من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)
حمص
وتليها مرحلة حمص، وقبل وصولها مقدار حد الفوت. عدلنا عن يسارنا إلى زيارة سيف الله وأسده البطل الصنديد، سيدنا خالد بن الوليد صاحب رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقرأنا ما تيسر من القرآن، ودعونا لنا ولمحبينا.
ثم دخلنا حمص ضحى يوم الجمعة، الثامن عشر من الشهر المذكور، ونزلنا في الخان الذي عند بابها، وهو خان كبير مشتمل على خانات، فاذا دخلت بابه رأيت صحنا كبيرا واسعا في أطرافه حجر لأبناء السبيل، وعن يمين الصحن باب كبير فيه خان فيه أواوين وحجر واصطبل، ومقابل الوجه باب كبير أيضا فيه أواوين وحجر أيضا، وجدول ماء صغير متشعب من العاصي، وعن يساره صحن طويل يشقه جدول من العاصي، وعليه ناعورة صغيرة، وفيه مزار يقال إنه قبر مبارك بن عوف، وقيل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄.
وصلينا الجمعة في جامعها الكبير، وهو جامع كبير في صحنه بركة، وعواميد سمّاقيّة ملقاة مطروحة على الأرض، وأعلى المصلى مسقف بالخشب، وظاهر البناء يدل على أنه كان عقدا، فأخبرت أن تيمور الخبيث هدمه. وعلى باب الجامع المذكور، من خارج كتابة فيها اسم الباني، وهو السلطان المالك الملك، المجاهد، المرابط، المؤيد، المنصور، أسد الدنيا والدين، ملك المسلمين أبو الفتح شير كوه بن محمد بن شير كوه ناصر أمير المؤمنين، في
شهر رجب سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وصليت في هذا الجامع صلاة العصر بجماعة، ونويت الاعتكاف فيه أيضا. وفي داخل المصلى عواميد من الرخام في غاية الغلظ والطول، وهي سبعة عشر عامودا، طول الواحد نحو أربعين شبرا، ودوره قدر ما يحضن الإنسان مادّا يديه بمرة ونصف.
ودخلت جامعا آخر، ونويت فيه الاعتكاف قدر ما يصح الاعتكاف.
ومما منّ الله به عليّ أن زرت سيدنا أبا موسى الأشعري صاحب رسول الله ﷺ، وزرت قبر عمرو بن أمية الضمري، [الذي] يزعم أهل حمص أنه الصحابي المشهور، وأنه كان ساعيا للنبي ﷺ، ولم أعرف صحة ذلك ولعله غير صحيح. نعم أرسله النبي ﷺ بكتاب إلى النجاشي فلعل مرادهم بكونه ساعيا ذلك، وسمعت كثيرا أن أهل حمص أكرم وأود وألطف من غيرهم.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع