تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

الْمدرسَة الرواحية

هِيَ شَرْقي مَسْجِد ابْن عُرْوَة الَّذِي هُوَ بالجامع الْأمَوِي ولصيقه شمَالي جيرون وَغَرْبِيٌّ الدويلعية وقبلي السيفية الحنبلية أَقُول شاهدت مَوضِع هَذِه الْمدرسَة فرايتها قد صَارَت دَارا

قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ إِن وَاقِف الرواحية اشْترط على من يُقيم بهَا من الْفُقَهَاء والمدرسين شُرُوطًا صعبة لَا يُمكن الْقيام بِبَعْضِهَا وَلم يبين الذَّهَبِيّ تِلْكَ الشُّرُوط ثمَّ قَالَ وَشرط إِن لَا يدْخل مدرسته يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ وَلَا حنبلي حشوي انْتهى فاشتراطه عدم دُخُول الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِلَى مدرسته عِلّة مفهومة وَأما اشْتِرَاطه عدم دُخُول حنبلي حشوي فَلَيْسَ بِمَفْهُوم لَان الْحَنَابِلَة لَا يتصفون بِهَذِهِ الصّفة وَهَذَا من التعصب النَّاشِئ عَن الْجَهْل وَالسَّعْي فِي تَفْرِيق اجْتِمَاع هَذِه الْأمة المحمدية وَيُمكن أَن يكون أَرَادَ بالحشوية الَّذين يقرؤون آيَات الصِّفَات وَيَقُولُونَ نمرها كَمَا جَاءَت وَنكل تَفْسِيرهَا إِلَى الله تَعَالَى من غير تَأْوِيل وَلَا تَشْبِيه وَلَا تَعْطِيل فالاستواء فِي قَوْله

تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ آيَة / اسْتِوَاء يَلِيق بِذَاتِهِ تَعَالَى لَا نعلم حَقِيقَته لانا إِذا فسرناه بقولنَا استولى نَكُون أَخْطَأنَا لَان من استولى على شَيْء لابد وان يكون خَارِجا عَن يَده قبل استيلائه عَلَيْهِ كَمَا يُشِير إِلَيْهِ قَول الشَّاعِر

قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاقمن غير سيف أَو دم مهراق
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

وَمَعْنَاهُ أَن بشرا استولى على الْعرَاق واستخلصها من يَد غَيره بِدُونِ سل سيف أَو إِرَاقَة دم وَتَعَالَى الله عَن إِن يكون استولى على ملكه بِهَذِهِ الصّفة وَمثله يُقَال فِي السَّمِيع والبصير وأشباههما إِن الله اثْبتْ لنَفسِهِ صفة السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام واخبرنا فِي كِتَابه الْعَزِيز بِأَنَّهُ متصف بذلك ولكننا لَا نعلم حَقِيقَة تِلْكَ الصِّفَات وَلَيْسَ يجب علينا إِلَّا أَن نؤمن بهَا ونترك علمهَا إِلَى المتصف بهَا

أَنْت إِذا شاركت جَمِيع عُلَمَاء التشريح فِي الْبَحْث عَن حَقِيقَة السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام فِي الْمَخْلُوق تعرف كَيفَ تركبت أَعْضَاء هَذِه الْحَواس وَمَا يطْرَأ عَلَيْهَا من الْعِلَل وَلَكِنَّك لَا تعلم حَقِيقَتهَا وَلَو أفنيت الأعوام وشاركك أهل البسيطة فَكيف تعلم حَقِيقَة صِفَات من يجل عَن التَّشْبِيه والمثال

اخْتلف أساطين الْعلمَاء من قبلك فِي صفة الْكَلَام فَقَالَ قوم أَن الْكَلَام لَا يكون إِلَّا من لِسَان وفم ومخارج فنفوا الْكَلَام اللَّفْظِيّ واثبتوا الْكَلَام النَّفْسِيّ هربا من إِثْبَات مَا هُوَ من صِفَات المخلوقين فورد عَلَيْهِم أَن الْكَلَام النَّفْسِيّ يحْتَاج إِلَى أَعْضَاء يقوم بهَا وَتَكون محلا لتصوراته فَلم يفدهم الْهَرَب شَيْئا وَقَالَ قوم أَن الله لما كلم مُوسَى ﵇ خلق كَلَامه فِي الشَّجَرَة فَهِيَ الَّتِي خاطبته وكلمته وَهَؤُلَاء لم يفهموا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ آيَة / فأكد كلامهبالمصدر فصاحوا بمقالتهم علنا مكذبين الله تَعَالَى وَذهب قوم إِلَى أَن الله يتَكَلَّم بلسانذ تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَالْقُرْآن الْعَظِيم يكذبهم ثمَّ لما طَال الْأَمر أذن الله بتكذيبهم حسا لَعَلَّهُم يتدبرون آيَاته فأظهر على يَد رجل إفرنجي الْآلَة المتكلمة الْمُسَمَّاة بالإفرنجية بالفونغراف وَجعلهَا تَتَكَلَّم بِدُونِ لِسَان وَلَا جوارح أَفلا يكون الْخَالِق متكلما على صفة لَا نعلم حَقِيقَتهَا وَلَا ندر مَا صفتهَا قل لأولئك المشاغبين بينوا لنا فلسفة الفونغراف وَكَيف أَن الْأَصْوَات التصقت بذلك الشَّيْء الشبيه بالورق ثمَّ أُعِيدَت كَمَا هِيَ ثمَّ تكلمُوا بعد بِبَيَان حَقِيقَة صِفَات الْخَالِق أَن قدرتم والا فَارْجِعُوا إِلَى أَنفسكُم وصرحوا بِالْعَجزِ عَن إِدْرَاك أسرار الربوبية واتركوا الْعلم بذلك للعليم الْخَبِير مهما فكر العَبْد فِي آيَات الصِّفَات لَا يقدر إِلَّا أَن يَقُول

اثْبتْ الله هَذِه الصِّفَات لنَفسِهِ فنؤمن بهَا وَنكل علمهَا للمتصف بهَا وان خَاضَ فِي تَأْوِيلهَا وتفسيرها على مُقْتَضى عقله ضل فِي بيداء الْحيرَة ونادى الْقُرْآن الْعَظِيم بخطئه على رُؤُوس الأشهاد وفقنا الله للحق وأبعدنا عَن الزيغ والتعصب بفضله وَكَرمه وَيرْحَم الله الْقَائِل

جَاءَت أَحَادِيث إِن صحت فان لَهَاشَأْنًا وَلَكِن فِيهَا ضعف إِسْنَاد
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «جاءت أحاديث إن صحت فإن لها»
فَشَاور الْعقل واترك غَيره هدرافالعقل خير مشير ضمه النادي
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «جاءت أحاديث إن صحت فإن لها»

وَقَالَ أَيْضا

الله صورني وَلست بعالملم ذَاك سُبْحَانَ الْقَدِير الْوَاحِد
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «الله صورني ولست بعالم»
فلتشهد السَّاعَات والأنفاس ليأَنِّي بَرِئت من الغوي الجاحد
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «الله صورني ولست بعالم»

تَرْجَمَة واقفها أَنْشَأَهَا زكي الدّين أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الْمَعْرُوف بِابْن رَوَاحَة اشْتهر بذلك لِأَنَّهُ ينْسب إِلَى أبي عبد الله الْحُسَيْن بن عبد الله بن رَوَاحَة من جِهَة أمه

قَالَ ابْن كثير كَانَ المترجم تَاجِرًا صَاحب ثروة وَكَانَ فِي نِهَايَة الطول وَالْعرض وَقد ابتنى الْمدرسَة الرواحية دَاخل بَاب الفراديس وأوقفها على الشَّافِعِيَّة وفوض تدريسها ونظرها إِلَى الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن الصّلاح السهروردي وَله بحلب مدرسة أُخْرَى مثلهَا وَقد انْقَطع آخر عمره فِي مدرسته بِدِمَشْق وَكَانَ يسكن فِي إيوانها من الْجِهَة الشرقية وَرغب فِيمَا بعد أَن يدْفن فِيهِ إِذا مَاتَ فَلم يُمكن من ذَلِك بل دفن فِي مَقَابِر الصُّوفِيَّة وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة

قَالَ العلموي أول من درس بِهَذِهِ الْمدرسَة شرف الدّين ابْن أبي بكر الْقرشِي وَبعد مَوته شهد مُحي الدّين مُحَمَّد بن عَرَبِيّ الطَّائِي وتقي الدّين بن عَليّ النَّحْوِيّ الْمصْرِيّ على ابْن رَوَاحَة بانيها بِأَنَّهُ عزل ابْن الصّلاح عَن هَذِه الْمدرسَة فجرت خطوب طَوِيلَة وَلم يَنْتَظِم مَا أرادوه ذكره أَبُو شامة ثمَّ بعد الْمدرس الْقرشِي درس بهَا نَحْو سَبْعَة وَعشْرين مدرسا إِلَى ابْن نوح الْمَقْدِسِي وَكَانَ دَاخِلا فِي الدولة وَفِي وكَالَة بَيت المَال وَنظر الْأَوْقَاف فظلم وتعدى طوره فاعتقل بالعذراوية فَوجدَ بهَا مشنوقا بعد أَن صودر وَضرب بالمقارع وَكَانَ السامري أوذي بِهِ كثيرا فَذهب إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْحَبْس

وتمازحا وَلَكِن تعرض بالتشفي كثيرا فَبعد خُرُوجه وضع أبياتا مِنْهَا

ورد البشير بِمَا اقر ألاعينافشفى الصُّدُور وَبلغ النَّاس المنا
فاستبشروا وتزايدت أفراحهمفَالْكل مشتركون فِي هَذَا الهنا
وَتقدم الْأَمر الشريف بِأخذ مَانهب الخؤون من الْبِلَاد وَمَا اقتنا
يَا سيد الْأُمَرَاء يَا شمس الْهدىيَا مَا ضي العزمات يَا رحب الفنا
عجل بِذبح الْمَقْدِسِي وسلخهواحقن دَمًا الْإِسْلَام من ولد الزِّنَا
وَاغْلُظْ عَلَيْهِ وَلَا ترق فَكلمايلقى بِمَا كسبت يَدَاهُ وَمَا جنا
فلكم يَتِيم مدقع ويتيمةمن جوره باتوا على فرش الضنا
وَلكم غَنِي ظلّ فِي أَيَّامهمسترفدا للنَّاس من بعد الْغنى
إِن أنكر اللص اللَّئِيم فعالهبِالْمُسْلِمين فَأول الْقَتْلَى أَنا

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.