياته، منها ما تضمنه ثبت الشيخ أحمد النخلي، وثبت الشيخ عبد الله بن سالم البصري، وبما رواه عن جميع مشايخه. وأجازني بمثال نعل المصطفى- صلى الله عليه

وسلم- (عن شيخه والده) عن الشيخ محمد الكاملي عن الشيخ أحمد بن شاهين عن مؤلف فتح المتعال في أحوال النعال الشيخ، وهذا السند أعلى من أسانيدي المتصلة إلى الشيخ أحمد المقري. أخذ الشيخ المذكور التفسير عن والده العالم الكبير، والفاضل الشهير، أحمد الشراباتي وعن الشيخ عبد الله بن سالم البصري، والحديث عن جم غفير، أشهرهم والده الشيخ أحمد، والشيخ أحمد النخلي، والشيخ عبد الله بن سالم، والشيخ أبو المواهب الحنبلي الدمشقي، والشيخ (محمد) الكاملي الدمشقي، والشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي، والشيخ أحمد الغزي مفتي الشافعية بدمشق، والشيخ الملا إلياس الكردي الكوراني والشيخ عبد الرحمن المجلّد الدمشقي، والشيخ عبد القادر المجلد التغلبي مفتي الحنابلة في دمشق، والشيخ عبد الرحيم الأزبكي الكابلي. وأخذ

الأصول عن والده المرحوم، و (عن) الشيخ مصطفى الحفسرجي. وأخذ المعاني والبيان عن الشيخ مصطفى المذكور، وعن الشيخ سليمان النحوي. وأخذ النحو عن والده، وعن الشيخ سليمان المذكور، وعن الشيخ مصطفى الحفسرجي. وأخذ المنطق والاستعارات عن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ حيدر الكردي الصفوي. وأخذ علم الكلام عن الملّا محمد أفندي الخشاني وأخذ الفقه عن الشيخ الحفسرجي، وعن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ محمد اليخشي. وأخذ سائر الفنون عن الشيخ أبي السعود الكواكبي المفتي بحلب وغيرهم.

ولم تزل أولاده، الشيخ محمد، والشيخ مصطفى، وعبد الرحمن، في خدمتي، جزاه الله خيرا. ويوم وادعني أوقفني معه مستقبلي القبلة، ودعا لي وهو يبكي، ثم أنشد:

يا من يريد الرحيل عناأسعدك الله في ارتحالك
كان لك الله خير واقسددك الله في المسالك
وآب إلينا بكل خيربرغم من لا يريد ذلك

ثم قال: وجدت في تأليف السفيري شارح البخاري أن هذه الأبيات ما أنشدت وودع بها مسافر إلّا رجع سالما مسرورا، والحمد لله على ذلك.

وممّن زارنا مرارا عديدة، وصاحبنا صحبة أكيدة، سيدنا السيد الأجل، والعالم الأكمل، المتضلع من سائر الفنون ولا سيما الفقه الشريف، السيد حسين ابن السيد محمد ابن السيد هاشم الحسني الحسيني الديري الشافعي، له سخاء وافر مع فقره، وتواضع ظاهر مع شرفه وفخره، أحببناه محبة خاللت الخلد، ورسخت في الفؤاد رسوخا مؤكدا، أضافنا ثلاث مرات، مرتين في داره، ومرة في البستان على حافة قويق، وصحبتنا من الكتب المقامات الحريرية، وشرح الحكم للنفزّي، وشرح درة الغواص للشهاب الخفاجي، ومغني اللبيب لابن هشام، فقضينا نهارنا بانبساط وانشراح وسرور وأفراح ومذاكرة ومحاورة. وكان معنا السيد محمد قزيزان فأنشدنا ذلك اليوم قول الأرّجاني:

كأنّك بالأحباب قد جدّدوا العهداوأنجزت الأيام من وصلهم وعدا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
وعادوا لما كانوا عليه من الوفاوقد أنعمت نعم وقد أسعدت سعدى
أماني لا تدني نوى غير أنهاتعلل منا أنفسا ملئت وجدا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
وجمرة شوق كلما لام لائموردّد من أنفاسه زادها وقدا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
أحن إلى ليلى على قرب دارهاحنين الذي يشكو لألافه بعدا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
ولي سلك جسم ماؤه در أدمعفلولا العدا أمسيت في جيدها عقدا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
أكتم جهدي حبها وهو قاتليوكامن نار الزند لا يحرق الزندا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
هلالية قوما وبعد منازلفهل من سنا منها إلى مقلة يهدى
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
غزالية للناظرين إذا بدتإن انتقبت عينا وإن أسفرت خدّا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
إذا رمتها جر الرماح فوارسلتقصيدها ممن يروم لها فقدا
وحالوا بأطراف القنا دون ثغرهاكما ثاريحمي النحل بالأبر الشهدا
وآخر عهدي يوم جرعاء مالكبمنعرج الوادي وأظعانهم تحدى
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
ولما دنت والستر مرخى ودونهاغيارى غدت تغلي صدورهم حقدا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
تقدمت أبغي أن أبيع بنظرةإلى جفنها روحي لقد رخصت جدا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
أسفت على ماضي عهود أحبتيوهل يمكن المحزون للفائت الردا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»
أبوا أن يبيت الصب إلا معذباإذا بعدوا شوقا وإن قربوا صدّا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «كأنك بالأحباب قد جددوا العهدا»

فلما ابتدأ في مطلع القصيدة تذكرت الأحباب، ففاضت بالدموع عيوني، وثارت صبابتي وتضاعفت شجوني، وتكدر عيشي بعد ما كان صافيا، وفر عني الصبر بعد أن كان وافيا. وقد طلب السيد المذكور الإجازة مني فأجزته بجميع رواياتي، وأجزت ولده السيد عبد القادر بالمثال، مثال نعل المصطفى، وكذا أجزت أخاه السيد بكري، وحذوت في المثالين لكل واحد مثال.

أخذ السيد المذكور التفسير عن قطب الزمان السيد محمد أفندي مفتي حلب، وعنه أيضا المعاني والبيان. وقرأ المطوّل والحديث عليه، وعلى يوسف أفندي المفتي بحلب، وعن أبي السعود أفندي الكواكبي المفتي. وأخذ الفقه الشافعي عن والده السيد محمد، قرأ عليه شرح المنهج، وربع العبادات من تحفة ابن حجر المكي، وشرح التحرير، وعلم الفرائض. وأخذ النحو عن علامة الزمان الشيخ سليمان النحوي، وعن الشيخ إبراهيم النجشي، وعن السيد عبد السلام الحريري، وكذا المنطق وعلم الآداب.

وممن زارنا وزرناه، وأضافنا في بيته العالم الكبير، الفاضل الشهير، ذو الأخلاق الرضية، والتحقيقات المرضية والسخاء الوافر، والصلاح الباهر، عمدة في تحقيق العلوم، وعدة علماء الرسوم، علي أفندي الطرابلسي مفتي الحنفية بحلب، فلقد أكرمني غاية الإكرام وتأدب معي غاية التأدب. وهو شيخ معمر، لين العريكة، عليه أثر الصلاح ظاهر، واتفق يوم زارني هو وأخوه الشيخ عثمان، والشيخ يوسف، [أن] أنشد المفتي بالمناسبة قول الشاعر:

على حاله لو أن في القوم حاتماعلى جوده لضنّ بالماء حاتم

فرفع حاتما، فما تجرأت أن أراد عليه، فأعدت البيت، وجررت حاتما، فرد أخوه الشيخ عثمان عليّ وقال: هو بالرفع فاعل لضن، فقلت: إنه مجرور بدل من الضمير في جوده، كما استشهد به النحاة على ذلك، ولولا أن القافية مجرورة لصح الرفع، إلا أن فيه حيث إقامة الظاهر مقام المضمر والأمر فيه سهل، فراجعوا شواهد العين فرأوا الأمر كما ذكرت والحمد لله.

وكان في المجلس ممّن زارني ذلك اليوم السيد محمد الطرابلسي، والشيخ طه الجبريني، والشيخ عبد الكريم الشراباتي، ومحمد أفندي الملقب بشكر أفندي.

وممن أضافني في بيته الشيخ السيد الصالح ذو الحسب الباهر، والنسب الزاهر، سيدنا الشيخ أبو المواهب مفتي الحنفية بحلب المحمية، فلقد زاد في إكرامي، جزاه الله عني خيرا.

وممّن زارني مرّات عديدة الشيخ الفاضل، والناسك الكامل، الفقيه الفرضي سيدي الشيخ عبد القادر الديري، وأضافني في بيته، ومعنا (في الضيافة) السيد حسين الديري، والشيخ طه الجبريني، والسيد عبد الكافي، والشيخ المعمر الشيخ محمد الزمار، فأكرمني- حفظه الله- وقد تواتر في حلب أن الشيخ عبد القادر المذكور افقه فقهاء (حلب) الشافعية، وأفرضهم.

وممّن خدمنا كثيرا، وأضافنا السيد العالم العامل، والحبر الفاضل، حافظ كتاب الله المجيد البالغ في الصلاح ما لا عليه مزيد، خليلنا المصافي، السيد عبد الكافي إمام الشافعية في المحراب الأصفر، له- حفظه الله- لين عريكة، وصغر نفس، وسخاء وافر، وفّقه الله لمرضاته، وأدرّ عليه سحائب خيراته، آمين.

وممن زارنا الشيخ المعمر، والعالم الذي أزرى بالبحور وبهر، ذي العلوم الفائقة، والتقريرات الرائقة، الغيث المدرار، والبحر الزخار، سيدنا الشيخ محمد الزمار قيل إنه درس ستين عاما إلى هذا التاريخ، وهو رجل لا يتردد إلى أحد، ولا يلبس كسوة العلماء، فالذي يراه يظنه من العوام، له علم وافر، وصلاح ظاهر، طلب مني الإجازة فأجزته بجميع مروياتي، واستجزت منه لي ولأولادي المتقدمين، فأجازني وأجازهم، أمد الله في عمره، وقواه وأصلح فاسد أمره آمين.

أخذ الحديث والفقه والمعاني والبيان وجميع الفنون عن الشيخ أحمد الشراباتي، والشيخ مصطفى الحفسرجي الأزهري، وإجازة عن الملا إلياس، وعن الشيخ عبد الله البصري، وعن الشيخ محمد البديري الشهير بابن الميت، وقرأ المطول على الشيخ سليمان النحوي.

وأخذ علم العربية عن الشيخ عبد الرحمن العارف الرحاوي. وممن زارنا العالم الذكي، والفاضل الألمعي ذو الحافظة المستقيمة، والطباع الخالصة السليمة، العالم الذي لا طريق إلى

التفضل عليه ولا مساغ، سيدنا الشيخ علي الدباغ»

الموقّت في الجامع الكبير، له فنون غير قليلة، واطّلاعات جزيلة، ما رأيت أقوى حافظة منه ولا سعة اطّلاع. طلب حفظه الله مني الإجازة فأجزته، واستجزت منه لي ولأولادي المتقدمين، فأجازني وأجازهم، وله- حفظه الله- تآليف تنوف على خمسين مؤلفا، أطال الله بقاءه، وأسبغ عليه آلاءه آمين.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «النفحة المسكية في الرحلة المكية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.