تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

الْمدرسَة الفتحية (٢)

قَالَ ابْن شَدَّاد وَصَاحب التَّنْبِيه هِيَ برحبة خَالِد أَنْشَأَهَا الْملك الْغَالِب فتح

الدّين صَاحب بارين نسيب صَاحب حماه فِي السّنة الَّتِي توفّي بهَا وَجعل لَهَا أوقافا فِي الديار المصرية وَأَنْشَأَ مدرسة ثَانِيَة وَقد مر ذكرهَا فِي مدارس الشَّافِعِيَّة

قَالَ الصَّفَدِي فِي تَارِيخه وَذكر أَبُو الْحُسَيْن الرَّازِيّ أَن الدَّار وَالْحمام المعروفين بِخَالِد فِي رحبة خَالِد هُوَ خَالِد بن أَسد

وَقَالَ ابْن عَسَاكِر يشبه أَن يكون نِسْبَة إِلَى خَالِد بن عبد الله بن خَالِد بن أسيد بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين لِأَنَّهُ كَانَ بِدِمَشْق مَعَ عبد الْملك وَهُوَ من أهل دمشق وداره بهَا وَهِي الدَّار الْكَبِيرَة الَّتِي فِي مربعة الْقَبْر بِقرب الْقدَم بدار الشريف الزيدي وَإِلَيْهِ ينْسب الْحمام الَّذِي هُوَ مُقَابل قنطرة سِنَان بِبَاب توما وَهُوَ الَّذِي قتل جعيد ابْن دِرْهَم وَكَانَ جوادا سخيا ممدحا فصيحا إِلَّا انه كَانَ رجل سوء كَانَ يَقع فِي عَليّ ﵁ ويذم بِئْر زَمْزَم وَكَانَ نَحوا من الْحجَّاج مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة بعد أَن عصرت قدماه ثمَّ ساقاه حَتَّى انقصفتا ثمَّ صلب فَمَاتَ حِينَئِذٍ

وَقَالَ ابْن عَسَاكِر أَيْضا خَالِد بن أسيد بن أبي الْعيص بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي لَهُ صُحْبَة قيل هُوَ الَّذِي نسبت إِلَيْهِ رحبة خَالِد بِدِمَشْق اهـ

وأيا مَا كَانَ فان نِسْبَة تِلْكَ الرحبة لم تتَحَقَّق لرجل بِعَيْنِه

قَالَ العلموي ودرس بالفتحية الْمَذْكُورَة بهاء الدّين بن عَبَّاس ثمَّ ثَلَاثَة أنفس بعده وَمن شعره

إِذا شِئْت أَن تُعْطِي الْأُمُور حُقُوقهَاوتوقع حكم الْعدْل أحسن موقعه
فَلَا تصنع الْمَعْرُوف مَعَ غير أَهلهفظلمك وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه

أَقُول وَلَقَد خَفِي عَليّ مَكَانهَا وَسَأَلت عَن رحبة خَالِد كثيرا من أهل دمشق فَلم يُخْبِرنِي بهَا أحد لتطاول الزَّمَان وانطماس الْآثَار ولعلي إِن عثرت على محلهَا الْحَقْهُ ببحثها

وَلنَا مدرسة ثَالِثَة اسْمهَا الفتحية وَهِي حَدِيثَة الْعَهْد وَهِي مَشْهُورَة بمحلة القيمرية حَسَنَة الْبناء ذَات حجرات وغرف وَمَسْجِد حسن وَيظْهر لمن تأملها أَنه كَانَ لَهَا مطبخ يتَنَاوَل مِنْهُ المجاورون بهَا طعامهم الْمُخَصّص لَهُم من وَقفهَا إِعَانَة على طلب

الْعلم لَكِن الناظرين على وَقفهَا اختلسوا أوقافها وَمنعُوا الطّلبَة من حَقهم وَبَاعُوا جانبا مِنْهَا فَلم تسلم هِيَ وَلَا غَيرهَا من الْمدَارِس من تعديات المختلسين للأوقاف بِحَيْثُ أصبح ذَلِك الْفِعْل سنة متبعة عِنْد الْمُتَأَخِّرين من الدماشقة وَعند قضاتهم وَلَقَد تأملتها فَرَأَيْت مَكْتُوبًا على أُسْكُفَّة بَابهَا مَا صورته

قد وفْق الله من حباهفِي كل مَا يرتضي مُرَاده
بناه لكسب الْعُلُوم دَاراوَمَسْجِد أشيد للآفاده
فجَاء تَارِيخه بِبَيْتقد أحكمته يَد الاجاده
لله مَا قد بنى وَأَحْيَامن مَسْجِد الْفَتْح للعباده

وتاريخ الْبناء سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة بعد الْألف ومكتوب أَيْضا على اسكفة بَاب الْمَسْجِد

من كَانَ لِلْخَيْرَاتِ أَهلا نجاوَالله كَاف من إِلَيْهِ التجا
حسن بِهِ الظَّن تنَلْ برهفَهُوَ ولي النعم المرتجى
يَا نَاظر اترك على الْعين الَّذِيوفْق للمعروف لَهَا الحجى
قد أَتَوا أرخ طَالب الدعاالْوَاقِف الْفَتْح بِبَاب الرجا

تَرْجَمَة واقفها قَالَ الْمرَادِي فِي تَارِيخه سلك الدُّرَر مَا ملخصه فتحي بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن مَحْمُود الْحَنَفِيّ القلاقنسي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد الدفتري الصَّدْر الْكَبِير كَانَ بِدِمَشْق صدر أعيانها اشْتهر بمحاسن الشيم والشهامة والجرأة والإقدام وَكَانَ ذَا نباهة وذكاء وثروة وَصَارَ دفتريا بِدِمَشْق مُدَّة سنوات وَتَوَلَّى تَوْلِيَة وقفي السليمانية وتصدر بِدِمَشْق مُدبر الْأُمُور وَالْمَلَأ وَالْجُمْهُور وَكَانَ ذَا خدم وَأَتْبَاع واتساع دَائِرَة يصطحب من الْعلمَاء والأفاضل شرذمة إجلاء وَمن الأدباء زمرا وَكَانَ عِنْده فِئَة من الْكتاب المتقنين لِلْخُطُوطِ وَمن أَرْبَاب المعارف والمويسيقي والألحان وَمن المضحكين وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَت دَاره متنزه الرواح ومنتدى الأفراح وامتدحه الشُّعَرَاء من

الْبِلَاد واشتهر صيته فِي الْآفَاق وَقد جمع مدائحه أحد ندمائه الشَّيْخ سعيد السمان فِي كتاب سَمَّاهُ الرَّوْض النافح فِيمَا ورد على الْفَتْح من المدائح

قَالَ الْمرَادِي إِن المترجم كَانَ ظلمه عَاما وَأَتْبَاعه مَشْهُورُونَ بِالْفَسَادِ والفسوق وَشرب الْخمر وهتك الْمُحرمَات وَهُوَ أَيْضا متجاهر بالمظالم لَا يُبَالِي وَلَا يتَجَنَّب الأذي والتعدي وَمن آثاره فِي دمشق الْمدرسَة الَّتِي فِي محلّة القيمرية وَالْحمام فِي محلّة ميدان الْحَصَى وتجديد منارتي السليمانية وَغير ذَلِك ثمَّ أورد لَهُ الْمرَادِي نظما كثيرا مِنْهُ

بدا مثل بدر ثمَّ يبسم عَن درغزال وَمِنْه الْفرق كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّي
بقد كخوط البان رنحه الصِّبَافاذرى اعتدالا بالمثقفة السمر
أغن كَأَن الله أبدع حسنهليستلب الْأَرْوَاح بِالنّظرِ الشزر
سقى الله دهرا مر لي بوصالهوَلم يلو جيد الود عني إِلَى الهجر
فكم بَات يسقيني المدام عَشِيَّةويمزجها من رِيقه العاطر النشر
إِلَى أَن بِهِ شط المزار وَقد محىسطور الْأَمَانِي بَيْننَا حَادث الدَّهْر
وسرت قُلُوب الحاسدين وطالمالعبن بهَا عِنْد الدنو على الْجَمْر

وَله فِي الشيب

لَا تغضبن لشيب مِنْك حل علىمسك العذار فان الشيب آثَار
أما ترى الْغُصْن مذ لاحت أزاهرهزَادَت نضارة ذَاك الْغُصْن أنوار

وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول دعبل

لَا يرعك المشيب أَن زار وَهنافَهُوَ للمرء حلية ووقار
إِنَّمَا تحسن الرياض إِذا مَاضحِكت فِي خلالها النوار
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وللمترجم فِي طول النَّهَار فِي الصّيام

ولرب يَوْم صمته فَكَأَنَّهُيَوْم الْمعَاد وَلَيْسَ مِنْهُ مهرب
وقفت بِهِ شمس النَّهَار وَلم تغبفَكَأَنَّمَا قد سد عَنْهَا الْمغرب

وَله

واغيد قد أمال السكر قامتهوَاللَّيْل محتبك بالأنجم الزهر
دنا الي وكأس الراح فِي يَدهممزوجة بلماه الطّيب الْعطر
وَقَالَ خُذ وارتشف مَاء الْحَيَاة وَلَاتبْق للائمك اللاحي سوى الكدر

وَلما كَانَ المترجم ذَا يَد طولى وعلو قدر يتَصَدَّى للاستطالة فِي أَقْوَاله وأفعاله كثر أعداؤه وَلما توفّي الْوَزير سُلَيْمَان باشا الْعظم وَالِي الشَّام وأمير الْحَج وَجَاء الْأَمر من قبل الدولة بضبط أَمْوَاله ومتروكاته نسب المترجم إِلَى أُمُور فِي ذَلِك الْوَقْت فَخرج مِنْهَا بتولية أسعد باشا الْعظم واليا على دمشق ثمَّ إِن المترجم كَانَ منتميا إِلَى أوجاق البرلية وَكَانُوا على غَايَة من الاستبداد والشقاء وَالْفساد إِلَى أَن كتب أسعد باشا بأفعالهم إِلَى الآستانة فجَاء الْأَمر بِقَتْلِهِم كلهم واستئصالهم فَقتلُوا إِلَّا أَن أسعد باشا أخْفى المترجم عِنْده مُدَّة ثمَّ جرت أُمُور إِلَى أَن ورد الْأَمر بقتْله أَيْضا فجيء بِهِ إِلَى سَرَايَا دمشقوخنق فِي احدى جهاتها وَقطع رَأسه وَأرْسل للدولة وطيف بجثته فِي دمشق ثَلَاثَة أَيَّام فِي شوارعها وأزقتها مَكْشُوف الْبدن عُريَانا وضبطت الدولة أملاكه فَكَانَ شَيْئا كثيرا وَكَانَ ذَلِك خَامِس عشر جُمَادَى الثَّانِيَة سنة تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف وَدفن بتربة الشَّيْخ أرسلان

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.