من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)
فاتحة الكتاب (٢)
بسم الله الرحمن الرحيم
حمداً لمن أمر القلم. فرقم في اللوح المحفوظ ما رقم. وصلوةً وسلاماً على نبيه الذي لا تتسع قراطيس الأدوار لتحرير كمالاته. وتجف محابر البحار دون تسطير ما انطوى في كلماته. وعلى آله وأصحابه الذين مجت أقلام ألسنتهم. ما أنسى عداهم رشح نصال أسنتهم من العُلقم. فغدوا يعدون هرباً من أفاعي الحمام. ويعدون كل فم من هاتيك الأفمام دار الأرقم.) وبعد (فلا يخفى أن الإنسان مدني طبعاً. محتاج إلى بيان مقاصده وضعاً ورفعاً. وقد جعل الله تعالى اللسان. آلة تتكفل بالإيصال إلى ذلك البيان. فمتى أراد ذلك أخرج بدلاء أنفاسه من قليب القلب. وأجرى في حياض السامع من صافيه وكدره ما حب. إلا أنه لما كان قد لا يتسنى له سقي رياض أسماع النائين. ولا يتيسر له سوق مياه الإفادة إلى حياض إفهام الآتين بعد حين. جعل سبحانه له الكتابة عوناً. وجلا ﷻ بها عن عين الإفادة غنياً. فيفيد بها المرء المرام. القريب والبعيد ومن يأتي من بعده بأعوام. ولذا امتن الله تعالى بها. وقال تبارك اسمه منها) اقرا وربك الأكرم الذي علم بالقلم (. والكتابة والبيان. في النفع فرسا رهان. وقد شاع في البين. أن القلم أحد اللسانين. فليملأ الكاتب صحيفته من شكر مولاه. وليغرد قلم لسانه وكذ اللسان قلمه بحمد باريه على جزيل ما أولاه. وليجهد من حرم لسوء الحظ. في طلب حسن الخط. وليسأل الله تعالى التوفيق فما خاب وحرمة اللوح والقلم موفق قط. وأما المطولة فهذه: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم. والصلوة والسلام على سيدنا محمد أول كلمة خطت في صحيفة العيان. وأفضل نعمة جرى بها قلم الإرادة بمداد التفضل على سكنة عالم الإمكان. وعلى آله وصحبه الكابتين بأسنة بنانهم وألسنة بيانهم من جيوش الجهل كل كمى.
والكاتبين بسمر الخط ما تركتأقلامهم حرف جسم غير منعجم
صلوةً وسلاماً تتزين بهما السطور. وتصقل ببركتهما ألواح الصدور. ما نقلت عن صحف البحار غواديها. وكتبت أقلام النور على مهارق الرياض حكمة باديها.) وبعد (فإن من منن الرب. أن جعل في مدينة الجسد ملكاً يسمى بالقلب منه يصدر النهي والأمر. وبرأيه يظهر الخير والشر. ولما كان ملكاً محجباً. وعذيقاً في تلك المدينة مرجباً. جعل الله سبحانه له من أشراف مملكته ترجماناً. ونصب له منها سفيراً يسمى لساناً. فغدا يترجم عما فيه. ويبدي من مقاصده ما يبديه. فذاك الأول في تلك المغاني. وهذا منه وعينيك في المحل الثاني.
إن الكلام لفي الفؤاد وإنماجعل اللسان على الفؤاد دليلا
فلولا شأن اللسان. لشان العي أمر التمدن الطبيعي للإنسان. ثم أنه لما كانت فائدته كالمقصورة على إفادة الحاضر. قلما تسري للغائب أبنائي أو من يأتي من الأواخر. علم ﷿ الإنسان الكتابة. وأزال بها عن فؤاد الإفادة الكآبة. فهي جناح اللسان. ورسوله إلى من نأى في البلدان. وأمينة لمن لم تلده بعد أرحام الزمان. فترى أشجار فوائدها نامية. وبحار فرائدها بالنفع طامية. ولذا شرف الباري سبحانه القلم. وسوده جل شأنه بمداد القسم. فقال تبارك اسمه) ن والقلم وما يسطرون (.
كفى معشر الكتاب فخراً وسؤدداًعلى الناس أن الله أقسم بالقلم
وقد روي عن أبي الحسنين. أنه قال القلم أحد اللسانين. ويا له من لسان تبقى في صحائف الدهور آثاره. ولا تحجب عن صفائح الآفاق أنواره. ويكفي في التنبيه على شرف الكتابة. وأصابه النبه المتصف بها فؤاد هدف الإصابة. إن الله تعالى لم يخل منها ملائكته الكرام. عليهم أفضل الصلوة وأكمل السلام. فقال سبحانه) كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون (وقال تعالى) أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (بل ظواهر بعض آي الكتاب. تشعر بنسبة الكتابة إلى رب الأرباب. وجاء في خبر لا شك في صحة سنده. أن الله تعالى كتب التوراة بيده. وفي بعض الآيات. الأمر بالكتابة في بعض الأوقات. ولولا أن عدم الكتابة هو الأوفق للإعجاز في شأن الحبيب الأعظم. والرسول الأكرم. ﷺ. لجعل الله تعالى له من حسن الخط الحظ الأوفر. ومن نفاسة شكل الرسم الحد الأكبر. على أنه قد قيل. وفيه بحث طويل. أنه عليه الصلوة والسلام. قد علمه ربه ﷾ في آخر الأمر الخط بالأقلام. وبالجملة الكتابة كمال أي كمال. وزينة زينة للرجال. كم نالوا بهاؤهم قاعدون على الإعجاز الصدور. وكم صعد لهم الزمان من أنبيق قصبها وهم غافلون قطر السرور. ولله تعالى در من قال. وهو من در المقال.
خط حسن جمال مرءإن كان لعالم فأحسن
فالدر مع النبات أحلىوالدر على البنات أزين
فلا بدع أن ابيضت اللمم في تسويد القراطيس لتحصيلها. أو انتقصت اللذائذ في صرف نقد العمر النفيس نحو تكميلها. فنفعها كثير. وفضلها كبير. ولو اتسع لي قرطاس الزمن. ومدني الدهر بمداد الراحة في محبرة الوطن. لحررت من ذلك ما يسر الكتاب. ولا يكاد يوجد مسطوراً في كتاب. وفيما ذكر كفاية. لمن كان عنده حرف من الدراية. وهذه لعمرك دعوى محققة. فلنسد ثغر الدواة ونعقد لسان القلم ونطو كشح الورقة. انتهى.
وأنت تعلم أن كلتا الرسالتين نقطة من بحر ما تمدح به هذه الصنعة. وأنى يستوعب لسان القلم مدح ما قد غدا للكمال بصره وسمعه. نعم قد قيل:
من فاته العز بالأقلام أدركهبالبيض تقدح من أعطافها الشررا
لكنه لا ينافي ما ادعيناه من الفضيلة. كما لا يخفى على ذي فكرة ليست بالقليلة. ثم إنا لا ندعي التلازم بين الكتابة. والعروج بمعارجها عن حضيض الكآبة. فكم من كاتب كئيب نبذ بالعرى. يبكي ابن مقلته فيكل آونة من أبي ضوطري. حظه كمداده. وسواد ثوبه من الدرن أشد من سواده. ومجرى رزقه. أضيق من ثقب قلمه وخرقه. وقد قال من ألم به من سوء حالة الألم:
ومن ذا الذي في الناس يبصر حالتيولا يلعن القرطاس واللوح والقلم
ومن الكتاب. من كتابته في الردائة العجب العجاب. آثار مواطئ دجاجة مجنونة على القرطاس. أحسن شكلاً من أشكالها بين الناس. ومعاني هذيان المحموم. بالنسبة إلى معاني ما تضمنته تسامت النجوم. ومع هذا قد فاق في السمو عطارد. حيث أن الجد مساعف له ومساعد. وفي مثلهم قول ابن بسام:
تعس الزمان لقد أتى بعجابومحا رسوم الفضل والآداب
وأتى بكتاب لو انبسطت يديفيهم رددتهم إلى الكتاب
فإذاً لا ينبغي للمرء أن يوسط لفاضل عيشه فضله. بل الحري به أن يتكل على ربه وينتظر ما كتب في الأزل له.
فاعتبر نحن قسمنا بينهمتلقه حقاً وبالحق نزل
) ثم (أن هؤلاء الأجلة. البدور منهم والأهلة. بعض من اجتمعت بهم من ذوي المناصب. ولم أستقصهم وأنى يستقصون وهم كالأجرام العلوية لا يستقصيها حساب الحاسب.) وقد اجتمعت (أيضاً بكثير ممن انفصل عن منصبه. وقعد في بيته صفر الكف ينتظر الراحة في العود إلى نصبه.
) منهم العضب الذي يقد حده النصل الأزرق. حضرة صارم باشا الصدر الأعظم الأسبق (وهو ذو هيبة ووقار. وهيئة تدل بالمطابقة على تضمنه دقائق أفكار. صار صدراً أربعين يوماً أو أقل. فأبت غانية الصدارة إلا بعلها الأول: وهو حضرة) رشيد باشا (الذي مر وحلا ذكره. لا زال عالياً على السماكين قدره. وقد صح عندي أنه ذو إقدام وجسارة. غير أن الحظ قعد به عن أن ينوء بعبء الصدارة. وعشق تلك الغانية ببعلها الأول. طلب منه خلعها فخلعها كرهاً ولم يتحمل. واتفق أن هنأه حضرة) حمدي باشا (والي سيواس. من الله تعالى عليه بغاية الاستئناس. فكتب بعد عرض الأثنية مجملها ومفصلها. قوله تعالى) إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (. فوقعت الألوكة بعد انفصاله بيد حضرة) الرشيد (فاغبر ظاهره عليه لما أن في ذلك خلاف ما يعهده من إخلاصه الشديد. وثنى عنه عطفه. ولم يثن عليه عطفه. واتفق أن ذكر لي ذلك) عالي باشا (بطريق العتب على المشار إليه. فقلت هذا يدل على أن الباشا ولي قد سلمت الولاية عليه. فقال كيف ذاك. وأين السمك من السماك. فقلت أنه أشار له بالآية إلى قرب عزله. بل صرح له بما يشعر بأن الله تعالى مريد فصله. حيث خاطبه بذلك الخطاب. ثم ما كان له سوى أداء الأمانة إلى الرشيد جواب. فكأنه كتب إليه أيها الصارم الجديد. إن الله تعالى يأمرك أن تؤدي أمانة الصدارة إلى الرشيد. فهو أهلها. ومنه فصلها وإليه وصلها. فتسارع إلى الامتثال. وأجاب داعي الأمر بالانفصال. فضحك المشير المشار إليه. وأعجبه ما تلوته من التأويل عليه. ثم أنه قال لي. من أول هذا التأويل هو الولي. وشاع ذلك وبلغ حضرة) الرشيد (. فقال في لقد ذب فلان عن حبيبه بما ليس عليه مزيد. وبالجملة أن هذا الصدر وإن أعظم المعظم فضله. قد نبا في الصدارة العظمى صارمه من قبل أن يستله. ولا تكاد تتم لامرئ صدارة وآصف موجود. وأنى يضيء مع الشمس رابعة النهار نجم نحس أو سعود.
) ومنهم ذو الفكر الذي لا تدركه الجياد السوابق حضرة رضا باشا (رأس رؤساء العساكر الإسلامية ومشيرها السابق. قد كان من الدولة العلية بعين الرضا. وقد غمض عنه طرفه مدة مديدة سوء القضاء فكان بمنزلة العينين. من إنسان العين من حضرتي السلطانين. وصعد له الدهر من أنظارهما الإكسيرية ما لا تسعه بوادق العقول. وصوب في حقه الجد التقدم في كل كلية وجزئية على جميع رجال إسلامبول. وغدت الدولة العلية أشفق من الوالدة عليه. والخلوة السلطانية أشوق من الخاصة إليه. وهو مع ذلك صادق الخدمة. لا تأخذه في مصلحة دولته وملته لومة. ذو أوصاف هي للدعوات الخيرية شباك. ورب ألطاف هي للأثنية المرضية ملاك. مكرم العلماء والشيوخ. وإن لم يكونوا من أهل التحقيق والرسوخ. مجبور طبعاً على جبر القلوب. مجبول وضعاً ورفعاً على كل محبوب. وكم رمى في أيام إقباله بسهام حسد. فكان له من عيون السعادة أحفظ رصد.
وإذا السعادة لاحظتك عيونهاثم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبالةواقتد بها الجوزاء فهي عنان
حتى إذا هدأت هاتيك العيون. وانتهت الأيام المقدرة في العلم المكنون. رماه الحاسد فأصماه. ولطمه القدر فأعماه. وأسلمته الأيادي المتساعدة. وسلمته بيد البلاء القابلة والوالدة. فانفصل عما كان. واتصل بأسباب الهموم والأحزان. وقعد في بيته ينتظر تقلب الزمان. ويقلب وجهه في سماء حوادث عالم الإمكان. وقد اجتمعت به غير مرة. قد ضربت عليه قباب النجابة. وربضت لديه آساد للهابة. ذا وجه صبيح. ولسان فصيح. وقلب سليم. وعقل مستقيم. ينزل الناس منازلهم. ويجل على حسب المراتب أفاضلهم. يسر الله تعالى له مأموله. وأعطاه في الدارين مسؤوله.
) ومنهم ذو الرشد والسداد. حضرة خليل باشا الساماد (. وهو من موالي طلحة الطلحات. خسرو باشا الشهير في سائر الجهات. قد اجتمعت به فرأيته قد علق بجناحه عامل الخفض. وكاد يستحيل من تواضعه ماء فيستحيل في الأرض. لا يرى ذا عمامة إلا أقبل عليه. وكاد بعد تقبيل يديه يقبل رجليه. قد وسع الناس بخلقه. دون دنانيره وورقه. وكف بطيب أقواله. أكفهم عن نيل أمواله. وفكههم بفكاهته. بدل فاكهته. ومن عليهم بلطافته. عرض كنافته. وسقاهم طلاقة بشرته. بدل شربته. فهو محبوب عند كثير من الناس. مع زعمهم أنهم من غير حسن المعاملة في أياس. ورأيته ذا شوق إلى وزارة بغداد. ولا شوق صاحب سعاد إلى سعاد. وقد استنكحها ولكن بسوء تعبير. فأبت أن يكون بعلها على سمو قدره الخطير. وأنكحها وليها غيره على رغم أنفها. فلتهنأ ببعل ما رأت نظيره وهيهات أن ترى ذلك بطرفها. ولتتسل به عمن كانت مشغوفة بحبه. وسبحان المصرف للهور والمتصرف كما شاء في الجليل والحقير من الأمور.
) ومنهم كليم حب الصوفية الفخام. حضرة موسى صفوتي باشا (الوالي الأسبق في دمشق الشام. وهو رجل معلوم بحسن السيرة. معلم بآثار صفاء السريرة. وله حسن عقيدة بالسادة النقشبندية. لا سيما الطائفة الخالدية. وقد بنى لهم خانقاه قرب الباب العالي. وأجرى عليها ما أجرى من وابل بره المتوالي. وأول من أرشد منهم هناك. رجل يدعى يوسف أفندي وهو شعراني الأتراك. وبعد أن طوى القدر من عمره أيامه. فرش سجادته في دار البقاء بعد الفناء ولم يقم فيها أحد مقامه. نعم هي اليوم مفتحة لبعض الشيوخ. ممن مقلهم حب الدنيا في مرحاض شهواتها إلى اليافوخ. وقد اجتمعت بهذا المشير قليلاً. فتفرست به مع أني راجل الفكر خيراً جزيلاً. وله أخ يدعى مصطفى أفندي. هو من صفوة الناس عندي. له صدقات مشهورة. وأياد في كل ناد مذكورة. مع لين جانب. وحسن معاملة مع الجائي والذاهب. كان الله تعالى له في أولاه وأخراه. وحفظه سبحانه من كل سوء وحفظ أخاه.
) ومنهم المشير الذي اتخذ عدة المحاسن لداريه عدة. حضرة حسيب باشا الوالي السابق في جدة (. هو مشير جليل. له في المكرمات باع طويل. وكم من مصلحة ولي أمرها. فسر بحسن سيرته سرها. وفرض إليه النظر في الأوقاف. فنظر إليها بعين الإنصاف. ثم وجهت إليه أيالة جدة. فأعلى جده في خدمة البيت المكرم جده. ثم صرخ صارخ العزل في مسامعه. وصرح له بالعود إلى مراتع مرابعه. فعاد إلى إسلامبول. يسحب أذيال عز وقبول. وقد اجتمعت به المرة بعد المرة. فأحست من نجابته بما يمنح العين قرة والقلب مسرة. فأنعم به من حسيب. وحبيب للمكارم نسيب.
) ومنهم حضرة ذي الطلعة الغراء. علي أشقر باشا الوالي الأسبق في الموصل الخضراء (. وهو من موالي بيت السلطنة. وممن احتسى من ثدي الإسلام قبل البلوغ لبنه. جاء صحبة المرحوم علي رضا باشا. كان له الرضى غطاءً وفراشاً. يوم جاء إلى بغداد. وهو في العسكر أحد القواد. وكان إذ ذاك من البيكات. ثم ذهب وعاد وهو من أهل الرتب العاليات. حيث جعل والياً على شهرزور. مع مكثه في بغداد معيناً لحضرة المرحوم المشار إليه في بعض الأمور. فكان أحد يديه في الحضر. وقائم مقامه إذا خرج للسفر. وأظهر من الصلاح والعدل في الزوراء. ما لم يعهد مثله منذ قديم من الوزراء. وكان ما يسعى إلى صلوة جماعة أو جمعة. إلا وصدقاته للإمام وغيره تسعى معه. وكان يألف من ينتسب إلى المشايخ كيف كان. وقد كان لبعضهم بستان فرأيته بنفسه يخرج الماء من البئر ويسقي البستان. وقرأ على دلائل الخيرات. وقررت له ما فيها على اختلاف الروايات. وأصلح عني ما فسد من جامع مرجان. ولم شعثه وشيد ما وهي فيه من الجدران. وجدد له من البسط الخرسانية أحسن فراش. فكان الناس يتهافتون على الاجتماع فيه تهافت الفراش. ثم خرج من حدود بغداد وله فيها مزيد شغف. يكاد عافانا الله تعالى وإياكم يصل إلى رسوم التلف. فاستوزر في عدة بلدان. وماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان.
وما كل روض ينبت الزهر طيبولا كل كحل للنواظر أثمد
وقد سمعت من أهالي تلك البلدان. ومن طرقها من الأنام. أنه تغير حاله فيها عما كان عليه من الحسن في مدينة السلام. فاستغربوا ما قالوا. وحسبت أنهم في ظلال الضلال قالوا. حتى اجتمعت به في فروق. فإذا الأمر كما سمعت وبين الحالين فروق. ولا بدع في مثله إذا تغير. ومن ذا الذي يأبى لا يتغير. ومن هنا قيل أن ما كان منه ليس إلا ليتسور به وزارة بغداد. فلما يئس منها رجع إلى طبعه الذي ولد عليه وعاد. وأنا لا أظن ذلك. والله تعالى أعلم بما هنالك. نعم التغير ظاهر. ومن غير الله خبير بالسرائر.
) ومنهم من عشقه الكمال فقال رب اشدد به أزري. كامل باشا صهر المرحوم محمد علي باشا المصري (وقد رأيته كاملاً. ورجلاً عاقلاً نال بصهريته من المشار إليه غاية المسؤول. واختار لكمال التوطن بعد مصر في إسلامبول. وهو أحد أعضاء مجلس الأحكام. وله في الأمور كسائر المصريين اهتمام وإقدام. وقد اجتمعت به غير مرة. فرأيته صحيح العقل سليم الفكرة. عارفاً بزمانه. لا يميل إلى الإسراف كسائر أقرانه. له نظر إلى العواقب. ورأي في المشكلات صائب. فلا بدع أن اتخذه ذلك الملك صهراً. وجعل له فوق فلك العزة وكراً.
) ومنهم ذو الطبع الموزون. حضرة سامي باشا (الوالي السابق في طربزون. وهو ممن له نسبة قوية للدولة المصرية. وقد أقام مدة فيها. ووقف على سرها وخافيها. وعرف اللغة العربية. وعلم المحاضرات عليه. وقد اجتمعت مراراً به. فأعجبني حسن علمه ومحاضرته وأدبه. له ولد يدعى عبد اللطيف بك ما أكمله. يصلح أن يكون والداً له. ومتى رأيتهما يتنادمان. تحسب أنهما أخوان شقيقان طاب لهما الزمان فجعلا يتنادمان. ولهذا الولد اطلاع على الأدب ووقوف عجيب على أيام العرب. وهو أحد أنجم مجلس ابجمن. الذين غمسوا أيديهم في كل فن. وقد رأيته يترجم بالتركية. سائر أسفار تاريخ ابن خلدون في الدولة البربرية. وبالجملة إن هذا الولد أعظم سمو أبيه. فبارك الله تعالى لأبيه فيه.
) ومنهم الصادق في خدمة الدولة العثمانية. إسماعيل باشا (القائمقام سابقاً في السليمانية. وهو ممن صحبناه في بغداد زمن المرحوم علي باشا. فزادنا في كؤوس صحبته من مدام طبيعته انتعاشاً. وقد خدم أحسن خدمة في حادثة السليمانية. وجلب للدولة العلية بحسن معاملته الدعوات الخيرية. وقد أنست بهذا الرجل في إسلامبول. ورأيت من حسن معاملته ما هو فوق المأمول. جزاه الله تعالى عني خيراً. ورقاه في الدارين ضيماً وضيراً.
) ومنهم غير ذلك من الفخام ممن يضيق عن حضرهم نطاق الأرقام.) وقد اجتمعت (أيضاً بكثير ممن انتظموا في سلك العلماء الأجلة. واطلعوا في سماء الفضل بدوراً وأقماراً وأهلة.
) منهم حضرة ذي الفضل الجليل الجلي. مولانا عارف أفندي (قاضي عسكر روم أيلي. ويا له من عارف ما أذكاه. ومن ذكي ما أزكاه. ومن زكي ما أفضله. ومن فاضل ما أكمله. ومن كامل ما أرفعه. ومن رفيع ما أوسعه. ومن واسع ما أصغر نفسه. ومن صغير نفس ما أكبر قدسه. ومن كبير قدس ما أكثر أنسه. ومن كثير أنس ما أدق حدسه. ومن دقيق حدس ما أعلمه. ومن عالم ما أحلمه. ومن حليم ما أكرمه. ومن كريم ما أنصفه. ومن منصف ما أعرفه. لم تر عيني شبهه في الصدور. وأظن أنه هو أيضاً مثله في سالف الدهور. لا يتأله على العلماء. ولا يطوي كشحه عن الفقراء. يراعي لذوي الفضل فضلهم. ويجهد في السعي بالخير لهم. ولا يقول لسان الحال أنا ربكم الأعلى. ولا يخطر بباله التفضل عليهم حاشا وكلا. وقد ولي القضاء العسكري غرة شهر رمضان السنة الثامنة والستين. فكانت كل أيامه أعياداً عظاماً للإسلام والمسلمين. وهو مع ذلك مفتي مجلس الأحكام. وللناس تزاحم على منهله والمنهل العذب كثير الزحام. وغانية المشيخة الكبرى تغازله. وإن شاء الله تعالى بعد العمر الطويل تواصله. فهو بعد حضرة ولي النعم. حفظه الله تعالى من كل ألم. أحق عشاقها. بأخذ ساقها. وأولى خطابها. برشف رضابها. وأليق أحبتها. بالقعود على منصتها. وما شاء الله ﷿ كان. وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الثقلان. وللمشار إليه ولد هو كولدي عندي. يدعى سلمه الله تعالى صديق بك أفندي. قرأ علي بعض النسخ الحديثية. وحررت له عدة إجازات عليه. وكان لي صديقاً. وعلي شفيعاً. يسعى في احترامي وإكرامي. ولا سعي أخوالي وأعمامي. ويجهد في إعظامي. ولا جهد أسرتي وأقوامي. لم أر مثله في أبناء الرجال. جامعاً لأنواع الفضل والأفضال. وأنه ليشب في الفضل كل يوم من الأيام. ما لا يشبه غيره ممن يشبه به بألف عام. فكأني إن شاء الله تعالى به وهو بدر كامل. قد تبوأ من منازل السعد أشرف المنازل. وله صهر. ذو خلق أعطر من عطر. وهو فاضل أوحدي. يدعى أمين أفندي. تبوأ معه الدار. واقتدى منه بكثير من الآثار. وهو الآن من كبار الموالي. ويلوح في جبينه نور سعد عالي.
) ومنهم مولانا الذي له على حمى الأسرار إشراف. حضرة تحسين بك أفندي نقيب الأشراف (. وهو في الرتبة قبرسي. وفي الطينة ذهبي لا قبرسي. وأبوه الحاج محمد أغا من أغنى التجار. ويظن أنه جمع من الذهب الأحمر ألف قنطار. وإليه انتقلت دولة والده. وحظي بطارفه وتالده. فهو اليوم في عيشةٍ أرغد من عيشة السلطان. وراحة ما نالتها يد إنسان من أبناء الزمان. منازله تشبه منازل جنان الخلود. وجنانه لم يغرس مثلها المترفون في ساحة الوجود. وهو مع هذا يصعد النظر ويصوبه في العمل بعلم الكاف. وكان الحري به أن يستضيء من آي الكتاب بشمس أليس الله بكاف. ولكن العقل من نار الحرض فرار. ومحال أن يكون له معها في بودقة القلب قرار. وحب المرء وبغضه يقلبان لديه الحقائق. ويفسدان عليه بيض النظر في الدقائق.
فرصاص من أحببته ذهب كماذهب الذي لم ترض عنه رصاص
فطوبى لعبد استغنى بإكسير القناعة. ورضي بما قسم له ولم يكشف لأحد قناعه. والمشار إليه في دار الخلافة. أحد رجال الصوفية. وله خلافة في الإرشاد بالطريقة العلية النقشبندية. وخلافته من روح جسد العرفان.) حضرة مولانا الشيخ محمد جان (. أحد خلفاء ذي المدد العلوي. شيخ مشايخنا الشيخ عبد الله الدهاوي. وكان للمرحومة والدة السلطان. اعتقاد به محكم الرابطة قوي الأركان. فكانت تتردد إليه كثيراً. وتستفيض مما أفاض الله تعالى عليه. وبذلك نال اعتباراً عظيماً وفخراً. حتى ظن أكثر الناس أنه سيصافح المشيخة الكبرى. وهو أحد أعضاء مجلس الأحكام. وله مع ذلك النظر في أموال الأيتام. فلله تعالى در همته. مع اختلال نصف بنيته. وقد جالسته كثيراً فرأيته من الأخيار. وصح عندي أنه يكرم الغرباء من سائر الأمصار. وله أبناء في غاية الكمال. كأنهم من حيث الحياء مخدرات الحجال. وهو اليوم في زمرة أرباب القلم. وفضلهم فيما بينهم كنار على علم. وله سلمه الله تعالى طبيعة شعرية. وقريحة في النظم مرضية. وقد أرسل لي أبياتاً فاخرة. فلم أدر أهي تقريظ للتفسير أم تقريظ لرسالة ألفتها في العترة الطاهرة. وهي هذه:
مفتي سابق بغداد بهشت آبادكشهرت شايعة سي أوج غلاية جيقدي
حصرا يدوب وقتني قرآنه مفسرا ولديصيتي آداب ومعارفدة سهاية جيقدي
لطف شاهانه يي تعدادا يدوب أزسرنوأثر كلك ترى شكر وثناية جيقدي
من مبارك شجرة اولدي بو نأليف جديدأصلي ثابت أول رق فرعي سماية جيقدي
فال تحسين آجوب نظمله تقريظ كتابقرعة حب كركا آل عباية جيقدي
والفقير. لم أعرض عليه التفسير. وإنما عرضت عليه شجرة العترة الزكية. وبعد يومين أرسل لي بهذه الأبيات التركية. واستحيت أن أحقق الأمر من حضرته المنورة. ولعل الظاهر أنها تقريظ تلك الشجرة. وأياً ما كان. فأنا شاكر ذلك الإحسان.
) ومنهم حضرة قرة العين ونزهة الفؤاد. مولانا أحمد شكري أفندي (القاضي الأسبق ببغداد. وقد اشتهر بيوسفجق زاده. لا زال طائر صيته مغرداً على أفنان السعادة. وهو فتى كمل لطفاً. وذاب ظرفاً. ما حاز قاض فضله. ولا رأى في سجل محكمة مثله. جاء إلى بغداد زمن المرحوم علي باشا. فزادت به سروراً وانتعاشاً. ونادت لله تعالى شكري. وله حمدي في سري وجهري. وقد أحق الحق. وأبطل الباطل ومزق. وأبكى الطغام. وأضحك الكرام. وأوحش الأحياء الظالمين. وآنس الأيتام المظلومين. وأرضى الفقير. وأسخط الأمير. ومكث سنتين ثم خرج. وحظي لسمو حظه بمرتبة مخرج. ثم لم تزل له المقاصد ميسرة. حتى تنور قلبه بنيل قضاء المدينة المنورة. وقد اجتمعت به مراراً. فلم أحس منه بمقدار ذرة استكباراً. بل رأيته في كل ناد. أشد تواضعاً منه يوم كان في بغداد.) واتفق (أن دعاني في دار له قوراء. ودعا معي جملة من أجلة العلماء. فسألوني عن وجه الثواب في ذبح القرابين بحكم العقل. مع أن الذبح إيلام محض وليس لسابق جناية ولا للاحق ثواب جل أو قل. ومن أولئك الأجلة. من أحب بسط الكلام في الجملة.) فقلت نعم (الذبح إيلام محض. ولا عبرة بما يخالف هذا مما ذهب إليه البعض. وذلك أن البكرية ذهبوا إلى أن البهائم والأنعام. لا يصيبها أصلاً وقطعاً شيء من الآلام. وقد كابروا في ذلك المحسوس والمعقول. كما لا يخفى على أدنى العقول. والتناسخية زعموا أن أرواح البهائم. كانت في أبدان أشرف قبل انتقالها إلى أبدان البهائم. فانتقلت منها إليها لتعذب على ما اقترفت هناك من المآثم والجرائم. فالذبح عندهم لجريمة اقترفتها. وأثيمة في سابق وطنها ألفتها. والتزموا على هذا أن البهائم. مكلفة عالمة بأن تلك الآلام جزاء الجرائم. وذلك لتتصور الأنز جار عما فعلت. إذا انتقلت أرواحها إلى أشرف من أبدانها وتحولت. والتكليف في زعم بعض منهم كان ابتداءً أول زمن الخلق والتقدير. وفي زعم آخرين كان في ذلك الوقت ولكن بعد التفويض والتخيير. ومنهم من زعم أنه ما من جنس من أجناس إخوانهم البهائم. إلا وفيهم نبي مبعوث من ذلك الجنس يعرفهم الطاعات والمآثم. ولا يختص الزاعم بالتناسخية. فقد نسبه بعض المشايخ إلى بعض الصوفية. محتجين) يوماً من دابةٍ في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم (مع) وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذير (وذهب السادة الحنفية وغيرهم في حق من يقول بهذا القول المستهجن إلى التكفير. مع أنه أمر خطير. وللتناسخية مذاهب. تشيب في نقلها للقلم ذوائب. وورد كل ذلك بين العلماء مشهور. وفي كتب الكلام المبسوطة مسطور. وذهب العلاف والجبائي وكثير من متقدمي المعتزلة إلى أن في مقابلة ذلك الإيلام. عوضاً دائماً غير منقطع يناله الحيوان غداً في الجنة دار السلام. ومن المعتزلة من قال بالعوض في الآخرة على تلك المحنة. لكنه إنما يكون ولا بد في غير الجنة. ولهم كلام طويل في هذا الباب. نخشى أن يضيق بنقله خناق هذا الكتاب. ومثار نقع الخلاف في البين. القول المشهور بالحسن والقبح العقليين.) فنقول (مما نحن فيه. مخرجين له مخرج التنبيه. إن الأشياء إن خلت عن ذينك الأمرين. وعرت عن الحسن والقبح الذاتيين. فله سبحانه أن يخص فعل شيء بثواب. وفعل آخر مثله بعقاب. لا لمعنى يقتضيه. ولا لأمر يستدعيه. وله ﷿ أن يثيب على جزيل قليلاً. وعلى قليل جزيلاً. بل له سبحانه وإن لم يفعل. أن يعاقب المطيع وينعم على العاصي ويتفضل. ويقال أن أفعاله لا تعلل بالأغراض. وليس للمملوك على مالكه الحقيقي حق الاعتراض. وعلى هذا لا وجه لقول القائل ما وجه الثواب إلى آخر ما قال. ولا حاجة في الجواب إلى تكلف قيل وقال. وإن لم تخل عن ذلك فنقول أن الأمر والنهي كاشفان عما هنالك. على معنى أن ذلك الشيء لو لم يكن حسناً لما أمر به. وأن ذلك الشيء لو لم يكن قبيحاً لما نهى عنه. وأما أن وجه حسنه كذا أو أن وجه قبحه كذا فأمر قد يعلم وقد لا يعلم. ومتى لم يعلم قيل في جواب السؤال عنه الله أعلم. وعلى هذا فيقال أن ذبح القرابين حسن. وإن كان بحسب الظاهر من قبيل المحن. وأنه ليس لسابق جريمة. ولا ليكون سبباً للاحق نعمة عظيمة أو غير عظيمة. والله تعالى بوجه حسنه أعلم. ومن فضل من لا يعلم أن يقول لا أعلم. والثواب الزائد يحتمل أن يكون كله جزاء منه ﷿. ويحتمل أن يكون بعضه جزاء
وبعضه منه تعالى محض فضل. وتخصيص فضيلة إراقة الدم في أزمنة مخصوصة. وأمكنة معروفة منصوصة. نعتقد اشتماله على أسرار وحكم. ولكنا نقول الله ﷾ هو الأعلم. وربما يقال في جواب السؤال أن وجه حسن الذبح لما لم يكن بظاهر. وكاد أن لا يعرفه إلا الآمر. وكان فعله مشقة على النفوس البشرية. لمشاركة الذبيح لها في الجنسية. ولذا ترى بعض الناس لا يقدر أن يشاهد رجلاً يذبح عصفوراً. فضلاً عن أن يذبحه بيده إلا أن يكون مجبوراً. ومع ذا قدم المأمون بذلك الذبح وفعله امتثالاً للأمر. وإن جر له بسبب المشاركة الجنسية المقتضية للرقة القلبية ما جر. اقتضى فضل الله تعالى مزيد الثواب. لذلك الذابح الممتثل يوم الحساب. وهذا نظير ما قيل أن الثواب على الأمور التعبدية. أكثر منه على غيرها من سائر الأمور الشرعية. إذ لا داعي هناك على الفعل إلا الامتثال. هذا والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.) فقال (بعض أولئك الأحباب. جزيت خيراً زدنا في الجواب. فعدت) وقلت (هل من يسأل. معتقد حسن ذبح الحيوان ليؤكل. فقالوا نعم. فقلت إذاً وجه كثرة الثواب الإيثار باللحم. فإن قلتم دل بعض ما صح. على أن الثواب على نفس الذبح. فلو تصدق بالشاة مثلاً حية على مستحقها. لم يثب على ذلك مثل ثوابه على نفس ذبحها. قلت أعود حينئذ فأقول لعل وجه ذلك كونه أمراً شاقاً من البشرية. وقد فعله المأمور ابتغاءً لرضاء الله تعالى وامتثالاً لأوامره العلية. فقال بعضهم هذا مقبول. وأمر معقول. لكن نسألك لو قلنا بأن للقرابين على هذا الإيلام. جزاءً يكون لها غداً يوم القيام. هل نكون مصادمين لنص من النصوص المشهورة. أو منكرين لأمر علم كونه من الدين الحق بالضرورة. فقلت لا نكون كذلك. ولعل في كلام بعض أهل السنة ما يشعر بما هنالك. فقد قال الشيخ الأكبر. قدس سره الأنور. في الباب الثلاثمائة والواحد والسبعين من فتوحاته المكية أن الله تعالى إنما يحشر الوحوش إنعاماً منه عليها وكذلك سائر الدواب ثم أنها تكون تراباً ما عدا الغزلان وما استعمل من الحيوان في سبيل الله تعالى فإنهم يدخلون الجنة على صور يقتضيها ذلك الموطن وكل حيوان تغدى به أهل الجنة خاصة في الدنيا اه.
ونقله عنه الشيخ عبد الوهاب الشعراني في الجواهر وجعل القرابين من قسم ما استعمل في سبيل الله تعالى ولم يضطرب في ذلك كما اضطرب في أمر فرعون. وربما يستأنس في أمر القرابين خاصةً لما اقتضاه كلام هذا الأجل. ولا أقول) وهيهات هيهات أن أقول (يستدل بقوله عليه الصلوة والسلام عظموا ضحاياكم. فإنها على الصراط مطاياكم. فإنه يبعد من كرم الله تعالى أن لا يدخل مطايا أحبته. دار كرامته ورحمته. بل يأمرها فتوصلهم إلى الباب. ثم يجعلها تراباً كما يجعل الخنازير والكلاب. مع أن إدخالها الجنة مع الأحباء. أغيظ لمن يسحب على وجهه إلى النار من الأعداء. ولما سمع البعض ذلك رضى غاية الرضى. بيد أنه استكتبني عبارة الفتوحات فأخذها ومضى. وقال بعض منهم ما الجواب إن كان السائل لا يستحسن ذبح الحيوان للقربان أو لطعام. فقلت ذلك من الطعام. ولا أظن مسلماً لا يستحسنه بعد ورود الأمر به في سائر الشرائع كشريعته عليه الصلوة والسلام. على أن الرد على من لم يستحسن قد طوى بساطه. وانقطع هياطه ومياطه. ومن أراد استيفاء المرام. فليرجع إلى كتب الكلام. فقنع الكل بما ذكرت. ولم يناقش أحد منهم فيما قررت. بل قبلوه بترابه. وأقبلوا عليه بما به. وبعد ساعة. تفرقت الجماعة. وذهبت أنا إلى داري. وخلوت فيها غواني أفكاري. وبعد خمسة أو ستة أيام. ذهبت حسب عادتي إلى حضرة شيخ الإسلام. فناولني ورقتين. مشتملتين على عبارتين. إحداهما ما ذكرناه عن الفتوحات المكية. وثانيتهما عبارة معزية لمولانا الجامي متضمنة أن إبليس عبارة عن القوة الوهمية. فقال ما تقول في هاتين العبارتين. فقلت أحدهما على أعراف الرد والقبول والأخرى في نار الرد بلامين. فقال فلم تحررهما. وفي المحافل على رؤوس الأشهاد تقررهما. فقلت يا سيدي إنما قررت ما في الفتوحات المكية. وليس فيها ما يصادم قطعياً من الآيات السماوية. والواردات المدنية. وأما مسألة إبليس فلا والله ما ذكرتها. ولا عمري في ورقة لأحد حررتها. بل لم أذكر إبليس. منذ دخلت فروق عند جليس. فتبسم ضاحكاً وقال لي مفاكهاً جاءني بالأمس رجل من المدرسين بهاتين الورقتين. وقال إن الآلوسي حررهما وقبل ما ذكر فيهما على الرأس والعين. فقلت يا سيدي حضرتكم تعرف خطي. وأنا لم أزل مبتلى بمثل هذا التزوير في رفعي وحطي. وعند شكري أفندي حقيقة الخبر من مبتدأه. فأمر أحداً يسأله عنه ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال اذكر لي أنت الخبر من المبتدأ. ولا أسأل عنه سواك أحداً. فذكرت له الأمر بلاً بلا. وعرضت عليه ما كان فصلاً فصلا. فقال هذه شنشنة قديمة من الحساد. ومصيبة عظيمة أصيب بها كثير من العلماء الأمجاد. فقلت حسبي ربي من تزوير ملأ الملأ. وأعوذ سبحانه من جليس إن قلت قال وإن سكت تقولا. ثم قلت لنفسي. ولم يشعر بي غير حسي:
لمن جاهد الحساد أجر المجاهدوأعجز ما حاولت إرضاء حاسد
ولم أر مثلي اليوم أكثر حاسداًكأن قلوب الناس لي قلب واحد
ألم ير هذا الناس قبلي فاضلاًولم يظفر الحساد قبلي بماجد
أرى الغل من تحت النفاق وأجتنيمن العسل ألماً ذي سم الأساود
وأصبر على ما لم يجلب الصبر ذلةوألبس للمذموم حلة حامد
وأعلم إن فارقت خلاً عرفتهوحاولت خلاً أنني غير واجد
إلى غير ذلك من أبيات غنيتها بها. حتى طبقت جفنيها على قذى. ونامت إذا عدمت فراش راحة على فراش أذى. وقد صح عندي أن هذه الطبيعة الشيطانية. شعار ودثار لبعض مدرسي القسطنطينية. وأنهم لم يزالوا يجمعون حجر الباطل ويرمون به برياً. ويبغضون لا در درهم كل من يرد على بلدهم من الأفاضل ولو كان نبياً. وأن رؤية العالم العربي في أعينهم الموت الأحمر. وأن صحبته ولو مقدار ذرة في اعتقادهم الذنب الأكبر. والشرك الذي لا يغفر. فإذا دخلت فروق فلا تقرب مأواهم. وابعد عنهم ما استطعت وإياك وإياهم. وعليك إن أردت مصاحبة بمصاحبة العوام. فإنك تقوم وتقعد معهم في أمان الله ﷿ والسلام. وفي هذه الحكاية. لذوي الفطن كفاية.
) ومنهم نزهة الألباب وقرة العيون. حضرة طاهر أفندي الذي كان قاضياً في بغداد سنة الطاعون (. وقد قاسى إذ ذاك فيها. ما يقص في أجنحة العمر قداماها وخوافيها. وقد هرب من السراي إلى الكرخ أيام ألفته. فكنت له في دفع الطعام أقوى سنان وأرقة جنة. حيث جاء إلى بيت خالي المرحوم الحاج عبد الفتاح. ولم يكن فيه إلا أرامل قد قص منهم الطاعون لا عاد منهم الجناح. فطرت إليه بجناح غيرتي. ولم أزل أحوم عليه أنا وأسرتي. حتى منعت أن تختطفه عقبان الفساد. ثم أوصلته إلى مستقر داود باشا والي بغداد. لكن عد ذلك أعظم هناتي. فجعل يغبر به وجوه غواني صفاتي. فضاق أمري. في بيان عذري.
إذا محاسني اللاتي أدل بهاعادت ذنوباً فقل كيف أعتذر
وقد رقاه القضاء والقدر. فهو اليوم مستشار قاضي عسكر. وكان لي جاراً. وكنت أسبل علي لئلا يراني إذا مر أستاراً. حيث بانني عنه ما أكره. فكنت أخاف فتكه بي ومكره. فلما اجتمعت به آنسني. وأزاح عني بيد لطفه جميع ما أوحشني. ورأيته من أعظم الناس خلقاً. وأكثرهم بالمنكرين رفقاً. فكنت أتردد إليه ويتردد إلي. ويقول لي كل مصلحة لك عسرت عليك حولها علي. فلله تعالى دره ما أكرمه وأحلمه. وما أصفى قلبه من الغش وأسلمه. وقد استحالت أخلاقه إلى خير مما كانت عليه في الزوراء. فهو في هذا العصر أطهر من ماء المعصرات حين نزولها من السماء. وفقه الله تعالى لمراضيه. وجعل مستقبل حاله متميزاً على ماضيه.
) ومنهم ذو الأخلاق الكريمة والأعراق المعظمة. حضرة مولانا توحيد أفندي القاضي السابق في مكة المكرمة (. من بيت شرف وولاية. وعلم وإرشاد وهداية. لا يجارى بمنقول ومعقول. ولا يبارى بفروع وأصول. وله في علم الفلك مرتبة متسعة العرض. فهو بطرق السماء أعرف منه بطرق الأرض. وقد نال من علم الزيج. ما يغدو منه ابن الشاطر في أمر مريج. ومن علم الأحكام. ما يلحق أيا معشر بالأنعام. هذا مع كرائم مفاخر ما نقش عطارد التصوير. في صفحة استعداد سري. ومن هنا ناداه كل منصف خبير.
وإذ ابتاع كريمة أو تشتريفسواك بايعها وأنت المشتري
وقد كان له حضرة سعيد باشا الداماد. في أيام إقباله أقوى سند وعماد. يجد في تهيئة أسباب عروجه. ويجهد في تحري الأشرف من رفيع منازل العز وبروجه. ولما عثر جواد الجد بحضرة الداماد المشار إليه دخل في عينيه من عثير ذلك العشير. ما أقذى عينيه. وبقى في ذلك العثار مهموماً. وهكذا فليكن الصديق من عثار صديقه مهموماً مغموماً. نعم إن ألسنة العباد تناديه. لما ذاقت من حلاوة أخلاقه وأياديه.
أرق بمرقى زحل صاعداًإلى المعالي أشرف المصعد
وفض كفيض المشتري بالندىإذا اعتلى في بعده الأبعد
وزد على المريخ سطواً بمنعاداك من ذي نخوة أصيد
واطلع كما تطلع شمس الضحىكاشفة للحندس الأسود
وخذ من الزهرة أفعالهافي عيشك المقتبل الأوغد
وضاه بالأقلام في جريهاعطارد الكاتب ذا السؤدد
وباه بالمنظر بدر الدجىوأفضله في بهجته وازدد
فقريباً إن شاء الله تعالى يعود السعد كما كان. ويكون بينه وبين جميع آماله أسعد قران. وقد كان سلمه الله تعالى جاري. فكنت أحلي بحلي مجالسته آناء ليلي وأطراف نهاري. وأنا منه ممنون غاية الممنونية. من الله تعالى على كل منا ببلوغ كل أمنية.
) ومنهم حضرة زكي الأصل والنفس. الفاضل الشهير بشهرلي سبل حافظ أفندي وكيل الدرس (. عالم قلما يوجد مثل تواضعه في ذوي الشرف. يقول رائيه تالله ما هذا من الخلف إن هذا إلا بقية من السادة السلف. قد ضم إلى العلم زهداً. وزاد على الزبد شهداً. فلم يمزج هزلاً وجداً. له مؤلفات مختصرة. لكنها عند الأتراك مطبوعة معتبرة. وشهرة أمرها هناك. تخيل للذهن أنها أعلى قدراً من السماك. ومن مضمرات حواشيه على شرح الوضعية للملا علي. إشارات إلى أن الفضل موضوع بالوضع الخاص عند هذا العلم الشهرلي. وأني لأقسم بقدره العال. أن من وقف على تلك الحواشي فقد أشرف على وسط العلم بحقيقة الحال.) واتفق (أن ضمنا وإياه مجلس مأنوس. فسأل هو بعض الحاضرين عن معنى عبارة في القاموس. فقال البعض لا أعلم. وأن عبارات القاموس عيلم. فقلت يا مولاي أرنيها. وكانت مكتوبة في ورقة فناولنيها. فنظرت فإذا الناسخ حرف وغير. وعبر بما شوه به وجه المعنى وغبر. فقلت يا مولاي الصواب ذيت وذيت. والقصة على ما ذكره غير واحد كيت وكيت. فقال إن صح هذا فلا إشكال. فقلت الرجوع إلى نسخة صحيحة يكشف الحال. فرجع فرأى كما سمع فأضحى ممنوناً ودعا لي. وسأل الله سبحانه أن يكثر أمثالي. وهذا يدل على نقاء نقيبته. وانتفاء اللؤم على طبيعته. وعبارة القاموس هي هذه: والخطبة الشقشقية العلوية لقوله لابن عباس لما قال له وأطردت مقالتك من حيث أفضيت) يا ابن عباس هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت انتهى (. والتحريف لقوله لو أطردت حرف بلو حررت. وفي قوله أفضيت حرف بقضيت. وفي هدرت حرف بهدت. والمعنى بعد التصحيح. أظهر من محاسن الوجه الصبيح. هذا) واعلم (أن وكيل الدرس عبارة عن شخص من العلماء الأعلام. يكون وكيلاً بوظيفة معينة من قبل شيخ الإسلام. على النظر في أمر المدرسين. ومصالح الطلبة أجمعين. فلا يمكن طالب من الإقامة في حجره. إلا بعد أن يذهب إليه ويحصل أمره. وإذا جنى جناية. فإليه ترفع الشكاية. وإذا نصب ميدان امتحان. كان هو فارس ذلك الميدان.) والحاصل (أنه محور أمورهم. ومدار شرورهم وسرورهم. والطلبة هناك على ما يقولون. اثنا عشر ألف أو يزيدون. ويقرءون عند الشيخ محلقين. وإذا طفت بهم رأيت أكثرهم مقصرين. وربما يختم الدرس والكثير منهم نائم. أو يقتضي الأمر وهو في بيداء التخيلات هائم. والشيخ بينهم على منصة ارتفاعها نحو ركبة. وبين يديه تختة منقوشة بالصدف يضع عليها كتبه. وربما يصفعها إذا حمى الوطيس. ويلطمها إذا اشتدت حرارة التدريس. ومعظم المدرسين في غاية الاستكبار والأنانية. ولولا خوف قطع وظائفهم لأعلنوا بدعوى الربوبية. وقد شمعت من غير واحد منهم في حق على كرم الله وجهه نتن الانتقاص. وهم على عكس الكتبة الذين لهم في حضرة الأمير غاية الاختصاص. ويقابل المدرسين في الاستكبار الواعظون. ومعظم المستمعين ما عدا النساء منهم يضحكون. وقلما ترى واعظاً في حلقته. إلا وهو أهون من قعيس على عمته. ولذا انحطت رتبة الوعظ هناك بالمرة. فكانت بين العلماء أهون من عفطة غنر بالحرة. وأكثر الوعاظ من قلة الأدب والوقيعة في الناس بمكان. وقد استمعت كثيراً منهم فرأيت سداً وعظهم ولحمته هذيان. وعلى ذلك تجمع لهم الدراهم. من المطلعين على الحال.
لقد طفت في تلك الجوامع كلهاوسرحت طرفي بين تلك المدارس
فلم أر إلا واعظاً بين نسوةيشابه ثوراً بين عفرٍ أو أنس
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع