من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة القجماسية
قَالَ فِي التَّنْبِيه هِيَ دَاخل بَاب النَّصْر وَدَار السَّعَادَة انْتهى
أَقُول أما بَاب النَّصْر فقد كَانَ فِي السُّوق الْمَعْرُوف الْآن بسوق الأروان وَيظْهر من الرَّوْضَة الْغناء لنعمان أَفَنْدِي القساطلي أَن الْمُتَأَخِّرين سموا هَذَا الْبَاب بِبَاب السَّرَايَا فانه قَالَ بَاب السَّرَايَا بَقِي كَمَا كَانَ قبلا إِلَى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَألف للتاريخ المسيحي عِنْدَمَا أصلحت الطرقات فِي أَيَّام شرواني باشا فهدم انْتهى
أَقُول وَهَذِه الْمدرسَة بَاقِيَة إِلَى الْآن مَشْهُورَة ومعروفة وَلَيْسَ بهَا من أثر قديم يسْتَحق الذّكر
تَرْجَمَة بانيها أَنْشَأَهَا نَائِب الشَّام يَوْمئِذٍ يَعْنِي واليها قجماس الاسحاقي الجركسي كفل دمشق سبع سِنِين وَثَمَانِية أشهر فعمر هَذِه الْمدرسَة ورتب فِيهَا أَرْبَعِينَ مقرئا بعد عصر كل يَوْم يقْرَأ كل مِنْهُم جُزْءا من الربعة وَجعل لَهُم شَيخا ورتب بهَا أَيْضا مجاورين وَعين لَهُم شَيخا وأوقافا دارة قلت وَقد انقرض كل هَذَا توفّي المترجم سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَدفن بتربته الَّتِي أَنْشَأَهَا بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَة عِنْد بَيته
وترجمه السخاوي فِي الضَّوْء اللامع فَقَالَ مَا ملخصه قجماس الاسحاقي الظَّاهِرِيّ جقمق نَائِب الشَّام نَشأ فِي خدمَة أستاذه وَكتب الْخط الْحسن وَتقدم فِي المناصب وأقامه الظَّاهِر خشقدم خَازِن دَار أركيسي ثمَّ أمره بلباي على عشرَة بعد أَن توجه لنقل الْمَنْصُور إِلَى دمياط للاذن للمؤيد بالركوب فَلَمَّا اسْتَقر الْأَشْرَف قايتباي رقاه وَأَسْكَنَهُ بَيته ثمَّ أرْسلهُ إِلَى الشَّام لما تَركهَا نائبها الشمقدار ودواداره أَبُو بكر ثمَّ اسْتَقر فِي نِيَابَة الْإسْكَنْدَريَّة وأضاف إِلَيْهِ مَوْلَاهُ وَهُوَ بهَا تقدمة ثمَّ نَقله من النِّيَابَة لامرة أخور وتحول إِلَى الديار المصرية وسافر أثْنَاء هَذِه الْمدَّة أَمِيرا على الْحَاج ثمَّ توجه لعمارة برج السُّلْطَان فِي بابل وَعمر لنَفسِهِ جَامعا فِي الْإسْكَنْدَريَّة ظَاهر الْبَاب الْمُسَمّى بِبَاب رشيد وَجعل هُنَاكَ تربة وخانا لأبناء السَّبِيل لِأَن الْمُسَافِرين كَانُوا إِذا وصلوا إِلَى هُنَاكَ بعد الْغُرُوب لَا يقدرُونَ على الْوُصُول للإسكندرية لعدم أَمن الطَّرِيق فَحصل من الخان نفع كَبِير وَجعل بِجَانِب التربة بستانا هائلا وجدد أَيْضا جَامع الصواري ظَاهر بَاب السِّدْرَة وَعمر خَارِجهَا بالجزيرة خَارج بَاب الْبَحْر على شاطئ بَحر السلسلة هَيْئَة رِبَاط وأودع بِهِ أسبلة وَنَحْوهَا وَعمر وَهُوَ أَمِير أخور مدرسة هائلة بِالْقربِ من خوخة أيدغمش وَجعل لَهَا متصدرا وقارئا للْبُخَارِيّ وَبنى تربة أَيْضا وَعمل خيرات كَثِيرَة ثمَّ نقل إِلَى نِيَابَة الشَّام بعد أسر قانصوه اليحياوي فَبنى بجوار بَاب السَّعَادَة دَاخل بَاب النَّصْر مِنْهَا مدرسة وَقرر لَهَا صوفية وَعمل بجانبها مطبخا للدشيشة وسافر لعدة غزوات وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة انْتهى بِحَذْف أَشْيَاء لَا طائل تحتهَا
وَلَا بَأْس بتقييد أَشْيَاء تاريخية هُنَا لتَكون كالشرح لما تقدم وَهِي
إِن الظَّاهِر خشقدم هُوَ الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد الناصري ثمَّ المؤيدي وَهُوَ السُّلْطَان
الأول من الأروام بِمصْر إِن لم يكن الْمعز أيبك التركماني مِنْهُم وَكَانَت مُدَّة سلطنته سِتّ سِنِين وَخَمْسَة أشهر وأياما وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة
وَأما بلباي فَهُوَ الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد بلباي العلائي تولى مصر يَوْم وَفَاة خشقدم فَأَقَامَ سَبْعَة وَخمسين يَوْمًا وخلع وجهز إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَأَقَامَ بهَا حَتَّى مَاتَ
وَأما قايتباي فَهُوَ الْملك الْأَشْرَف أَبُو النَّصْر قايتباي الظَّاهِرِيّ المحمودي نِسْبَة للخواجا مَحْمُود الَّذِي اشْتَرَاهُ وللظاهر جقمق مُعْتقه وَهُوَ السَّادِس عشر من مُلُوك الجراكسة وَالْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ من مُلُوك التّرْك بُويِعَ لَهُ يَوْم خلع الظَّاهِر تمريفا سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة فَأَقَامَ تِسْعَة أشهر وَأَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَتِسْعمِائَة
قَالَ الشرقاوي فِي تَارِيخه تحفة الناظرين كَانَ قايتباي ملكا جَلِيلًا لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْخيرَات وَكَانَت أَيَّامه كالطراز الْمَذْهَب وَهُوَ وَاسِطَة عقد مُلُوك الجراكسة وَسَار فِي المملكة بشهامة مَا سَار بِمِثْلِهَا أحد قبله من عهد النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وَله فِي مصر والعمارات الْكَثِيرَة من مَسَاجِد ومدارس ورباطات وَغَيرهَا وَمن هُنَا تعلم أَن مملكة مصر وَالشَّام كَانَت مِيرَاثا للمماليك يديرونها كَيفَ شَاءُوا إِلَى أَن كَانَت سلطنة بني عُثْمَان فَأخذت الْأُمُور فِي الضَّبْط رويدا رويدا إِلَى الْآن
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع