من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)
خاتمة (٣)
ثم أن مجيء من للبدل مما ارتضاه جمهور علماء العربية نعم أنكره قوم وزعموا أن المفيد للبدلية في نحو قوله تعالى) أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة (وقوله سبحانه) جعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (وقوله ﷿ لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً (متعلقها المحذوف وقالوا هي في جميع ذلك للابتداء. ولما ذكرت لحضرة المولى قول أنها للبدل في البيت أعجبه في إيضاح المعنى بيد أنه توقف في ورودها لذلك حتى ذكرت بعض الشواهد له. فزال عنه التوقف فيه وقبله. وبعد أن طوى بساط التوجيه. قلنا في شعر المتنبي ما قالوا فيه. ثم ذكرت أبياتاً لغيره. تحكي من وجهٍ دقيق شعره. كقول المعري:
ورائي الإمام والأمام وراءإذا أنا لم يكبرني الكبراء
وقد اختلف في إيضاح معناه. ومنشأ خفائه الشطر الأول فقيل المعنى إذا أنا لم تكبرني وتجلني الكبراء ماج الناس من عظم ما يحل بهم فأنجدوا واتهموا. وأيمنوا واشأموا. واهتدوا واعرقوا. وغربوا وشرقوا. وغدوا في كل واد هياماً. وصار الأمام وراءً والوراء أماماً. وفيه رمز إلى أنه لا يبقى إذ ذاك في زوايا الخمول. بل يصول ويجول. ولا يخفى أن في إضافة وراء إلى الياء. فيها عن هذا النوع إباء. وقيل المعنى إذا لم يكبرني الكبراء. ويعظمني العظماء. اختلف الناس في الذهاب والمجيء إلي في كل حين. فصار أمامي وراء لقوم وورائي أماماً لآخرين. يسألوني السبب لذلك. أو يستفسرون رأيي في أولئك. أو كانوا عوضاً عنهم. ولم يهملوني تباً لهم. وفيه إشارة إلى أن فيه ما يكفيه. عن إجلال الكبراء ويغنيه. وإن ترك إجلالهم إياه. لا يحط عند العامة شيئاً من علاه. فليس ككثير ممن يزعم نفسه شيئاً. ويحسب أن لكماله الذاتي قد تبوأ مكاناً علياً. وإذا أجلته الكبراء رمقته بالإجلال العيون. وإذا لم تجله انحط إلى حضيض الهون. حيث أن رأس ماله الذي يتجر به بين العامة هو ذلك الإجلال. فمتى فقده صار أفلس من ابن أذل من اعتبارهم إياه بحال من الأحوال. وقيل المعنى إذا أنا لم تكبر في الكبراء استوت عندي الأضداد. ولم يتفاوت لدي ما ورائي وما أمامي من البلاد. فقوله) ورائي أمام والأمام وراء (كناية عن استواء الأضداد من الأشياء وفي ذلك رمز إلى أنه) لا يقيم على ضيم يراد به (وأنه إذا لم يجل في بلد لم يفرق بين شرق البلاد وغربه. وقيل المعنى إذا أنا لم تجلني الكبراء. ولم تعظمني العظماء. أوليهم ظهري. ولا أرى الإقبال إليهم مع إدبارهم عني لائقاً بقدري. ووجه دلالة ورائي إمام الخ على الإدبار عنهم وترك الإقبال إليهم ظاهر. وقيل أراد إذا أنا لم تجلني الكبراء فتكت فتكاً كبيراً. فجعلت الصغير من الناس كبيراً والكبير منهم صغيراً. فالمراد بالأمام والوراء من كان كبيراً مقدماً ومن كان صغيراً مؤخراً. وقيل أراد بأمامه ما يقال أو يفعل بحضوره عادة عند إرادة التعظيم. من المدح ونحوه مما يدل على التكريم. وبالوراء ما يقابل ذلك من الأشياء. يعني إذا أنا لم يجلني الكبراء كان مدحي وتعظيمي في غيبتي. وذمي سواء المعاملة في حضرتي. وفيه رمز إلى أن فيه ما لا يستطاع إنكاره أو كتمه بحال. غاية ما في البال. إنه عند عدم إجلاله يبدي في غيته ويقال. والقولان كما ترى) وكتب (الفاضل الشيخ عبد الله البيتوشي على البيت) ما نصه (علق كون وراءه أماماً وما له وراء بترك الكبراء وإجلاله وإعظامه. ولعله سمع الكبراء قول حاسديه فيه فعد ذلك ترك إكبارهم إياه فيقول إيثارهم حاسدي علي وإصاختهم إلى قولهم دين قولي جعل ورائي وهم الحساد أماماً أي أمام الكبراء وجعل أمامي أي الجهة التي يجب على الكبراء أن يتوجهوا إليها وراءً أي وراء الكبراء انتهى.
ولعمري أنه توجيه نازل مستغرب جداً من ذلك الفاضل. وقيل أراد بالوراء الموت. بالأمام الحيوة فالمنى إذا أنا لم تعرف الكبراء فضلي فموتي حياتي وحياتي موت لي. وفيه رمز إلى أنه لعظم نفسه. يختار عند ذلك الحلول في رمسه. أو إلى أنه عند ذاك. يفعل بهم ما يأخذ به إلى الهلاك. وقيل أراد بالوراء القبيح وبالأمام الحسن. والمعنى إذا أنا لم تكبرني الكبراء فيكون عندي القبيح حسناً. والحسن قبيحاً. وفيه رمز إلى أنه يتشبث بكل سبب في نكايتهم. ولا يمنعه ارتكاب القبيح عن مقابلتهم. وقيل وقيل وأكثر الأقوال أماماً ووراء.) كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء (وأقربها انسياقاً للبال. وأخلاها عن التكلف في المقال. ما تضمن إفادة الأدبار عمن لم يجله. ولم يعرف له فضله. وقد ذكرناه فيما سبق. فتأمل فيه تجده الأحق.
وكقول بعض الشعراء:
وأما عن هوى ليلى وتركيزيارتها فإني لا أتوب
فإن فيه إشكالاً من حيث أن الظاهر عطف تركي زيارتها على هوى فيكون كلا الأمرين داخلاً في حيز لا أتوب فيفيد الكلام أنه لا يتوب عن هوى ليلى ولا يتوب أيضا عن ترك زيارتها. واللائق بحال العاشق أن لا يتوب عن زيارة محبوبه لا أن لا يتوب عن ترك زيارته بأن يصر على تركها فكان الظاهر ترك تركي بأن يقال وأما عن هوى ليلى وزيارتها فإني لا أتوب. واشتهر في الجواب أن الترك مراد به هنا الإبقاء أي لا أتوب عن هوى ليلى ومحبتها. ولا أتوب عن إبقاء زيارتها واستدامتها) وحاصل ذلك (أني مصر على هواها وعلى إبقائي زيارتها على ما هي عليه الآن. فلا أغير ما كان من الأمرين عما كان. وأنت تعلم أن هذا وإن لم يكن بالي. لا يخلو في ذيق الأديب عن شيء. وقال العلامة الذي ذكاه لذكاء مساوي. رئيس المدرسين عصرينا محمد أفندي الزهاوي. يجوز أن تكون الواو للقسم والقسم بترك الزيارة المر المذاق. كالقسم بالطلاق. إلا أن المراد بليت بترك الزيارة أن تبت عن هواها وذلك من قبيل:
أكلت دماً إن لم أرعك بضرةبعيدة مهوى القرط طيبة النشر
وقال أيضاً يجوز أن تكون الواو للمعية على معنى لا أتوب عن هوى ليلى مع تركي زيارتها والمراد بقرينة الحال أني أترك زيارتها ولا أترك هواها. وقال أيضاً لولا الرواية لجاز أن يكون وزيارتها بالجر على البدلية من تركي والمراد بتركي هلاكي أي تركي نفسي ومفارقتها وإبدال الزيارة منه بجعلها كتسبها الهلاك. والوقوع في الإشراك. كأنها هو. ثم قال وهذا معنى بديع لا يرشد إليه إلا توفيق. وأنا أختار من أقواله وسطها وإنما نقلت لك كلامه بأسره. لتعلم منه قوة فكره وبعد غوره. وقيل يجوز أن يكون تركي معطوفاً على ليلى على معنى لا أتوب عن هوى ليلى فمرارته تحلو لدي. ولا أتركه ما دمت حياً وإن شق علي. ولا أتوب عن تركي زيارتها. حيث أن ذلك الترك يوافق إرادتها. وقد قيل:
أريد وصاله ويريد هجريفأترك ما أريد لما يريد
انتهى وهو معنى في نفسه صحيح إلا أنه عن اللفظ بمعزل. وبعيد عنه بألف ألف منزل. وقيل يجوز أن يكون ذاك عطفاً بحسب المعنى فالمعطوف عليه متصيد من قوة الكلام كأنه قيل مهما يكن من شيء فتوبتي عن هوى ليلى وتركي زيارتها ما لا يكون أو نحو ذلك. وهو كما ترى. وقيل تركي مبتدأ وخبره محذوف دل عليه سياق الكلام أي متعذر ونحوه. وكثيراً ما يحذف الخبر لدلالة السياق عليه ومنه قوله:
وكل عذر من كل ذنب ولكنأعوز العذر من بياض العذار
فإنه أراد وكل عذر من كل ذنب موجود أو نحوه فحذف ذلك لدلالة ولكن أعوز الخ عليه انتهى.
وهذا البيت مما كثر السؤال عنه قديماً وحديثاً وقد سئل عنه ابن بري النحوي فقال إنما يحصل الإشكال لو كانت الرواية وتركي وإنما الرواية وحبي فلا إشكال حينئذ وقال العلامة ابن الحاجب في أماليه قلت وقد قبل أن الرواية وقصدي فيزول الإشكال أيضاً. ثم قال المشهور وتركي ووجهه أن ذكر الترك لبيان ما يطلب منه فبعد أن ذكره قال فإني لا أتوب أي مما يطلب مني تركه ألا ترى أنه لو قال) وأما عن هوى ليلى وتوبتي عن زيارتها فإني لا أتوب (لكان مستقيماً على أن المعنى فإني لا أتوب مما يطلب التوبة منه لا على معنى فإني لا أتوب من توبتي فكذلك هذا إذ لا فرق بين أن يقول وتركي زيارتها وأن يقول وتوبتي من زيارتها انتهى. ما أريد نقله من كلام العلامة ابن الحاجب في أماليه. وكأني بك تختاره. وبقيت أقوال أوهن من بيت العنكبوت لا حاجة لنا بها فليأمل.
وكقول بعضهم أيضاً:
ما فيه مما يقول الناس واحدةلولا الذي فيه أضحى سيد البشر
فإنه اختلف في كونه مدحاً او ذماً والأكثرون ذهبوا إلى أنه مدح وجعلوا لولا الذي فيه الخ بدلاً من واحدة أو عطف بيان أي ما فيه مما يقولون قول لولا الذي فيه أضحى سيد البشر) وحاصله (أنه ليس فيه ما يمتنع معه أن يضحي سيد البشر بل هو سيد البشر. وهو في قوة قولك ما فيه لو تنقصه فتدبر.
ثم أنه سلمه الله تعالى سأل عن قول المتنبي:
أي يومٍ سررتني بوصلٍلم ترعني ثلاثة بصدود
هل هو بنصب أي أو برفعها فقلت كلا الآمرين جائز فالنصب على أن أيا ظرف سررتني وجملة لم ترعني الخ صفة يوم والرابط محذوف أي في أي يوم سررتني بوصال لم ترعني بعده ثلاثة أيام بصدود ومراده لم تصلني يوماً إلا وأعرضت عني بعد ثلاثة أيام. والرفع على أن أياً مبتدأ وجملة سررتني صفة يوم وجملة لم ترعني الخ خبر المبتدأ والرابط في الجملتين محذوف أي أي يوم سررتني فيه بوصال لم ترعني بعده ثلاثة أيام بصدود والمراد نفي تحقيق ذلك اليوم وإثبات أن كل يوم يسره فيه بوصال يريعه بعده بصدود ثلاثة أيام وعلى هذا فمآل المعنى على الوجهين واحد. فقال يلزم التناقض على تقدير الرفع وقرر ذلك بما لم يقر في ذهني ثم قال أنا أختار النصب. فقلت على سبيل المفاكهة يا مولاي إذا اخترت أنت النصب فأنا أولى باختياره. ففطن لما عنيت وتبسم. ثم تكلم بما تكلم) ومنها (ما جرى في قوله:
من قصر الليل إذا زرتنيأشكو وتشكين من الطول
عدو عينيك وشانيهماأصبح مشغولاً بمشغول
فإنه سأل عن معنى البيت الثاني. فقلت هو ظاهر على هذه الرواية وذكرت خلاصته وخفي على رواية) عدو شانيك وشانيهما (وذكرت غيظاً من فيض وأجلت تمام الكلام. على ما ألفه في ذلك من الرسائل العلماء الأعلام.) ومنهم (شيخنا ذو الفضل الجلي. علاء الدين علي أفندي الموصلي.) واتفق (أني قرأت البيت فرفعت مشغولاً فقال هو بالنصب دون الرفع فقلت قد روى الرفع أبو علي الفارسي واستشهد الأشموني في شرح الألفية بها على زيارة أصبح. ثم قال خطر لي على رواية عينيك معنى لطيف وهو أن المراد بعدو عينيك وشانيهما مرض الحفنين فهو مشغول بهما وهما مشغولان برشق السهام. ورمي حبات قلوب ذوي الغرام. فقلت لله تعالى دره من مرض تصح به المرضى. وتختار أن تتصف به الأصحاء وترضى. وقد وقفت على نحو عشرين رسالةً في شرح هذين البيتين. فما رأيت فيها احتمال كون المراد بالعدو مرض الجفنين. ولا بدع فكم ترك الأول للآخر. والشيء قد لا يرى وهو نصب الناظر.
) ومنها (ما بزغ من بدر التحقيق في ظلمة ليل الإشكال الداجي. وبيان المراد مما اعترض به على أبي السعود العمادي الشهاب الخفاجي. في كتابه خبايا الزوايا فيما للرجال من البقايا. حيث تعقب قوله في مطلع مرئية السلطان سليمان خان. عليه رحمة الملك المنان:
أصوت صاعقة أم نفخة الصورفالأرض قد ملئت من نقر ناقور
فقال بعد نقله. إن الشطر الثاني مما لا ينبغي أن يصدر من مثله. ولم يبين سبب ذاك. وأخله إحالة على قوة الإدراك.) فأنني (سلمه الله تعالى عنه. وكان الحري بي طلب الجواب منه. لعل ذلك أنه انحط عن الشطر الأول كما يشهد به الذوق السليم. والذهن القويم. وقد أعابوا بمثل ذلك الشطر الثاني من قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلبسقط اللوى بين الدخول فحومل
فإنه دون جزلة الشطر الأول. وكذا عيب الشطر الثاني من قول الفاضل البيتوشي عليه الرحمة.
ناحت الورقاء في الدوح فناحامن حشا أحشاءه الحب جراحا
إلى غير ذلك. فقال غير هذا أريد. فقلت لعله في رأي الشهاب أنه فزع أو علل جازماً. مع سبق التردد فيما فرع عليه أو علله ولا يفعل ذاك من كان حازماً. ولو جعلت أم منقطعة بمعنى بل بتقدير جعل ما بعدها جملة أو بدونه على رأي ابن مالك الزاعم أنها قد تعطف المفردات كبل لاختل من جهة اتحاد نفخة الصور. ونقر النافور. فقال غير هذا أريد. فقلت لعله إن امتلأ الأرض من نقر الناقور على تقدير أن يراد بالنقر المعنى المصاري يشعر بتعدده ووقوعه في مواضع كثيرة من الأرض وما عناه مما يكون يوم القيامة لا يتعدد كذلك بل لا يكون في الأرض وإنما يكون من إسرافيل ﵇ في السماء. وأن أريد بالنقر الحاصل بالصدر أعني الصوت فهو مما لا يحسن أن يقال ملئت الأرض منه كما يحسن أن يقال ملئت الدنيا منه أو ملئ الجو منه ونحو ذلك مما فيه اشتمال وتخلل للصوت في أجزائه فكان عليه أن يبدل الأرض بالدنيا أو بالجو أو بما يشبه ذلك. فقال غير هذا أريد. فقلت لعله أن تنكير نافور. يشعر بأنه أراد به غير الصور. ولا يدل نقر ذلك ولا امتلاء الأرض من نقره. على عظم الأمر إذ قد يكون لحادث سرور. أو لأمر آخر من الأمور. فقال غير هذا أريد. فقلت ليس عندي على ما عرضته مزيد. وأن ذهني بأوحال الهموم مغمور. فلا يكاد يأتي بغير ذلك إلى أن ينقر في الناقور. أو يلد البغل العاقور الباقور. فقال لقد جاوز الشهاب في أبعاد المرمى الجوزاء. وأسر عفا الله تعالى عنه حسواً بارتقاء. وذلك أنه عنى يوم نقر الناقور. يوم عسير على الكافرين غير يسير. وأن أبا السعود أشار في البيت إلى هول يوم موت ذلك السلطان. ومزيد ما عرا الناس فيه من الحيرة والأحزان. ويتضمن ذلك نسبة الكفر إلى الخليقة. إذ لا يعسر ذلك اليوم إلا على الكافرين في الحقيقة. ولا أقل من أنه يتضمن نسبة ذلك إلى سكنة القسطنطينية. ولا يليق بشيخ الإسلام أن يلوث بالكفر من ارتدى بالشريعة الحنيفية المحمدية. وجعل مقصود الشهاب من هذا الكلام. التهكم بأهالي إسلامبول وشيخ الإسلام. فقلت يا مولانا هذا من أين يعلم. فقال من الوقوف على سوء معاملته مع أولئك الأهالي وشيخهم الأعظم. وإذا تصفحت كتبه ترى أنه قد أشم أنوفهم من ريحانته عطر منشم. وتركت ما يتعلق بالجواب. وتعلقت بأسباب نصرة الشهاب. فقلت يا مولاي إنه لم يشم أنوفهم ذلك العطر. إلا بعد أن أذاقوه من سوء معاملتهم كل مر. حتى أنهم أحطوا قدره. وكادوا يخمدون ذكره. وقد رأيت فيما ينسب إليه. رحمة الله تعالى عليه. هذين البيتين:
قالوا تراك سقطت من رتبأترى الزمان بمثل ذا غلطا
قلت الشياطين اللئام علواولذا الشهاب من العلى سقطا
فقال أو ما يكفيه أنه جاء إسلامبول وكر قاضياً إلى مصر القاهرة. فقلت لا وتلك لعمري بالنسبة إلى بضايع فضله كرة خاسرة. فجاء بعض الرجال. وانقطع ما نحن فيه من المقال. هذا) واعلم (أن ليس القصد فيما ذكرناه سوى بيان مراد الشهاب. ولا يلزمنا البحث في أنه مجاب عنه أو غير مجاب. بل ذلك مفوض إليك. فتأمل في ذاك والسلام عليك.
) ومنها (ما جرى في قول البوصيري عليه الرحمة:
فكأن الغمامة استودعتهمن أظلت من ظله الدففاء
وذلك أنه سلمه الله تعالى ذكر أنه من الأبيات المشكلة. فقلت نعم ولم أزد على ذكر اختلاف النقلة.) وأنا الآن (أنقل لك بعض ما قاله العلماء الأعيان.) فأقول (قد شرح ذلك العلامة ابن حجر. بما لا يكاد يقله ذهن بشر. وشرحه أيضاً الشيخ حسن البوريني بما زعم أنه التحقيق. وادعى الشهاب الخفاجي أنه تلزيق. وشرحه أيضاً من شرحه. وما كل من عالج مقفلاً فتحه. وهاك فيه ثلاثة أقوال. لا أظن الحق يتعداها بحال من الأحوال.) الأول (قول شيخنا العلي. علاء الدين أفندي الموصلي. قال قوله فكأن الغمامة الخ. جواب سؤال نشأ من البيت الذي قبله وهو فإذا ما ضحى الخ. كأن قائلاً يقول أين يذهب ظله وهو عليه الصلوة والسلام جسم يستتبع ظلاً في العادة. فأجاب بما هو من المقدمات الشعرية التي يقصد بها التخييل ولا تصديق فيها وإنما تذكر للقبض أو البسط. فقال كأن الغمامة التي أظلته إرهاصاً أخذت ظله يومئذ واستودعته أي جعلته وديعة عند الجيوش التي أظلت العالمين بظله فالجيوش أظلت العالمين بظله المستودع عندها من الغمامة والدففاء خبر مبتدأ محذوف هو ضمير راجع إلى من أي هي. وعلى هذا فلا قلاقة في البيت. وفي هذا البيت توجيهات غير وجيهة وهذا الوجه مثل الصبح ظاهر انتهى. فاختار غاية الرحمة كون الرواية استودعته بأبناء للفاعل وكون الضمير المنصوب للظل وكون من بميم ونون عبارة عن الجيوش أي جيوش المجاهدين وكون أظلت بالظاء المشالة مبنياً للفاعل وكون الدففاء بفائين لا بقاف وعين والكل مختلف فيه) والثاني (قول العلامة ذي الفضل الجليل الجلي. مولانا صالح أفندي الموصلي. وروي البيت هكذا:
فكأن الغمامة استودعتهما أضلت من ظله الدقعاء
) ونصه (قوله أضلت بالضاد المعجمة من الإضلال أي ضيعت والدقعاء بدال مهملة فقاف فاعل أضلت والمراد بها الأرض. ولما ذكر الناظم رحمه الله تعالى إظلال الغمامة له ﷺ وأنه لا ظل له أراد بيان سبب ذلك فقال كأن الغمامة السوداء استودعته الخ. أي سألته أن يودعها ما ضيعته الأرض من ظله فظله الكريم قد جعل وديعة عند الغمام فلذا لم يقل على الأرض هذا حاصل ما أراده الناظم بهذا البيت على ما ظهر لي والله سبحانه أعلم انتهى. وهو ظاهر في أن الضمير المنصوب في استودعته للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم دون الظل بل ما الواقعة مفعولاً ثانياً عبارة عنه فلا تغفل.) والثالث (قول الخفاجي بعد أن ذكر أن حسن البوريني استنبط الشطر الثاني هكذا) ما أضلت من ظله الدففاء (وبعد أن نقل ما قاله في معناه) ونصه (لم يصب فيما ذكره فإن البيت تحرف عليهم كلهم. وإنما هو هكذا:
فكأن الغمامة استودعتهمذ أظلت من ظله الدقعاء
بمذ الجارة وبالظاء المشالة مجهول والدقعاء بدال مهملة وقاف وعين مهملة وهي الأرض. والمعنى أن الغمامة أعطيت ظلة الشريف أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أظل الأرض. من التراب حفظته صيانة له. وهذا معنى بديع وهو مرادة بلا شبهة لأن ما ذكره تلزيق لا يرضاه من له طبيعة شعرية. وقد قلت في هذا رباعية:
ما جر لظل أحمد أذيالفي الأرض كرامةً كما قد قالوا
هذا عجب وكم به من عجبوالناس بظله جميعاً قالوا
ثم ذكر أنه أنشد ذلك لشيخ الإسلام وأظنه ابن الكمال فأعجبه وأعجب من توارده معه في قوله بالتركية:
كرجه بي سايه درار سرو روانخوش كجر سايه سنده لبكي جهان
) ثم قال (ومثل هذا التحريف في هذه القصيدة ما أورده في المواهب اللدنية في قصة الغار:
أخرجوه منها وآواه غاروحمته حمامة ورقاء
وكفته بنسجها عنكبوتما كفته الحمامة الحصداء
فظن الحمامة واحدة الحمام وقال الحصداء شجرة كثيرة الورق استعارها للحمامة لكثرة ريشها وليس كما توهمه. وإنما هو الجنانة بالجيم ونون مشددة أي الحافظة والجنة المراد بها الدرع أيضاً كما ذكره أهل اللغة.
وهذا كقوله في البردة:
رقابة الله أغنت عن مضاعفةمن الدروع وعن عال من ألاطم
ثم قال معتذراً عن الإطالة في المقال. وإنما أطلنا في هذا لأنه وقع في هذه القصيدة تحريف كثير للشراح وسببه أن أكثرهم لم يعتن بالأدب وناظمها كان ساكن الريح في عصره لم يرو عنه شعره. ومن طالع ديوانه عرف علو كعبه في هذه الصناعة انتهى كلامه. وكونه رحمه الله تعالى أكثر اطلاعاً في فن الأدب وأوفر ممارسة له من الشيخين عليهما الرحمة يأخذ بقلبي إلى اعتقاد أن الأمر كما ذكره. وقد يقال متى لم تصح روايته فالكل محتمل وإن كان قد اطلع رحمه الله تعالى على ما يثبت بها ما رواه فعليه المعول. فافهم والله تعالى أعلم.
وكثيراً ما يسأل عن قوله:
لو أريدوا في حال سبت بخيركان سبتاً لديهم الأربعاء
وقد كتب عليه من كتب. وذهب في توجيهه إلى ما ذهب.) ومنهم (علامة عصره. وعلامة الفضل في مصره. صالح أفندي محضر باشي زاده. أكرمه الله تعالى بالحسنى والزيادة. كما أكرمه بالشهادة.) وقد قال (الظاهر أن مراد الناظم رحمه الله تعالى أن اليهود لو أريدوا في مشروعية السبت بخير كان سبتهم الأربعاء أي كان اليوم الذي منعوا فيه من التصرف والبيع والشراء هو الأربعاء لما اشتهر على الألسنة وورد في بعض الأحاديث وإن كان ضعيفاً من نحوسته فترك التصرف فيه أوفق بالمصلحة. وأما يوم السبت فهو يوم مبارك على ما دلت عليه الأحاديث ويؤيد ما ذكرناه قول الناظم بعد هذا البيت:
هو يوم مبارك كان للقصريف فيه من اليهود اعتداء
والله ﷾ أعلم انتهى. ولا أقول ليس هذا مراده بل أقول إن هذا المراد لا يخلو عن شيء لما أن الملازمة في الشرطية عليه مبنية على ما اشتهر ولم يصح. وإن اعتبر مجرد الشهرة والورود مبني فقد ورد أن الله تعالى خلق النور يوم الأربعاء واشتهر في الجملة أنه ما بدى فيه أمر إلا وتم. فتأمل ذاك وافهم. ولا تستعظم. الاعتراض على الناظم. فإن الجواد قد يكبو. والصارم قد ينبو. كل واحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
) ومنها (ما جرى في قول بعضهم:
أو ما تراني في مجال زلة العلىملقي المديح متيماً بالمتعب
كهلال أول ليلة في مشرقوكشمس آخر ساعة في مغرب
فإنه سلمه الله تعالى سألني عن معناه. فذكرت له ما قبله وارتضاه. وأفادني أنه إلى نحوه ذاهب. وذكر له قصة جرت بين جملة من بني الأدب. قال كنت في البلد الأمين. سنة الألف والمائتين والثامنة والثلاثين. فاتفق في مجلسي جماعة من الأدباء. وجملة من أفراد فحول الشعراء. فنجم نجم السؤال عن معنى قول من قال. أو ما تراني الخ. فتحيرت سيارات سماء أفكارهم النيرة. وعرض لها نحو ما يعرض مما سوى الاستقالة للخمسة المتحيرة. فقلت أنا أوضح لكم المعنى بتشطير. وأغنيكم فيما يعنيكم بمنظومه عن منثور التقرير. فصدعت مشطراً وصدحت مفسراً وقلت:
أو ما تراني في محاولة العلىأطأ الثريا فوق صهوة أشهب
أمسي وأصبح في العذيب وبارقملقي المريح متيماً بالمتعب
كهلال أول ليلة في مشرقسئم الخفا فبدا بأفق تغرب
أو مثل صبح جاء يخترق الدجاوكشمس آخر ساعة في مغرب
ففطنوا لمعنى كلامي. وكادوا يقبلون أقدامي. اه) وحاصل ذاك (أن الشاعر فيما قال. يشبه الهلال. من حيث أنه لم يسترح خفياً في المشرق. بل جهد بحسب ما يرى في السير نحو المغرب ليشرق. وكذا يشبه الشمس في المغرب آخر ساعة من النهار. من حيث أنها لم تبق كاسفة اللون حسبما تشاهدها الأبصار. بل جهدت في سراها. لتطلع فترتفع فيبهر ضياها. والذي يغلب على المشاعر. أن هذا هو ما أراد الشاعر. وهو زهرة ربيع لا تتحمل الفرك. وخصر أهيف لا يعاب إذا رك. وكثيراً ما يستشهد بالهلال. في أمر الحل والارتحال. وما ألطف ما قيل من أبيات. هي لعمري على كثير من الطباع أبيات:
وإذا الكريم رأى الخمول نزيلهفي بلدة فالرأي أن يتحولا
كالبدر لما أن تضأل جسد فيطلب الكمال فحازه متنقلا
ومثله كثير. ولعلك بذاك خبير.
) ومنها (ما جرى في مسألة سأل عنها بقوله:
أيا كعبة الأفضال لا زال فضلهمطاف الورى في دفع أعظم شبهة
أتعلم أرض أربع من جهاتهاغدت قبلة العباد من دون كعبة
وما ثم عذر أو تحرٍ ولا ولاوفيها صلوة الفرض والنفل صحت
وإن علق الزواج الطلاق بكونهافما الحكم شرعاً بين زوج وزوجة
أفيدوا جزيتم خير من جل برهوفي حلها حارت عقول البرية
وذكر لي أنه عام ذهب إلى الحجاز سأل عن ذلك بعض علمائه الأعلام. الذين اصطادوا شوارد العلوم في المسجد الحرام. فطافوا حول كعبة الجواب. فمنهم من فتح له ومنهم من لم يفتح له الباب. فأجبته بقولي:
أيا كعبة الأفضال لا زال فضلهيجر رداء الفخر فوق المجرة
ولا برح البيت الذي شدته على ...) مطاف الورى في دفع أعظم أشبهة (
ويا شيخ كل المسلمين وركنهمومهرعهم في حل كل عويصة
ومن منه تحقيق الحقائق حيث لاسواه بهذا العصر عارف حكمة
أتيتم ورب الراقصات إلى منىبنظم دعا كل القلوب فلبت
وقال لأنواع البلاغة أقبليفحثت مطايا وجاءت بسرعة
سألتم به كي تشحذوا ذهن سامعوذاك لعمري هدي خير الخليقة
فقلتم على وجه التلطف بالذيتريدونه بالقول من ذي روية
) أتعلم أرض أربع من جهاتها ( ...) غدت قبلة العباد من دون كعبة (
) وما ثم عذر أو تحر ولا ولا ( ...) وفيها صلوة الفرض والنفل صحت (
) وإن علق الزوج الطلاق بكونها ( ...) فما الحكم شرعاً بين زوج وزوجة (
فيا سيدي قد جبت كل تنوفةوحثحثت فيها مشمعلة فكرتي
وأوغلت كي ألقي جواباً محققاًوأنى لمثلي أن يفوز ببغية
وغاية ما في البال أن تلك تربةلكعبتنا أنعم بها خير تربة
من الجهة السفلى فكل جهاتهاغدت قبلة في كل فرض وسنة
وكل طباق هكذا ذاك صادقعليه بلا أمر يديب وكلفة
فإن علق الزوج الطلاق بكونهاعلى ما ذكرناه حكمنا بفرقة
وإن رام كوناً آخراً فليفه بهلنعلم منه كيف حكم القضية
وهذا جواب العبد والفكر قاصرفديتك يا مولاي من طول غربة
وتحقيق نفس الأمر من حضرة غدتمطافاً لأهل العلم من كل بلدة
لها الله في كل الأمور ولم تزلتفوق الثريا رفعة أي رفعة
أفيدوا جزيتم خير من جل برهوحل على راجيه أعظم منة
فتحقيق هاتيك العويصة مشكل ...) وفي حلها حارت عقول البرية (
وعرضت ذلك عليه بطوله. فجبر قلبي لمزيد طوله بقبوله) وملخص الجواب (أن تلك الأرض ما كانت مسامتة للداخل في الكعبة من الجهة السفلى وبينها وبين الكعبة من جميع الجهات تسعون درجة وتصدق على أرض سرداب مثلاً حفر تحت الكعبة وعلى أرض آخر حفر تحته وهكذا كما تصدق على السطح الظاهر للأرض المسامتة من تلك الجهة والقبلة في الحقيقة ليست هذا البناء المعروف والبقعة المعروفة زادها الله تعالى شرفاً فقط بل ما يشتمل ذلك وجميع ما فوقه إلى العرش. وما تحته إلى الأرض السفلى. والعرش المحيط الأعلى. فهي كعمود طرفاه محدد الجهات. فمن علق الطلاق بكونها بأن قال إن كانت هذه الأرض موجودة فامرأته طالقة طلقت امرأته. وربما يقال المراد بتعليق الطلاق بكونها الحلف بالطلاق على كونها ووجودها وحينئذ يكون الحكم عدم الوقوع فيقال بدل ما ذكرناه في النظم.
فإن علق الزوج الطلاق بكونهاعلى ما ذكرنا لم يؤاخذ بفرقة
وكنت قلته فعدلت عنه لخفاء مبناه. والأمر بعد ما سمعت أولاً من أمر تلك الأرض سهل. كما لا يخفى على من له ذرة من فضل. وقد راجعت الكرة الأرضية فلاح منها أن سطح الأرض المسامتة للبيت المكرم مغمور بالبحر فلو قيل:
أيعلم ماء أربع من جهاتهغدا قبلة العباد من دون كعبة
صار السؤال أغرب. والجواب أعجب. هذا) واتفق (أني اجتمعت بأعجوبة الزمان. ومن يدعي المشيخة لفضلاء الإنس والجان. القائل بلسان حاله من الجرجاني ومن السكاكي. السيد عمر أفندي فيضي البياسي ثم الأنطاكي. فنقلت له ما كان. فأتاني بعد أيام بنظم في ذلك الشأن. ومنه بعد حكاية السؤال. وتصديره بما يقصر عنه المقال:
أقول نعم ذي الأرض ما تحت كعبةبخط إليها مستقيم مسامت
فإن شبيه البيت كان مسامتله في العلى أركان أسفل صخرة
وتلك لفرض الصلوة ونفلهاوليست ترى للطائفين ككعبة
إلى أن قال:
فإن علق الزوج الطلاق بكونهافذا واقع للكون من غير شبهة
وليس له دعوى الجهالة نافعلإثبات تلك الأرض بين الخليقة
إلى آخر ما نظم. مما هو مذكور في كتابنا شهي النغم. وإنما لم أنقله هنا بأسره. اكتفاء بنقلي له هناك وذكره. ولم أنقل لك ما نقلته. إلا بعد أن هذبته وصححته. وإذا رأيت الأصل في شهي النغم. بان لصحيح نظرك ما فيه من السقم. وقد أجاب أيضاً نظماً ذو الفضل البادي. الشيخ أحمد بن سليمان الأروادي. وهو نظم يحاكي نظم شيخه البباسي الأنطاكي. وذكر لي شيخ الإسلام. أنه جمع كتاباً في أجوبة هذا السؤال وغيره من أسئلة للعلماء الأعلام.
وما كل زهر ينبت الأرض طيبولا كل كحل للنواظر أثمد
ومن الله تعالى التوفيق. وبيده سبحانه أزمة التحقيق.
) ومنها (ما جرى في مسألة سأل عنها أيضاً بقوله:
يا بدر مغربه بمشرق فضلهفي الخافقين ذكاه مثل ذكاء
كروية للأرض من طرف الحجاثبتت ببرهان لدى الحكماء
فإذا سئلت فكيف رد جوابهأي المواضع أرفع الأجزاء
بين أيا رأس الحجاحج في النهىلا زلت ممتطياً ذرى العلياء
وذلك أنه أنشدني في هذه الأبيات. التي هي على كثير من علماء الروم أبيات. وذكر لي أن كثيراً من العلماء نظموا ما نظموا في الجوابات. ومنهم من تعذر عليه ذلك وبالجوى بات. فقلت على سبيل الاختصار. إذ كانت كرة ذهني دائرة على محور الأكسار.
مولاي إن كروية صحت فلاجزء هنالك أرفع الأجزاء
بل كلها رفعاً وخفضاً مستوفي نفسه يا أرفع العلماء
هذا الذي حكمت به كروية الأجسام عند القادة الحكماء
ثم أنه أراني جواباً للمعني بالسؤال. الشيخ أحمد المالكي الشنقبيطي المغربي عليه رحمة الملك المتعال. وهو قوله:
يا من تداول في الصبا تحقيقهكرة الفنون تداول الأبناء
وعلى الدوام تديرها أفكارهبمضارب الإصغاء والإملاء
حتى تساوت في مراكز حفظهأجزاؤها المبسوطة الأضواء
أضواء علم للزمان وأهلهأجدى وأهدى من نجوم سماء
من كانت مثلك حكمة ألقابهيسم الورى بالعي والإعياء
أني وقد ألفيت ما ألقيتهمما ينوء بأكثر الفطناء
ما جال في كروية فكري ولادانت مجالاً من مدى إصغائي
لكن أقول مجارياً لهواكمفي رده خبطاً على عشواء
أم القرى من تحتها دحي الثرىفلذاك كانت أرفع الأجزاء
وكذاك أنت محدث ممن قضىأعلى القضاة وأعظم الأحياء
هذا ولا رد المسائل محكمإلا ابن عصمة أعرف العرفاء
ذاك الذي إن ردها بمقالهفمقاله من معجز البلغاء
أوردها بفعاله فهباتهعنها يقصر هاطل الأنواء
إلى آخر ما قال. ونسجه على هذا المنوال. فقلت يا سيدي إن الرجل عالم منقول. لا فارس ميدان معقول. فقال غالب علماء الحجاز. ليس لهم إلى حقيقة الفلسفة مجاز. وسكت عن التقتير في ذلك الكلام. لعلمي بأن قائله أحد شيوخه الفخام.) وإني أقول الآن (وعلى الله تعالى التكلان. أنهم اختلفوا في أمر الأرض اختلافاً كثيراً والذي ذهب إليه محققو المتقدمين استعارة السطح الظاهر أي المرئي من الأرض والماء عند الحس قالوا لو كانت الأرض مقعرة في طولها أي فيما بين المشرق والمغرب لكان من الطلوع إلى نصف النهار للمغربي أكثر منه للمشرق وبالعكس ولكان طلوع الكوكب على المغربي قبل طلوعه على المشرقي إذا اتفقا في عرض المسكن. ولو كانت مقعرة في العرض أي فيما بين الجنوب والشمال لكان التوغل في الشمال يوجب اختفاء القطب والكواكب القريبة منه ولو كانت مسطحة لكان الطلوع على الجميع معاً ولو كانت كثيرة الأضلاع لكان على ساكني كل سطح منها معاً. ولو كانت اسطوانة قاعدتاها نحو القطبين كما ظن قوم لم يكن لساكني الاستدارة كوكب أبدى الظهور بل أما الجميع طالعة غاربة أو كانت كواكب تكون من كل واحد من القطبين على بعد يستره القاعدتان أبدية الخفاء والباقية طالعة غاربة ولو كانت قاعدتاها نحو الخافقين لكان الطلوع والغروب على أهلهما معاً. ولو كانت كمخروطين رأساهما نحو الخافقين لكان الطلوع والغروب على من في نصف الطول أي على من في سطح أحد المخروطين معاً. ولو كان رأساهما نحو القطبين لما كان التوغل يوجب ظهور الكواكب وارتفاع القطر ولو كانت كمخروطين قاعدتاهما نحو القطبين أو الخافقين لزم منهما ما لزم من التقعير. والتوالي بأسرها كاذبة وذلك لتساوي ما بين الطلوع إلى نصف النهار ومنه إلى الغروب للمغربي والمشرقي المتفقين في عرض المسكنين ولتقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقيين على طلوعها وغروبها للمغربيين وزيادة ذلك ونقصانه بحسب بعد المسافة وقربها في مساكن متفقة العرض وازدياد ارتفاع القطب الشمالي والكواكب الشمالية وانحطاط الجنوبي الكواكب الجنوبية للواغلين في الشمال وبالعكس للواغلين في الجنوب بحسب وغولهما وتركب الاختلافين للسائرين على ما سمت بين سمتين فأن السائر على خط بين المشرق والشمال مثلاً يتقدم له الطلوع ويزداد ارتفاع القطب على ما كان عنده في الموضع الذي فارقه بقدر ما يقتضيه تباعده عنه إلى المشرق والشمال وإذا بطل كون السطح الظاهر من الأرض مقعراً أو مسطحاً وغير ذلك مما ينافي الانحداب تعين كونه محدباً على شكل الكرة لأنا نجد التفاوت في أوقات الخسوفات وفي عروض البلدان على حسب تفاوت أجزاء الدائرة وذلك لأن نسبة ما بين الابتداء والانتهاء في المسير على خط نصف النهار إلى مسافة ما بين الابتداء والانتهاء في المسير على خط الاستواء وما يوازيه كنسبة ارتفاع أو انحطاط القلب أعني فضل ما بين الارتفاعين في المسكنين إلى تقدم أو تأخر الطلوع في المسكنين فإذاً السطح الظاهر من الأرض مستدير انتهى. وحيث كان المدعي استدارة السطح الظاهر لم يتوجه القدح في هذا الدليل المقام عليه بأنه إنما يدل على استدارة الربع المسكون لا على استدارة جميع الأرض كما لا يخفى. وإذا ثبت ذلك المدعى) فاعلم (أن التضاريس التي تلزم الأرض من جهة الجبال والأغوار لا تخرجها عن أصل الاستدارة إذ لا نسبة لها محسوسة بالنسبة إليها فإن نسبة أعظم جبل على الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث على ما ذكره بعض المهندسين إلى الأرض كنسبة سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع بالتقريب. ثم أن ستر سطح مياه البحار أسافل الجبال الطالعة منها دون أعاليها المرتفعة وظهورها قليلاً قليلا للتقارب إليها على ما دل عليه إيقاد نيران بعضها أرفع من بعض على الجبال المذكورة مضافاً إلى ما مر في الأرض يدل على استدارة السطح العالي من الماء وأنه مع الأرض ككرة واحدة وذلك لأن ما يدل على استدارة سطح كل واحد منهما وحده يدل على استدارة السطح المركب من الأرض والماء فإذاً يحيط بهما سطح واحد كل الخطوط الخارجة من مركزها أما إلى سطح الماء فمتساوية تحقيقاً وأما إلى سطح الأرض تقريباً لما فيها من التضاريس وأما غير السطح العالي من الماء فنابع لمكانه الحاوي له) وبالجملة (هم اعتبروا الأرض والماء كالكرة الواحدة واستدلوا على الاستدارة بما
سمعت. ومنهم من استدل على استدارة الأرض باستدارة ظلها لما يشاهد من دائرة الظل التي يدخل فيها القمر وكون المقاطرة الموجبة للخسوف تتفق في جميع أجزاء الفلك واستلزام ذلك كون الظل من جميع النواحي بل الأرض مستديرة. وأنت تعلم أن هذا مع ما فيه لا يدل على استدارة الأرض بل على استدارة مجموع الأرض والماء لأن الظل لذلك.) ومنهم (من استدل على ذلك بأن الأرض متباعدة من جميع جوانب الفلك إلى المركز وطباعها وطباع جملة أجزائها كذلك وذلك يوجب أن تكون كرة وإلا لكان بعض أجزائها أبعد عن المركز من البعض الآخر ولزم منه الاتحاد في الماهية مع الاختلاف في الأحكام وهو محال. وفيه أن الاتحاد في الماهية ممنوع وسنده ظاهر.) ومنهم (من استدل بالبساطة وفيه ما فيه. وقدح بعض الناس في كروية الأرض بأن مركز ثقلها إن كان مركز حجمها أو قريباً منه وجب أن يكون غوصها في الماء من جميع الجوانب على السواء وكان يجب أن لا يكون شيء منها بارزاً لأن البارز هو ربع فقط والبواقي في الماء. وإن لم يكن كذلك وجب أن يكون بعض جوانبها أثقل من بعض لكن الأرض جسم بسيط فيكون جانبه الأزيد ثقلاً أزيد مقداراً فالأرض لا بد أن يكون بعض جوانبها أزيد طولاً من بعض والجانب الآخر أزيد عرضاً من الأول حتى تعتدل الجوانب في الثقل وذلك يقدح في كونها كرة وهو خطأ. لأنا لا نسلم كون الأرباع الثلاثة مغمورة في الماء. وظهور أمريقا يرد على من حصر المعمور في الربع. سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون التفاوت في جوانب الأرض لا يسبب التفاوت في الشكل بل بسبب التفاوت في الخاصة من كون بعضها أكثر اكتنازاً وتحجراً فكان أثقل والجانب الآخر أكثر رخاوة فكان أخف. وقدح بعض المتشرعين في كرويتها بقوله تعالى) والأرض بعد ذلك دحاها (وبقوله سبحانه) ألم نجعل الأرض مهاداً (وبقوله ﷿ والأرض فرشناها (إلى غير ذلك مما تضمن الدحو أو المهد أو الفرش. فإن كل ذلك ينافي الكروية. وفيه منح ظاهر فإن كلاً مما ذكر يجامع كروية الجسم العظيم بلا شبهة أصلاً. وقد نص على ذلك الإمام الرازي وغيره من الأجلة الذين تدور كرة كلامهم على محور التحقيق. وليس في الأحاديث الصحيحة أيضاً ما يأبى ذلك. فالإنصاف عدم التحاشي من القول باستدارة السطح الظاهر منها في الحس والجزم بكون مجموع الأرض والماء مستديراً) إذا علمت ذلك (فاعلم أنه ليس شيء من أجزائها الظاهرة أرفع من بعض وإلا لم يكن السطح الظاهر مستديراً هذا خلف. وإن اعتبر مع الأرفعية عدم الإخلال بالاستدارة الحسية قيل إن أرفع الأجزاء ذروة أرفع الجبال وهو ما أشير إليه سابقاً أو غيره مما هو أرفع منه. فقد حكي والعهدة على الحاكي أن الجغرافيين اليوم وجدوا ذلك. ثم أن الجواب بما ذكر مبني على عرف الناس من عدد الجبال من الأرض فيكون جزءها جزءها. وإلا فالكتاب المجيد والسنة الجليلة ظاهران في أن الجبال ليست من الأرض قال تعالى) ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً (إلى آيات كثيرة قوبل فيها الأرض وقال عليه الصلوة والسلام) لما خلق الله الأرض جعلت تميد فوضع عليها الجبال فاستقرت (الحديث وحكمهم بالحنث على من حلف لا يقعد على الأرض فقعد على الجبل ليس إلا لأن الإيمان مبنية على العرف والأرض فيه تعم السهل والجبل. ولكون مبنى الإيمان ذلك لم يحكموا بحنث من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً مع أن الله ﷾ سماه في كتابه الكريم لحماً. وعلى ما دل عليه الكتاب والسنة من كون الجبال ليست من الأرض. يقال في الجواب ليس شيء من أجزاء الأرض أرفع أجزائها على تقدير كرويتها وربما يتخيل أن الأرفع الجزء المسامت لنقطة تقاطع الدائرة المارة بالأقطاب الأربعة ودائرة المعدل وهو توهم محض من المتخيل. ويرشد إلى هذا أن ذلك التقاطع في جهتين مختلفتين سمت الرأس وسمت القدم فكيف يعقل كون الجزء المسامت لتلك النقطة أرفع الأجزاء في نفس الأمر) نعم (من عند تحت تلك النقطة يرى أن كل جزء دونه وأعظم الأجزاء في هذا الجزء المسامت لنقطة التقاطع من جهة سمت قدمه. ومثله في هذه الرؤية من عند كل نقطة وعلى كل جزء من الأرض فما تحت قدم كل شخص أرفع من غيره بالنسبة إليه مع أنه تحت قدم غيره حقيقةً أو حكماً. وكثيراً ما يتفق الواقعان على طرفي خطٍ واحدٍ كما لا يخفى على العارف بالأطوال والعروض) وإذا (اعتبر هذا الأمر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع