من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة العزية البرانية
كَانَت فَوق عين الوراقة بالشرف الْأَعْلَى شمَالي ميدان الْقصر خَارج دمشق قَالَه النعيمي
أَقُول أما عين الوراقة فَهِيَ مَشْهُورَة الْآن والميدان هُوَ المرج الْأَخْضَر غربي التكية وموضعها كَانَ قصر الْملك الظَّاهِر بيبرس وَأما الْمدرسَة فقد وقفت على رسومها وأطلالها وخاطبتها فأجابتني بقول أحد أدباء بَغْدَاد من معاصرينا فِي رثاء الْمدرسَة المستنصرية بدار السَّلَام
بَكَيْت بهَا عهدا مضى فِي عراصهاكَرِيمًا فليت الْعَهْد لم يَك مَاضِيا
بَكَيْت بهَا المدفون فِي حجراتهامن الْعلم حَتَّى بل دمعي ردائيا
ومعالمها المندرسة الْآن فِي أول زقاق الصخر بِالْقربِ من الْمَكَان الَّذِي بني محلا لمجمع الأضواء الكهربائية جنوبي الطَّرِيق وَقد بَقِي مِنْهَا بَابهَا ومكتوب على أسكفته كِتَابَة قاربت الانطماس وَهِي على حجرين والأعلى مِنْهُمَا مَكْتُوب عَلَيْهِ
لَا اله إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير تَجِدُوهُ عِنْد الله﴾ آيَة / وتاريخه سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة
والأسفل مِنْهُمَا مَكْتُوب عَلَيْهِ
أوقف هَذِه الْمدرسَة الْمُبَارَكَة وأبدها وحبسها الْأَمِير الْكَبِير الْغَازِي الْمُجَاهِد أَبُو الْفضل عز الدّين ايبك على الْفُقَهَاء والمتفقهة من أَصْحَاب الإِمَام الْأَعْظَم سراج الْأمة أبي حنيفَة ﵁ وعَلى المقرئين والمحدثين والمستمعين تقبل الله مِنْهُ وَهَذَا الْبَاب قريب الاندراس وَلما دَخَلتهَا رَأَيْت ثمار الْعُلُوم الَّتِي كَانَت تجتنى مِنْهَا قد بدلت بثمرات الْأَشْجَار وَجعلت أمكنة حجراتها ومسجدها وساحتها بستانا وَلما تتبعت آثَار جدرانها لم أجد شَيْئا بَاقِيا مِنْهَا سوى أساس الْجِدَار الشمالي وَقد أقيم عَلَيْهِ دك الْبُسْتَان وَالْبَاب مسدود ولاح بخاطري أَن أعلم مساحة أرْضهَا فَرَأَيْت طولهَا من الشرق إِلَى الغرب نَحوا من سِتِّينَ خطْوَة وَالْعرض مِقْدَار النّصْف من ذَلِك وَهِي تشرف على وَاد عميق وجدارها الجنوبي مؤسس من أَسْفَل ذَلِك الْوَادي وَقد بَقِي سالما إِلَى مَا يسامت أرْضهَا وَفِي الزاوية الجنوبية مِنْهَا قبَّة عَظِيمَة قَائِمَة فِي الْهَوَاء صبرت على مر الرِّيَاح وكر الْقُرُون فَلم تُؤثر بهَا الْحَوَادِث شَيْئا ومساحة داخلها سبع خطوَات فِي سبع وَفِي وَسطهَا قبر عز الدّين وارتفاعه عَن الأَرْض نَحْو ذراعين وللقبة شباكان مطلان على ميدان الْقصر وَكلهَا مَبْنِيّ بِالْحجرِ الْأَصْفَر وَهَذِه الْمدرسَة كَانَت فِي أَيَّام سعودها نزهة للأبصار وملعبا للنسيم اللَّطِيف العليل تهدي لساكنها أبهج المناظر الدمشقية يقون لِسَان حَالهَا عجبا لمن يسكنني وَلم تتفجر من فُؤَاده ينابيع الْحِكْمَة وَالْعلم فسبحان الْبَاقِي
تَرْجَمَة واقفها تقدم أَن الَّذِي بناها الْأَمِير عز الدّين أيبك أستاذ دَار المعظمي الْمَعْرُوف بِصَاحِب صرخد سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ من الْعُقَلَاء الأمجاد
وَقَالَ ابْن كثير استنابه الْملك الْمُعظم على صرخد فَظهر مِنْهُ نهضة وكفاءة ووقف القريتين البرانية والجوانية ثمَّ إِن الْملك الصَّالح أَيُّوب أَخذ مِنْهُ صرخد وعوضه عَنْهَا فَأَقَامَ بِدِمَشْق على خير وتقى ثمَّ تنَاوله الوشاة بألسنتهم واتهموه بِأَنَّهُ يُكَاتب الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل فاحتيط على جَمِيع أَمْوَاله وحواصله فَأخذ مِنْهُ الْقَهْر كل مَأْخَذ فَمَرض وَسقط على الأَرْض وَقَالَ هَذَا آخر عهدي وَكَانَ قد فر إِلَى مصر فِي مبدأ التُّهْمَة وَمَات بهَا سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَدفن بِبَاب النَّصْر بهَا ثمَّ نقل إِلَى دمشق وَدفن فِي تربته الَّتِي أَنْشَأَهَا بمدرسته كَمَا أَفَادَ ابْن كثير وَصَاحب مرْآة الزَّمَان
ودرس بِهَذِهِ الْمدرسَة الشَّمْس ابْن فلوس ثمَّ بعده نَحْو أحد عشر مدرسا آخِرهم شهَاب الدّين
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع