تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

دَار الحَدِيث الناصرية

أهملها البقاعي وَقَالَ النعيمي هِيَ بمحلة الفواخير بسفح قاسيون قبلي الْجَامِع الافرم وَبهَا رِبَاط وَهِي الناصرية البرانية وَسَتَأْتِي الناصرية الجوانية انْتهى

أَقُول أَن تِلْكَ الْمدَارِس والربط الَّتِي كَانَت بالسفح من لدن الجسر الْأَبْيَض إِلَى الْجَبَل من الغرب الشمالي مِمَّا بَين يزِيد وثورا لم يبْق مِنْهَا بَقِيَّة تذكر وَذَلِكَ أَن يَد الزَّمَان قد تناولتها فنقضت بناءها وقوضته ثمَّ انه مُنْذُ عهد لَيْسَ بالبعيد أحتاج نهر ثورا إِلَى عمَارَة جوانبه فَأخذت حِجَارَة تِلْكَ الْأَبْنِيَة وَتصرف بهَا فِي ذَلِك الْبناء وَهَذَا عدا عَمَّا تناولته الْأَيْدِي واختلسته ثمَّ سويت الأَرْض وَجعلت حواكير وبساتين سنة الله فِي خلقه وَالْجَامِع ألافرم الْآن خراب بلقع لم يُوجد مِنْهُ سوى حُفْرَة تدل على

انه كَانَ هُنَالك بحيرة الْجَامِع وَمَا بَقِي من حجارته وحجارة أَمْثَاله اخذ لبِنَاء الْبيُوت الَّتِي جددت مُنْذُ عشر سِنِين وَسميت بحارة الْمُهَاجِرين وقبلي الْجَامِع الْمَذْكُور حاكورة يفصل بَينهَا وَبَين ساحته الطَّرِيق جدارها الشمالي أساس بِهِ أَحْجَار تدل على انه كَانَ ثمَّة الْمدرسَة الناصرية واخبرني بعض الْأَصْحَاب انه شَاهد هُنَاكَ حجرات قَائِمَة الجدران بِلَا سقف ثمَّ أخنى عَلَيْهَا الزَّمَان كَمَا ذكرنَا ومحراب الْجَامِع ألافرم نقلت حجارته إِلَى مَسْجِد دَار الحَدِيث ألاشرفية بطريقة الشِّرَاء

تَرْجَمَة بانيها أَنْشَأَهَا الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف ابْن الْملك الْعَزِيز عُثْمَان ابْن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بن شاذي فاتح بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ مولده بقلعة حلب فِي رَمَضَان سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة وبويع لَهُ بحلب سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بعد موت أَبِيه وعمره سبع سِنِين وَقَامَ بتدبير مَمْلَكَته جمَاعَة من مماليك أَبِيه وَكَانَ الْأَمر كُله عَن رَأْي جدته أم أَبِيه صَفِيَّة خاتون ابْنة الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَلِهَذَا سكت الْملك الْكَامِل لِأَنَّهَا أُخْته فَلَمَّا توفيت سنة أَرْبَعِينَ اشْتَدَّ النَّاصِر واشتغل عَنهُ الْكَامِل بِعَمِّهِ الصَّالح ثمَّ فتح حمص سنة سِتّ وَأَرْبَعين فوليها عشر سِنِين قَالَ ابْن قَاضِي شهبه كَانَ كثير الْبر وَالْإِحْسَان وَالصَّدقَات محببا إِلَى الرّعية فِيهِ عدل فِي الْجُمْلَة حسن الْأَخْلَاق محبا لأهل الْعلم وَالْفضل وَالْأَدب وَكَانَ سوق الشّعْر نافقا فِي أَيَّامه وَكَانَ يذبح فِي مطبخه كل يَوْم أَرْبَعمِائَة كَبْش من الْغنم سوى الدَّجَاج والطيور والجداء وَله نظم حسن وَقَالَ غَيره وَكَانَ النَّاس مَعَه فِي عيشة هنيَّة إِلَّا وَقت إدارة الْخُمُور وَكَانَ مَجْلِسه مجْلِس ندماء وأدباء ثمَّ خدع وَعمل فِيهِ حَتَّى وَقع فِي قَبْضَة التتار فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى هولاكو فَأكْرمه فَلَمَّا بلغه أَن جَيْشه قد كسر على عين جالوت غضب وتنمر وَأمر بقتْله فتذلل لَهُ وَقَالَ مَا ذَنبي فَأمْسك عَن قَتله وَقتل شقيقه الْملك الظَّاهِر عليا قَالَه الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي العبر فِي حوادث تسع وَخمسين وسِتمِائَة وَقيل بل قَتله سنة ثَمَان وَكَانَ قد اعد لنَفسِهِ تربة فِي رباطه الَّذِي بناه بسفح قاسيون فَلم يقدر لَهُ دَفنه بِهِ وَدفن بالشرق وَكَانَ شَابًّا ابيض مليحا حسن الشكل بِعَيْنيهِ قيل يَعْنِي حول قَالَه ابْن كثير وَقَالَ أَيْضا فِي حوادث أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وفيهَا أَمر النَّاصِر بعمارة الرِّبَاط الناصري بسفح قاسيون وَذَلِكَ عقيب الْفَرَاغ

من بِنَاء الناصرية الجوانية بِدِمَشْق والناصرية البرانية من اغرب الْأَمْكِنَة فِي الْبُنيان الْمُحكم والجوانية من احسن الْمدَارِس وَهُوَ الَّذِي بنى الخان الْكَبِير تجاه الزنجاري وحولت إِلَيْهِ دَار الْأَطْعِمَة وَكَانَت قبل ذَلِك غربي القلعة فِي اصطبل السُّلْطَان وَكَانَت مُدَّة تملكه لدمشق عشر سِنِين فَبنى فِيهَا هَذِه الْأَمْكِنَة وَفِي الْقسم الأول زِيَادَة إِيضَاح على هَذَا

ورتب النَّاصِر لهَذِهِ الْمدرسَة مرتبات ودرس بهَا كَمَال الدّين بن الشريشي مَعَ تَوليته مشيخة الرِّبَاط اكثر من خمس عشرَة سنة

ثمَّ درس بهَا وَلَده الْعَلامَة مُحَمَّد ولد سنة أَربع أَو خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة ثمَّ اشْتغل بالطب وَسمع من الحافظين الْعِرَاقِيّ والهيثمي وَغَيرهمَا واشتغل فِي صباه وتفنن فِي الْعُلُوم واشتهر بالفضيلة وَكَانَ حسن المناظرة دمث الْأَخْلَاق درس بعدة مدارس وَأفْتى وَتَوَلَّى الْقَضَاء مرَارًا وَاخْتصرَ الرَّوْضَة وَشرح الْمِنْهَاج فيأربعة أَجزَاء لخصه من شرح الرَّافِعِيّ الصَّغِير وَله زَوَائِد الْحَاوِي على الْمِنْهَاج الفرعي وَله خطب ونظم توفّي سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ درس بعده حسام الدّين الغوتي ثمَّ شرف الدّين الْفَزارِيّ ثمَّ نجم الدّين بن قوام ثمَّ وَلَده نور الدّين

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.