من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
دَار الْقُرْآن الدلامية
ترجمها صَاحب تَنْبِيه الطَّالِب والدارس بقوله هِيَ بِالْقربِ من الماردانية بالجسر الْأَبْيَض بالجانب الشَّرْقِي من الشَّارِع الْآخِذ إِلَى الجسر الْمَذْكُور بالصالحية زَاد العلموي فِي مُخْتَصره وَهِي مَعْرُوفَة انْتهى
وفيهَا تربة الْوَاقِف أَنْشَأَهَا الشهَاب الخواجكي الرئيسي الشهابي أَبُو الْعَبَّاس احْمَد بن الْمجْلس الخواجكي زين الدّين دلامة بن عز الدّين نصر الله الْبَصْرِيّ اجل أَعْيَان الخواجكية بِالشَّام إِلَى جَانب دَاره وترجمة السخاوي فِي الضَّوْء اللامع فَقَالَ
احْمَد بن دلامة الخواجا الْبَصْرِيّ ثمَّ الدِّمَشْقِي انشأ مدرسة بصالحية دمشق وتفقه وبرع وَمَات فِي ثامن عشر الْمحرم سنة ثَلَاث وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَدفن بعد الْعَصْر من يَوْمه انْتهى
قَالَ البقاعي وَقد قَارب الثَّمَانِينَ قَالَ فِي التُّحْفَة وَقفهَا سنة سبع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة ورتب بهَا إِمَامًا وَله من الْمَعْلُوم مائَة دِرْهَم وقيما وَله مثل الإِمَام وَسِتَّة أَنْفَار من الْفُقَرَاء الغرباء الْمُهَاجِرين فِي قِرَاءَة الْقُرْآن وَلكُل وَاحِد مِنْهُم ثَلَاثُونَ درهما فِي كل شهر ولشيخهم عشرَة وَمن شَرط الإِمَام الرَّاتِب أَن يتَصَدَّى شَيخا لإقراء الْقُرْآن للْجَمَاعَة وَله على ذَلِك عشرُون درهما زِيَادَة على مَعْلُوم الأمامية وَسِتَّة أَيْتَام بالمكتب على بَابهَا وَلكُل وَاحِد مِنْهُم فِي كل شهر عشرَة دَرَاهِم وَقرر لَهُم شَيخا وَله من الْمَعْلُوم سِتُّونَ درهما فِي كل شهر ورتب أَيْضا قَارِئًا لصحيح الإِمَام البُخَارِيّ فِي كل من شهر رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وَجعل لَهُ من الْمَعْلُوم مائَة وَعشْرين درهما وناظرا وَله من الْمَعْلُوم فِي الشَّهْر سِتُّونَ درهما وعاملا وَله من الْمَعْلُوم فِي السّنة سِتّمائَة دِرْهَم ورتب للزيت فِي كل عَام مثلهَا وَجعل للشمع ولقراءة البُخَارِيّ وَإِمَام التَّرَاوِيح مائَة دِرْهَم ولأرباب الْوَظَائِف خَمْسَة عشر رطلا من الْحَلْوَى ورأسي غنم أضْحِية وَلكُل يَتِيم جُبَّة قطنية وقميصا ومنديلا فِي كل سنة وَقرر قَارِئ ميعاد فِي يَوْم الثُّلَاثَاء من كل أُسْبُوع وَله فِي الشَّهْر ثَلَاثُونَ درهما وَشرط على أَرْبَاب الْوَظَائِف حفظ حزب الصَّباح والمساء لِابْنِ أبي دَاوُد يقرؤونه بعد صَلَاة الصُّبْح وَالْعصر وان يكون الإِمَام هُوَ الْقَارئ البُخَارِيّ والقارئ على ضريح الْوَاقِف والقيم هُوَ البواب والمؤذن حكى هَذَا ابْن طولون فِي كِتَابه القلائد الجوهرية فِي تَارِيخ الصالحية والنعيمي وَتَبعهُ فِي التَّنْبِيه وَأول من بَاشر الْإِمَامَة بهَا والمشيخة شمس الدّين البانياسي وَقِرَاءَة الميعاد شمس الدّين بن حَامِد وَذكر بَعضهم أَن سَبَب إنشائها أَن الخواجا إِبْرَاهِيم الأسعردي عمر مدرسة بالجسر الْأَبْيَض لَيْسَ لَهَا نَظِير وَجعل بهَا خلاوي فَطلب بهَا رجل من جمَاعَة ابْن دلامة خلْوَة بشفاعة ابْن دلامة فَلم يُعْطه الْخلْوَة الَّتِي طلبَهَا وَأَعْطَاهُ غَيرهَا فَلم يقبلهَا فَقَالَ الخواجا إِبْرَاهِيم لَهُ قل لِابْنِ دلامة يعمر مدرسة مثلهَا ويعمر لَك خلْوَة تريدها فَأخْبرهُ بذلك فَلم ينم تِلْكَ اللَّيْلَة
حَتَّى رسم مَكَانهَا وقاسها فَقَالَ الخواجا إِبْرَاهِيم مَا أردْت بذلك إِلَّا تنهيضه لفعل الْخَيْر
قلت وَقد شاهدت تِلْكَ الدَّار أثْنَاء كتابتي لهَذِهِ السطور وَهِي مَعْرُوفَة باسم الدلامية إِلَى الْآن فِي الطَّرِيق الْآخِذ إِلَى الصالحية فِي الْجِهَة الشرقية وَهِي عامرة مَشْهُورَة وحائطها الغربي مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ السَّوْدَاء والصفراء على نمط جميل وبابها مَبْنِيّ على هندسة لَطِيفَة وإتقان يدل على مَا كَانَ للفن المعماري فِي ذَلِك الزَّمن من التَّقَدُّم وَكَأن الْمُتَقَدِّمين كَانُوا يتفننون فِي بِنَاء الْأَبْوَاب فيجعلون لأبواب دور الْقُرْآن طرزا غير طرز أَبْوَاب دور الحَدِيث ولأبواب الحَدِيث شكلا غير شكل أَبْوَاب مدارس الْفِقْه والعلوم ويميزون أَبْوَاب أبنية السلاطين والأمراء لمعاهد الْخَيْر عَن أَبْوَاب أبنية غَيرهم وَمن تَأمل مآثرهم رأى ذَلِك عيَانًا ثمَّ انك إِذا دخلت من الْبَاب أفْضى بك إِلَى صحن لطيف فِي وَسطه بركَة مَاء وَفِي الْجِهَة الشمالية إيوَان لطيف أَيْضا وَفِي الْجِهَة الْقبلية حرم جميل ثَلَاث عشرَة خطْوَة فِي سبع وَفِي الْحَائِط الشَّرْقِي حجرَة وَفِي الغربي حجرَة أَيْضا وَبهَا قبر الْوَاقِف وَلها شباك مطل على الطَّرِيق وَتلك الدَّار الْآن معدة لإِقَامَة الصَّلَوَات الْخمس والأوقات الَّتِي اصْطلحَ عَلَيْهَا أَتبَاع الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الرَّشِيدِيّ من المتصوفة واخبرني أحد المقيمين بهَا أَن أَيدي المختلسين تناولتها قَدِيما فَجعلُوا نصفهَا دَارا وَالنّصف الآخر جنينة للورد والأزهار الَّتِي يَزْرَعهَا أهل الصالحية ويبيعونها فَلَمَّا كَانَت سنة ثَلَاثمِائَة وَألف انتدب لَهَا السّري المحسن عَليّ بك ابْن مردم باشا الْمُؤَيد العظمي فاستخلصها من يَد مختلسيها وبناها على الطّراز الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ الْآن
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع