من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
دَار الْقُرْآن والْحَدِيث التنكزية
هِيَ شَرْقي حمام نور الدّين الشَّهِيد تجاه دَار الذَّهَب وَرَاء سوق البزوريين الْمَعْرُوف قَدِيما بسوق الْقَمْح
قَالَ ابْن كثير وَكَانَت هَذِه الدَّار حَماما يعرف بحمام سُوَيْد فهدمه نَائِب السلطنة تنكز الملكي الناصري وَجعله دَار قُرْآن وَحَدِيث فَجَاءَت فِي غَايَة من الْحسن ورتب فِيهَا الطّلبَة والمشائخ وَقَالَ أَيْضا وَفِي سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة توجه نَائِب السلطنة سيف الدّين تنكز إِلَى الديار المصرية لزيارة السُّلْطَان فَأكْرمه واحترمه وَاشْترى لَهُ فِي سَفَره هَذَا دَار الْفُلُوس الَّتِي هِيَ بِالْقربِ من البزوريين والمدرسة الجوزية وَهِي شرقيهما فعمر هَذِه الدَّار دَارا هائلة لَيْسَ فِي دمشق دَار احسن مِنْهَا وسماها دَار الذَّهَب وَمر بالقدس حِين رُجُوعه من مصر فَأمر بِبِنَاء دَار حَدِيث فِيهِ وخانقاه ثمَّ لما أَتَى إِلَى الشَّام نقل حواصله وأمواله من دَار الذَّهَب الَّتِي كَانَت دَاخل بَاب الفراديس إِلَى دَاره هَذِه قَالَ النعيمي فِي كِتَابه تَنْبِيه الطَّالِب رَأَيْت فِي قَائِمَة قديمَة تَتَضَمَّن سرد أوقاف دَار الحَدِيث هَذِه فَكَانَ فِيهَا مَا صورته
فِي سوق القشاشين ثَمَانِيَة عشر حانوتا فِي خَارجه وَفِي دَاخله تِسْعَة عشر حانوتا وبحارة الْقصر طبقتان واصطبل وبستان يعرف ببستان البندر وَبهَا مشيخة للإقراء باسم الْبُرْهَان الاربدي ومصرفها مشيخة الْقُرْآن والإمامة مائَة وَعِشْرُونَ درهما وَثَلَاث مشيخات للْحَدِيث لكل وَاحِد مِنْهَا خَمْسَة عشر درهما فِي الشَّهْر وللمشتغلين بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم وهم اثْنَا عشر لكل وَاحِد مِنْهُم سَبْعَة وَنصف فِي الشَّهْر وللمعاونين وهم خَمْسَة لكل وَاحِد مِنْهُم سَبْعَة وَنصف فِي الشَّهْر أَيْضا ولكاتب الْغَيْبَة عشرَة
وللمؤذن والبواب والقوام أَرْبَعُونَ ولصحابة الدِّيوَان أَرْبَعُونَ وللمشارف مثلهَا وللعامل ثَلَاثُونَ وللجابي خَمْسُونَ وَلمن يُشَاهد عمَارَة الْوَقْف خَمْسَة وَعِشْرُونَ ومشهد الْعِمَارَة كَذَلِك وللمعمارية خَمْسَة عشر ولنيابة النّظر أَرْبَعُونَ وللناظر مائَة هَذَا كُله فِي الشَّهْر
أَقُول سوق البزوريين يعرف الْآن بسوق البزورية وَقد كَانَ على شكل قديم فعمر فِيمَا بعد التسعين وَمِائَتَيْنِ وَألف على نمط جَدِيد ووسع وحمام نور الدّين مَوْجُود إِلَى الْآن يُقَال لَهُ حمام البزورية والمدرسة الجوزية هِيَ الْآن محكمَة البزورية وَقد أخليت الْآن من الحكم وَصَارَت دَار قُرْآن وَتَعْلِيم خطّ وحساب وَدَار الذَّهَب بَاقِيَة إِلَى الْآن وَهِي بيد بني الْعظم وَهِي مَعْدُودَة من الْآثَار الْقَدِيمَة ومشهورة يَأْتِي السائحون من الفرنجة لرؤية مبانيها فيتعجبون مِنْهَا وَمن سعتها وجودة انتظامها
وَأما الْمدرسَة فَلم تزل بَاقِيَة إِلَى الْآن وَهِي شَرْقي اقميم حمام البزورية فِي الزقاق المنحدر إِلَى الشرق وبابها على هندسة لَطِيفَة ومحفور فِي البلاطة الَّتِي هِيَ أَعْلَاهُ مَا صورته
انشأ هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة وأوقفها على الْقُرَّاء المشتغلين بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم وَالْفُقَهَاء المسمعين للْحَدِيث النَّبَوِيّ الْملك الْأَشْرَف السيفي التنكزي النظري كافل الممالك الشَّرِيفَة بِالشَّام المحروسة وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بَاشرهُ العَبْد الْفَقِير أيدمر الْعَيْنِيّ وجدرانها الْأَرْبَع بَاقِيَة مَعَ بعض أبنيتها الْأَصْلِيَّة وَلَقَد تناولتها قَدِيما أَيدي النظار فَفَعَلُوا بهَا كَمَا فعلوا بغَيْرهَا إِلَى أَن وصلت إِلَى يَد نَاظر لَهُ نصف النّظر ولأخته النّصْف الآخر فَجَعَلَاهَا دَارا للسُّكْنَى ثمَّ هما بِأَن يهدما الْبَاب لتتغير هيئتها فَألْقى الله تَعَالَى الْخلاف بَينهمَا والمشاجرة فِي أمرهَا فَفطن لذَلِك بَنو الْخَطِيب ففتحوا بَابهَا للصَّلَاة وَعلم النَّاس بِأَنَّهَا مدرسة ثمَّ تولى نظرها الْقَارئ المتقن الشَّيْخ مُحَمَّد الْحلْوانِي فَحسن بعض أبنيتها الداخلية وأعانه على ذَلِك بعض أهل الْخَيْر وَجعلهَا مكتبا لقِرَاءَة الْقُرْآن فَعَاد إِلَيْهَا شَيْء من رونقها ثمَّ أَخذهَا مِنْهُ فِي هَذِه السنين الْفَاضِل الشَّيْخ كَامِل القصاب فَبنى بهَا أبنية علوِيَّة وسفلية ورممها وَجعلهَا مكتبا لقِرَاءَة الْقُرْآن ومبادئ الْعُلُوم والفنون فازداد رونقها وَظَهَرت بهجتها وَهِي على تِلْكَ الْحَال فِي زمننا هَذَا وَأما أوقافها فَلم تُوجد إِلَّا فِي الْقَرَاطِيس
تَرْجَمَة واقفها فِي الْقسم الأول من هَذَا الْكتاب بَيَان لأحوال واقفها وَلَكِن من الْجِهَة السياسية ولنذكر هُنَا تَرْجَمته الأدبية فَنَقُول
قَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي تَارِيخه الْأَمِير الْكَبِير المهيب سيف الدّين أَبُو سعيد تنكز نَائِب السلطنة بِالشَّام جلب إِلَى مصر وَهُوَ حدث فَنَشَأَ بهَا وَكَانَ ابيض اللَّوْن إِلَى السمرَة رَشِيق الْقد مليح اشعر خَفِيف اللِّحْيَة قَلِيل الشيب حسن الشكل ظريفه جلبه الخواجا عَلَاء الدّين السيواسي فَاشْتَرَاهُ الْأَمِير حسام الدّين لاجين وَاسْتمرّ عِنْده إِلَى أَن قتل فَصَارَ إِلَى خاصكية السُّلْطَان وَشهد مَعَه وَاقعَة الخازندرا ثمَّ وَاقعَة شقحب قَالَ الصَّفَدِي واخبرني القَاضِي شهَاب الدّين القيسراني أَن تنكز قَالَ لَهُ يَوْمًا أَنا والأمير سيف الدّين طغيال من مماليك ألاشرف ثمَّ إِن تنكز سمع الصَّحِيحَيْنِ وَكتاب الْآثَار وَأمره الْملك النَّاصِر إمرة عشرَة قبل توجهه إِلَى الكرك وَكَانَ قد سلم اقطاعه إِلَى الْأَمِير صارم الدّين صاروجا المظفري فَكَانَ آغا لَهُ وَلما توجه إِلَى الكرك كَانَ فِي خدمَة الْملك النَّاصِر وجهزه مرّة إِلَى ألافرم فِي دمشق فاتهمه بِأَن مَعَه كتابا إِلَى أُمَرَاء الشَّام فَحصل لَهُ مِنْهُ مَخَافَة شَدِيدَة وفتش وعاقبة الاحرام فَلَمَّا عَاد إِلَى النَّاصِر عرفه بذلك فَقَالَ لَهُ أَن عدت إِلَى الْملك فَأَنت نَائِب دمشق فَلَمَّا حضر من الكرك جعل الْأَمِير سيف الدّين أرغون الدوادار نَائِب السُّلْطَان بِمصْر بعد إِحْضَار الجوكندار الْكَبِير وَقَالَ لتنكز ولسودي احضرا كل يَوْم عِنْد أرغون وتعلما مِنْهُ النِّيَابَة وَالْأَحْكَام فلازماه سنة فَلَمَّا مهْرا جهز سيف الدّين سودي إِلَى حلب نَائِبا وَجعل تنكز نَائِبا فِي دمشق فَحَضَرَ إِلَيْهَا على الْبَرِيد هُوَ والحاج سيف الدّين سودي وأرقطاي والأمير حسام الدّين طومطاي والشبهقدار وَكَانَ وصولهم إِلَى دمشق فِي ريبع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَسَبْعمائة فَتمكن تنكز من النِّيَابَة وَسَار إِلَى ملطية فافتتحها وَعظم شَأْنه وهابه الْأُمَرَاء بِدِمَشْق وَأمن الرعايا وَلم يكن أحد من الْأُمَرَاء وَلَا من أَرْبَاب الجاه يقدر على ظلم ذمِّي أَو غَيره خوفًا من بطشه وَشدَّة إِيقَاعه وَلم يزل فِي الارتقاء وعلو الدرجَة وأملاكه تتضاعف وتزيد انعاماته وعوائده من الْخَيل والقماش والطيور والجوارح حَتَّى
كتب لَهُ اعز الله أنصار الْمقر الْكَرِيم العالي الأميري وَفِي الألقاب الاتابك القائدي وَفِي النعوت معز الْإِسْلَام سيد الْأُمَرَاء فِي الْعَالمين
قَالَ الصَّفَدِي وَهَذَا لم تعهد كِتَابَته من سُلْطَان لنائب وَلَا لغير نَائِب على اخْتِلَاف الْوَظَائِف والمناصب
وَكَانَ السُّلْطَان لَا يفعل شَيْئا فِي الْغَالِب حَتَّى يستشيره وَلَقَد عقد شَيْئا مَا سمعناه من غَيره وَهُوَ انه كَانَ لَهُ كَاتب لَيْسَ لَهُ شغل وَلَا عمل غير مَا يدْخل خزائنه من الْأَمْوَال وَمَا يسْتَقرّ لَهُ ثمَّ إِذا حَال الْحول عمل أوراقا بِمَا يجب صرفه من الزَّكَاة فَإِذا قدم لَهُ كَاتبه الأوراق أَمر بِصَرْف مَا بهَا إِلَى ذِي الِاسْتِحْقَاق فَكَانَ هَذَا الْكَاتِب كَاتبا وناظرا على الزَّكَاة فَقَط وازدادت أَمْوَاله وأملاكه وَعمر الْجَامِع الْمَعْرُوف بِهِ بحكر السماق وانشأ إِلَى جَانِبه تربة وحماما وَعمر تربة إِلَى جَانب الخواصين لزوجته وَعمر دَار الْقُرْآن والْحَدِيث إِلَى جَانب دَاره دَار الذَّهَب وانشأ بالقدس رِبَاطًا وَعمر سور الْقُدس وسَاق إِلَيْهَا المَاء وادخله إِلَى الْحرم وَعمر على بَابه سِقَايَة وَعمر بهَا حمامين وقاسارية مليحة إِلَى الْغَايَة وَعمر بصفد البيمارستان الْمَعْرُوف بِهِ وخانا وَغَيرهمَا وَله بجلجولية خَان السَّبِيل وَيُقَال لَهُ خَان الْمنية وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن وَعمر فِي الكافوري من الْقَاهِرَة دَارا عَظِيمَة وحماما وحوانيت وَغير ذَلِك وجدد القنوات بِدِمَشْق وَكَانَ مَاؤُهَا قد تغير وجدد أبنية الْمَسَاجِد والمدارس ووسع الطرقات بهَا واعتنى بأمرها وَله فِي سَائِر الشَّام آثَار وأملاك وعمائر انْتهى وَقد بسط الصَّفَدِي تَرْجَمته فِي نصف كراس وَهَذَا ملخصها
ثمَّ إِن السُّلْطَان غضب عَلَيْهِ وجهز للقبض عَلَيْهِ جمَاعَة فاستسلم فَأخذ سَيْفه وَقيد خلف مَسْجِد الْقدَم وجهز إِلَى السُّلْطَان فِي ذِي الْحجَّة سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وتأسف أهل دمشق عَلَيْهِ واحتيط على حواصله فَلَمَّا وصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة حبس بهَا دون الشَّهْر ثمَّ قضى الله فِيهِ أمره وَصلى عَلَيْهِ أهل الْإسْكَنْدَريَّة وَكَانَ قَبره يزار ويدعى عِنْده وَلما كَانَ فِي أَوَاخِر رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة حضر تابوته من الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى دمشق وَدفن فِي تربة جوَار الْجَامِع الْمَعْرُوف بإنشائه ورثاه الصّلاح الصَّفَدِي بقصيدة طَوِيلَة
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع