تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

دَار الْقُرْآن الخيضرية

هَذِه الدَّار لم تزل إِلَى الْآن على رونقها وبهائها ومحلها كَمَا فِي تَنْبِيه الطَّالِب وإرشاد الدارس للفاضل عبد الْقَادِر النعيمي شمَالي دَار الحَدِيث السكرية بالقصاعين اهـ وَقد صحف النَّاس الْيَوْم اسْمهَا فَقَالُوا لَهَا الخضيرية نقلوا الْيَاء الْمُثَنَّاة من بَين الْخَاء وَالضَّاد المعجمتين إِلَى مَا بعد الضَّاد ومحلتها الْآن تعرف بالخضيرية وَهِي مَعْرُوفَة مَشْهُورَة فِي زمننا تُقَام فِيهَا الصَّلَوَات الْخمس ويتعاهدها فِي بعض اللَّيَالِي وَبعد صَلَاة الْفجْر جمَاعَة من المتصوفة الشاذلية الفاسية فيقيمون بهَا الْأَذْكَار ويقرؤون الأوراد وَفِي رَمَضَان يقْرَأ صَحِيح البُخَارِيّ وبعضا من الْكتب أستاذهم فِي زمننا الْعَالم الأديب الْكَاتِب الشَّاعِر الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْمُبَارك

وَأما نعتها فَإِنَّهَا وَاقعَة فِي الْجَانِب الشَّرْقِي من الزقاق الْمُسَمّى بالخضيرية بِالتَّصْغِيرِ ويصعد إِلَيْهَا بمرقاتين وجدارها الغربي مَبْنِيّ بِالْحجرِ الأبلق وَتَحْته سِقَايَة وَفِيه الْبَاب وقنطرته من الْحجر الأبلق أَيْضا وَهُوَ متين وَفِي وَسطه صحيفَة من النّحاس مستديرة وَقد رسم عَلَيْهَا مَا صورته

رسم بَاب الْمدرسَة الَّتِي أَمر بإنشاء بَابهَا الْأَمِير العالي المولوي القاضوي القطبي ابْن الخيضري قَاضِي الْقُضَاة اسبغ الله عَلَيْهِ ظلاله مِمَّا عمل

وَتَحْت هَذِه الصَّحِيفَة شبكة من النّحاس قَائِمَة على هَيْئَة مثلث زاويتها الْعليا تسامت قطب دَائِرَة الصَّحِيفَة وَهَذَا الْوَضع على هندسة لَطِيفَة جدا فَإِذا دَخلهَا الدَّاخِل وخلص من دهليز لَهَا قصير رأى بركَة مَاء للْوُضُوء فِي وَسطهَا وَفِي الْجِدَار القبلي محراب وَفِي الْجِهَة الغربية شباكان مطلان على الطَّرِيق وبجانبهما حجرَة وَاسِعَة وبالجانب الشَّرْقِي حجرتان تَحت إِحْدَاهمَا خلْوَة وبجانبهما خلْوَة أَيْضا

وبالجانب الشمالي إيوَان وَفِي صَدره حجرَة وَقد كتب على الْجِدَار فَوق الْبَاب مِنْهَا مَا صورته

بِحَمْد الله تَعَالَى اللَّطِيف انشأ هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة على الْفُقَرَاء المتعلمين لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم الْفَقِير قَاضِي الْقُضَاة قطب الدّين الخيضري خَادِم السّنة النَّبَوِيَّة إرضاء لله تَعَالَى سنة ثَمَان وَسبعين وَثَمَانمِائَة

وبزاوية ملتقى الجدارين الشمالي والشرقي بَاب يدْخل مِنْهُ إِلَى مَكَان متسع وَفِيه ثَلَاثَة بيُوت خلاء وَفِي دهليزها بَاب يصعد مِنْهُ إِلَى غرفَة لَطِيفَة وَقَالَ فِي تَنْبِيه الطَّالِب رتب فِيهَا واقفها الجوامك وَالْخبْز للْفُقَرَاء اهـ يَعْنِي الَّذين كَانُوا يتعلمون بهَا الْقُرْآن الْكَرِيم وَلم نر لهَذَا آثرا فِي زمننا

تَرْجَمَة الخيضري مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن خيضر بن سُلَيْمَان بن دَاوُد بن فلاح بن ضميدة بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة مُصَغرًا الزبيدِيّ بِضَم الزَّاي الْبُلْقَاوِيُّ الأَصْل الترملي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي وَيعرف بالخيضري نِسْبَة لجد أَبِيه هَكَذَا نسبه الْحَافِظ السخاوي فِي كِتَابه الضَّوْء اللامع لأهل الْقرن التَّاسِع وترجمه بترجمة مُطَوَّلَة كلهَا ثلب وَطعن فِيهِ وَفِي مؤلفاته كَمَا هِيَ عَادَته فِي أقرانه وَلَكِن نَادَى على نَفسه بالتهمة فِي آخر التَّرْجَمَة فَقَالَ وانه فعل معي مَا أَرْجُو أَن يجازى بمقصده عَلَيْهِ اهـ وَهَذَا دَلِيل على انه تحامل عَلَيْهِ فِيمَا كتب عَنهُ ولنلتقط من كَلَامه مَا صفي واليك هُوَ قَالَ ولد لَيْلَة الِاثْنَيْنِ منتصف رَمَضَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة بقرية بَيت لهيا الْقَرِيبَة من دمشق وَنَشَأ يَتِيما فِي كَفَالَة أمه ثمَّ فَارق سلفه الَّذين هم عرب البلقاء وانحاز إِلَى طَائِفَة الْفُقَهَاء فحفظ التَّنْبِيه والفيتي الحَدِيث والنحو وملحة الْأَعْرَاب ومختصر ابْن الْحجاب الاصولي ثمَّ اشْتغل على عُلَمَاء عصره بالفقه وَالْأُصُول والْحَدِيث والنحو وَهَذِه الْعُلُوم الَّتِي كَانَ لَهَا رواج فِي زَمَنه ثمَّ ارتحل إِلَى بعلبك سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَدخل الْقَاهِرَة مرَارًا وَمَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس ودمياط فَأخذ عَن علمائها وَبعد إِن ذكر السخاوي مَا رَأَيْت خلاصته قَالَ وَمَعَ ذَلِك فَلم يتَمَيَّز

فِي الطّلب يَعْنِي فِي الحَدِيث فضلا عَمَّن هُوَ أَعلَى مِنْهُ فِي الرتب من حفظ وَضبط وغريب وَمَعْرِفَة باصطلاح وَمَا يذاكر بِهِ بَين الْعلمَاء غير أَن لَهُ يقظة فِي الْجُمْلَة وَكِتَابَة تروج عِنْد من لَا يحسن أَو يحسن وَلكنه يُدَارِي أَو يَرْجُو وَالرجل حِين كَانَ مَوْجُودا فِي الْقَاهِرَة لم يكن يتحاشى الْكَلَام فِي شَيْء وَلَا يتَوَقَّف لأجل تَحْرِير أَو تَحْقِيق

وَقَول شَيخنَا الْحَافِظ ابْن حجر فِي الأنباء انه الْفَاضِل البارع سمع الْكثير وَكتب الْكثير من الْأَجْزَاء وجد وَقد حصل فِي مُدَّة لَطِيفَة شَيْئا كثيرا وخطه مليح وفهمه جيد ومحاضراته تدل على كَثْرَة استحضاراته يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل فِي بعض الْكَلِمَات وَكَذَا وَصفه لَهُ بِالْحِفْظِ بعد ذَلِك لَيْسَ على إِطْلَاقه

كَذَا قَالَ السخاوي وَأَقُول مَا عهدنا الْحَافِظ ابْن حجر إِلَّا منصفا فِيمَا يَقُوله فِي تراجم الْعلمَاء وَمَا وجدنَا السخاوي إِلَّا متحاملا على كل من يفوقه وَمن رأى كتب الرجلَيْن يعلم ذَلِك يَقِينا

ثمَّ قَالَ السخاوي وَقد اسْتعَار من شَيخنَا ابْن حجر نسخته من الطَّبَقَات الْوُسْطَى لِابْنِ السُّبْكِيّ فَجرد مَا بهَا من الْحَوَاشِي الْمُشْتَملَة على تراجم مُسْتَقلَّة وزيادات فِي أثْنَاء التراجم مِمَّا جردته أَيْضا فِي مُجَلد ثمَّ ضم ذَلِك لتصنيف لَهُ على الْحُرُوف لخص بِهِ طَبَقَات ابْن السُّبْكِيّ مَعَ زَوَائِد وصل إِلَيْهَا بالمطالعة من كتب أمده شَيخنَا بهَا كالموجود من تَارِيخ مصر للقطب الْحلَبِي ونيسابور للْحَاكِم والذيل عَلَيْهِ لعبد الغافر وتاريخ بخاري لفنجار واصبهان وَغير ذَلِك مِمَّا يفوق الْوَصْف وَسَماهُ اللمع الالمعية لأعيان الشَّافِعِيَّة

أَقُول أَي مطْعن على مؤرخ جمع مُؤَلفه من أسفار الْمُتَقَدِّمين سَوَاء كَانَت بالإعارة أَو بِالْملكِ وان كَانَ الطعْن فِيهِ من جِهَة مَا جرده من كَلَام ابْن حجر فالسخاوي نَفسه فعل ذَلِك فَتَأمل ثمَّ قَالَ وَكَذَا جرد مَا لشَيْخِنَا من المناقشات مَعَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات مِمَّا هُوَ بهوامش نسخته وَغَيرهَا ثمَّ ضم ذَلِك لتلخيصه الأَصْل وَسَماهُ الْبَرْق اللموع لكشف الحَدِيث الْمَوْضُوع ولخص أَيْضا الْأَنْسَاب لِابْنِ السَّمْعَانِيّ مَعَ ضمه لذَلِك مَا عِنْد ابْن الْأَثِير والرشاطي وَغَيرهمَا من الزِّيَادَات وَنَحْوهَا وَسَماهُ الِاكْتِسَاب فِي تَلْخِيص الْأَنْسَاب وَمَا عَلمته حرر وَاحِدًا مِنْهَا وَاشْتَدَّ حرصي على الْوُقُوف عَلَيْهَا فَمَا أمكن ثمَّ رَأَيْت أَولهَا فِي حَيَاة شَيخنَا وانتقدت عَلَيْهِ إِذْ ذَاك شَيْئا

فَتَأمل أَيهَا الْمنصف كَيفَ طعن فِي كتب الرجل ثمَّ اقر بِأَنَّهُ لم يرهَا ثمَّ قَالَ وَألف معجما سَمَّاهُ الرقم الْمعلم فِي تَرْتِيب الشُّيُوخ وَالسَّمَاع وَالْإِجَازَة على حُرُوف المعجم والمنهل الْجَارِي من فتح الْبَارِي شرح البُخَارِيّ وَشرع فِي شرح ألفية الْعِرَاقِيّ والصفا بتحرير الشفا وَمجمع العشاق على تَنْبِيه الشَّيْخ أبي اسحاق وَاللَّفْظ المكرم بخصائص النَّبِي ﷺ وَالرَّوْض النَّضر فِي حَال الْخضر واللواء الْمعلم فِي مَوَاطِن النَّبِي ﷺ وزهر الرياض فِيمَا شنعه القَاضِي عِيَاض على الإِمَام الشَّافِعِي وتقويم الاسل فِي تَفْضِيل اللَّبن وَالْعَسَل وبغية المبتغي فِي تَبْيِين قَول الرَّوْضَة يَنْبَغِي

وَأول مَا ولي مشيخة دَار الحَدِيث ألاشرفية ثمَّ نزعت مِنْهُ وَاسْتقر فِي وكَالَة بَيت المَال وَفِي نظر الخوالي مِنْهَا ثمَّ ترقى لكتابة السِّرّ ثمَّ أضيف إِلَيْهَا قَضَاء الشَّافِعِيَّة وَصَارَت اكثر الْأُمُور الشامية منوطة بِهِ واتسعت دائرته فِي الْأَمْوَال والجهات والأملاك والوظائف والكتب وَغَيرهَا

وَحدث بِبَلَدِهِ وأملى ودرس وَوعظ وخطب وَأفْتى مَعَ الوجاهة والاعتلاء وَولي السميساطية وَغَيرهَا من الْمدَارِس زِيَادَة عَن الْمدَارِس الَّتِي تتَعَلَّق بالقضاة كالغزالية والعذراوية

وَكَانَت لَهُ صدقَات زَائِدَة وإحسان للغرباء وَبنى بِجَانِب بَيته مدرسة وَبنى تربة عِنْد بَاب مقَام الشَّافِعِي ورتب بهَا صوفية مَعَ شيخ لَهُم من الطّلبَة وَمَا زَالَ ملازما لخدمة السُّلْطَان حَتَّى مَاتَ فِي ربيع الثَّانِي سنة أَربع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَدفن بتربته هَذِه وتأسف السُّلْطَان عَلَيْهِ هَذَا ملخص كَلَام السخاوي

وترجمه الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي كِتَابه أنباء الْغمر فَقَالَ فِي حوادث سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة

ورد ابْن المترجم إِلَى الْقَاهِرَة لطلب الحَدِيث وَوَصفه بالفاضل البارع ثمَّ قَالَ سمع الْكثير وَكتب كتبا كَثِيرَة وأجزاء وجد وَحصل فِي مُدَّة لَطِيفَة شَيْئا كثيرا وَكتب عني فِي مُدَّة يسيرَة المجلد الأول من الْإِصَابَة فِي تَمْيِيز الصَّحَابَة وقرأه وعارض عَليّ بِهِ وأتقنه وَنسخ أَيْضا تَعْجِيل الْمَنْفَعَة فِي رجال الْأَرْبَعَة

وقرأه كُله وأتقنه وَسمع عدَّة أَجزَاء وَحضر مجَالِس فِي الامالي وخطه مليح وفهمه جيد ومحاضراته تدل على كَثْرَة استحضاره

هَذَا كَلَام الْحَافِظ ابْن حجر مُلَخصا وَمن خطه نقلته وَوَصفه للمترجم إِنَّمَا كَانَ أَيَّام طلبه للْعلم فَإِذا قابلته مَعَ كَلَام السخاوي وجدت الْحَافِظ قد أَتَى بالإنصاف كَمَا هِيَ عَادَته وَعلمت إِن التعصب هُوَ الَّذِي أودى بالعلوم وأهلكها

وترجمة صَاحب تَنْبِيه الطَّالِب بِنَحْوِ مَا تقدم وعد من مؤلفاته شرح التَّنْبِيه فِي فروع الشَّافِعِيَّة وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء احْمَد البقاعي فِي مُخْتَصره إِن المترجم رتب على تربته لصيق المنجكية بمحلة مَسْجِد الذبان الجوامك وَالْخبْز على الْفُقَرَاء وَعمل مطبخا بِبَاب الفراديس ومطبخا بِالْمَدِينَةِ المنورة اهـ فجزاه الله خيرا

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْقسم الاول فِي دور الْقُرْآن الْكَرِيم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.