من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة الأَسدِية
حدث النعيمي وَغَيره أَنَّهَا بالشرف القبلي ظَاهر دمشق مطلة على الميدان الْأَخْضَر يَعْنِي المرجة الخضراء وَهِي على الطَّائِفَتَيْنِ الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة انْتهى
وَقد عفت الْيَوْم أطلالها وانمحت رسومها وآثارها وَذَهَبت أحاديثها إِلَّا من القرطاس فسبحان الْبَاقِي
وَقَالَ العلموي فِي مُخْتَصر تَنْبِيه الطَّالِب قلت يحْتَمل أَنَّهَا المركبة على بانياس الْمَعْرُوفَة بالقرمانية وَالْعجب أَن شيركوه لَهُ أسديتان برانية وجوانية وأناس كَثِيرُونَ ينتسبون إِلَيْهِ وَلَا تعرف هَذِه الْمدرسَة وَالْوَقْف عَلَيْهَا قَرْيَة بَرزَة وَضمير وَلَا يعرف من ذَلِك إِلَّا ثَلَاثَة قراريط من بَرزَة هِيَ وقف على الأَسدِية الجوانية بِدِمَشْق وَثَمَانِية قراريط من ضمير هِيَ وقف على الأَسدِية الجوانية بحلب فَليعلم ذَلِك قَالَ وَأما الذُّرِّيَّة فابتلوا بالقلة لعدم رجوعهم إِلَى الْحق فِي شرطهم الأول انْتهى
وأيا مَا كَانَ فقد اندرست هَذِه الْمدرسَة واندرس وَقفهَا وَمِمَّنْ درس بهَا أَيَّام عزها الْعِزّ الْقرشِي أَبُو الْخطاب والركن البَجلِيّ وَصَلَاح الدّين العلاني وَشرف الدّين الاذرعي وَغَيرهم
تَرْجَمَة واقفها بناها شيركوه بن شادي بن مَرْوَان الملقب بأسد الدّين سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ بطلا شَدِيد الْبَأْس لَهُ صيت بعيد وَيضْرب الْمثل بشجاعته وَنَشَأ بدوين من أَطْرَاف أذربيجان وبتكريت وَكَانَ أَبوهُ مُتَوَلِّي قلعتها وَأسد الدّين هَذَا من أُمَرَاء نور الدّين وَكَانَ قد سيره إِلَى مصر عونا لشاور السَّعْدِيّ فَلم يقف شاور لَهُ فَعَاد مِنْهَا إِلَى دمشق وَفِي نِيَّته اخذ مصر ثمَّ رَجَعَ فَكسر عسكرها وعسكر الإفرنج وَتَوَلَّى وزارتها وَكَانَت الإفرنج تهابه وتخافه واقطعه نور الدّين الرحبة وحمص فَوق مَاله من الإقطاع
وَقَالَ ابْن شَدَّاد فِي سيرة صَلَاح الدّين كَانَ أَسد الدّين شيركوه كثير الْأكل شَدِيد الْمُوَاظبَة على تنَاول اللحوم الغليظة تتواتر عَلَيْهِ التخم والخوانيق وينجو مِنْهَا بعد مقاساة شَدِيدَة عَظِيمَة فَأَخذه مرض شَدِيد واعتراه خانوق فَقتله سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَدفن بِمصْر ثمَّ نقل إِلَى الْمَدِينَة المنورة وَسَتَأْتِي زِيَادَة على هَذَا الْقسم السياسي من هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع