من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة الأمينية
تَعْرِيفهَا الْقَدِيم كَمَا فِي تَنْبِيه الطَّالِب وَغَيره أَنَّهَا قبل بَاب الزِّيَادَة من أَبْوَاب الْجَامِع الْأمَوِي الْمُسَمّى قَدِيما بِبَاب السَّاعَات لِأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَكَان للساعات يعلم مِنْهَا كل سَاعَة تمْضِي من النَّهَار وَعَلَيْهَا عصافير من نُحَاس وحية من نُحَاس وغراب من نُحَاس فَإِذا تمت السَّاعَة خرجت الْحَيَّة وصوتت العصافير وَصَاح الْغُرَاب وَسَقَطت حَصَاة كَذَا ذكره القَاضِي ابْن زير فِي تَارِيخه وَهِي شَرْقي المجاهدية جوَار قاسارية القواسين وتعرف هَذِه الْمحلة قَدِيما بحارة الْعقَاب وَكَانَت هُنَاكَ دَار مسلمة بن عبد الْملك وَكَانَت هَذِه الْمدرسَة من سوق السِّلَاح وَقيل أَنَّهَا أول مدرسة بنيت للشَّافِعِيَّة وَقد أوقفها أَمِين الدولة كَمَا سَيَأْتِي
قَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي تَارِيخه وقف أَمِين الدولة هَذِه الْمدرسَة سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة ووقف عَلَيْهَا غَالب مَا حولهَا من سوق السِّلَاح وقيسارية القواسين وَقد اخبرني بعض شيوخي أَنَّهَا كَانَت تسمى حق الذَّهَب لِكَثْرَة أوقافها وَلها حِصَّة ببستان الخشاب بكفرثوثا وَغير ذَلِك وَقد درس بهَا جمَاعَة من كبار الأفاضل يَتْلُو بَعضهم بَعْضًا لَا فَائِدَة من ذكرهم سوى الإطلاع على الْأَسْمَاء وَقد تلكم ألاسدي عَن الأمينية فِي كراس وَكتب على ظَهره مَا صورته وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة نظر الْعَلَاء ابْن الزملكاني فِي كتاب وقف الأمينية فَزعم أَن القارساية الَّتِي إِلَى جَانب الْمدرسَة لَا يحل اكراؤها وَيجب أَن يسكنهَا الْفُقَرَاء بِغَيْر أُجْرَة فَأبْطل جملَة من الْكِرَاء كل شهر ثمَّ اقْتضى رَأْيه وَنَظره أَن الدَّرْس يذكر كل يَوْم حَتَّى يَوْم الثُّلَاثَاء وَالْجُمُعَة وَذكر الدَّرْس بعد الْعِيد بِثَلَاثَة أَيَّام وَاسْتمرّ الدَّرْس يَوْم الْجُمُعَة وَالثُّلَاثَاء انْتهى
وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ لهَذِهِ الْمدرسَة شَأْن كَبِير بَين الْمدَارِس ثمَّ أَن الْأَيَّام كرت عَلَيْهَا
فاغتصبت أوقافها وَأعْطيت لغَيْرهَا ثمَّ اغتصب النَّاس أَكْثَرهَا وتغيرت رسومها وَجعل بَابهَا من الْجِهَة الشمالية ثمَّ قيض الله لَهَا بعض مؤدبي الْأَوْلَاد فأنفق عَلَيْهَا جانبا ورممها واصلح مَا بَقِي مِنْهَا وجدد بركَة مَائِهَا واتخذها مكتبا للتعليم وَهِي الْآن على مَا ذكرنَا ومحلها فِي الْجَانِب القبلي من سوق الْحَرِير وتفصيله أَن الْخَارِج من بَاب الزِّيَادَة وَهُوَ بَاب الْجَامِع القبلي إِذا توجه جِهَة الْجنُوب يرى عِنْد أول سوق السِّلَاح سوقا عَن يَمِينه تسير إِلَى الغرب فَهَذَا هُوَ الْمُسَمّى بسوق الْحَرِير والأمينية هُنَاكَ مَعْرُوفَة مَشْهُورَة وَالله اعْلَم بِمَا تصير إِلَيْهِ أحوالها فِيمَا بعد
تَرْجَمَة واقفها بناها أتابك العساكر بِدِمَشْق وَكَانَ يُقَال لَهُ أَمِين الدولة كستكين بن عبد الله الطغتك وَكَانَ نَائِبا على قلعتي بصرى وصرخد ولاه عَلَيْهَا الأتابك طغتكين وَكَانَ أَمِيرا جَلِيلًا كَبِير الْحُرْمَة توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة قَالَه الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع