تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

الْمدرسَة الخاتونية البرانية

رَأَيْت فِي كتاب نزهة الْأَنَام فِي محَاسِن الشَّام لِابْنِ المزلق مَا نَصه الْمدرسَة الخاتونية هِيَ من أَعَاجِيب الدَّهْر يمر بصحنها بانياس ونهر القنوات على بَابهَا وَلها شبابيك تطل على المرجة وَبهَا من أَلْوَاح الرخام مَا لم يسمح الزَّمَان بِمِثْلِهَا وَبهَا عدَّة خلاوى للطلبة وبجوارها دَار الْأَمِير الْأَصِيل ابْن منجك وَهَذِه الْمحلة من محَاسِن دمشق انْتهى

ثمَّ انْقَضتْ تِلْكَ السنون وَأَهْلهَافَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم أَحْلَام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

وَمِنْه يعلم أَن تِلْكَ الْجِهَات كَانَت آهلة معمورة وَقد كَانَت هَذِه الْمدرسَة وَالْمَسْجِد بهَا على الشّرف القبلي عِنْد مَكَان يُسمى صنعاء الشَّام المطل على وَادي الشقراء وَهُوَ مَشْهُور بِدِمَشْق

وَقَالَ ابْن كثير وَيعرف ذَلِك الْمَكَان الَّذِي هِيَ فِيهِ بتل الثعالب

وَقَالَ الصَّفَدِي هَذِه الْمدرسَة من كبار مدارس الْحَنَفِيَّة وأجودها مَعْلُوما وَهِي بِأَعْلَى الشّرف القبلي اهـ

أَقُول صنعا كَانَت قَرْيَة بالشرف القبلي فاختفى الْيَوْم أَثَرهَا وَلَقَد اخبرني بَعضهم أَن بعض الْأَغْنِيَاء فِي زمننا لما بنى أبنيته الَّتِي على طَرِيق المزة ظفر بحمام تِلْكَ الْقرْيَة تَحت الرَّدْم وظفر بآثار أبنيتها وحجارتها والأبينة ظلّ زائل وَأما الشقراء فَهِيَ من متنزهات دمشق البديعة وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي محلهَا

ونقول الْآن إِن جَوَانِب المرجة الفيحاء تسمى بالشرفين وَقد قَالَ فِي نزهة الْأَنَام وكل شرف للبلد فِيهِ عدَّة من الْمدَارِس والمساجد وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا من الْأَوْقَاف مَا يَكْفِيهِ وَقد استولت عَلَيْهَا أَيدي المتشبهين بالفقهاء فأظهروا فِيهَا أَنْوَاع الْمَفَاسِد وكلا الشرفين يطلّ على الشقراء والميدان وَالْقصر الأبلق والمرجة ذَات الْعُيُون والغدران وَمَا ألطف مَا قَالَه ابْن الشَّهِيد

لم يحك جلق فِي المحاسن بَلْدَةقَول صَحِيح مَا بِهِ بهتان
وَلَئِن غَدَوْت مسابقا فِي غَيرهَاهَا بَيْننَا الشقراء والميدان

وَمن تَحْرِير القيراطي

سر بِي إِلَى الشقراء من جلقواثن إِلَى الخضراء مِنْك الْعَنَان
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
فِيهَا جنان لَو رأى حسنهاأَبُو نواس للهى عَن جنان
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
وَانْزِلْ بواديها الَّذِي نشرهمسك وحصبا النَّهر مِنْهُ جمان

قَالَ العلموي قلت هَذِه الخاتونية هِيَ شمَالي نهر بانياس مطلة على الميدان الْأَخْضَر وَكَانَت قبلا بمئذنة وبئر وَرَأَيْت ذَلِك إِلَى آخر وَقت الجراكسة وأوائل الدولة العثمانية وَأول من خربها وَأخذ رخامها وَمن جملَته رُخَام المحاريب سيباي وَوضع ذَلِك بمدرسته الكائنة بِبَاب الْجَابِيَة الملقبة بِجمع الْجَوَامِع ودرس بهَا أَبُو الْحسن الْبَلْخِي ثمَّ سبع مدرسين مِنْهُم الْجلَال عمر الخجندي كَانَ فَقِيها زاهدا بارعا عَاقِلا عَارِفًا بِالْمذهبِ صنف فِي الْفِقْه والأصلين ودرس بالعزية بالشرف الشمالي ثمَّ جاور بِمَكَّة سنة ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق فدرس بِهَذِهِ الخاتونية إِلَى أَن توفّي فِي آخر ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة عَن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة وَدفن بالصوفية ثمَّ درس بهَا الشَّمْس الحريري ثمَّ البصروي ثمَّ ابْن قَاضِي ملطية ثمَّ ابْن فويرة ثمَّ الْآدَمِيّ انْتهى كَلَامه

تَرْجَمَة الواقفة أوقفتها السِّت خاتون أم شمس الْمُلُوك أُخْت الْملك دقاق كَمَا قَالَه ابْن شَدَّاد

قَالَ فِي العبر سَمِعت الحَدِيث من أبي الْحسن عَليّ بن قيس واستنسخت الْكتب وحفظت الْقُرْآن وَبنت الْمدرسَة الخاتونية بِصَنْعَاء دمشق وجاورت بِالْمَدِينَةِ المنورة فَمَاتَتْ بهَا ودفنت بِالبَقِيعِ انْتهى

وَقَالَ العلموي هِيَ زمرد خاتون زَوْجَة تَاج الْمُلُوك نوري ثمَّ ذكر نَحوا مِمَّا تقدم ثمَّ قَالَ تزَوجهَا أتابك زنكي فَبَقيت مَعَه سبع سِنِين ثمَّ حجت وجاورت بِالْمَدِينَةِ وَتوفيت سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَهَذِه غير خاتون بنت معِين الدّين الَّتِي يَأْتِي ذكرهَا فرحمها الله تَعَالَى وَعَفا عَنْهَا

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.