من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة الظَّاهِرِيَّة الجوانية البيبرسية
قد تقدم ذكر محلهَا وَأَنَّهَا هِيَ الظَّاهِرِيَّة الجوانية بِعَينهَا وَلما كَانَت على الْفَرِيقَيْنِ الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة كرر ذكرهَا هُنَا
وَقد درس بهَا صدر الدّين الْأَذْرَعِيّ صَاحب الْجَامِع الصَّغِير ثمَّ بعده سِتَّة مدرسين مِنْهُم ركن الدّين السَّمرقَنْدِي وَكَانَ شيخ الْحَنَفِيَّة فِي زَمَنه سَطَا عَلَيْهِ بعض أعدائه فخنقه وألقاه فِي بركتها وَأخذ مَاله وَبعد التدقيق عَن الْفَاعِل علم أَنه بوابها عَليّ الحوراني فصلب على بَابهَا
وَترْجم صَاحب التَّنْبِيه الْأَذْرَعِيّ فَقَالَ هُوَ سُلَيْمَان ابْن أبي الْعِزّ بن وهب ابْن عَطاء أَبُو الربيعالحنفي الْأَذْرَعِيّ صَاحب الْجَامِع الصَّغِير شيخ الْحَنَفِيَّة فِي زَمَنه وعالمهم شرقا وغربا أَقَامَ يدرس مُدَّة فِي دمشق ويفتي ثمَّ انْتقل إِلَى الديار المصرية ولد سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وتفقه على الْجمال الحصيري وَولي قَضَاء الْقَاهِرَة أَيَّام الظَّاهِر بيبرس تَوْلِيَة عَامَّة حَيْثُ حلت ركاب السُّلْطَان وَكَانَ يُحِبهُ ويعظمه وَلَا يُفَارِقهُ فِي غَزَوَاته ثمَّ استعفاه من قَضَاء الْقَاهِرَة وَعَاد إِلَى دمشق فَأَقَامَ بهَا مُدَّة يدرس بالظاهرية وَلما مَاتَ ابْن العديم عرض عَلَيْهِ منصبه فَقبل وباشره ثَلَاثَة اشهر وَمَات لَيْلَة الْجُمُعَة سادس شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَدفن بِالْقربِ من الْجَامِع الأفرم وَمن لطيف شعره مَا قَالَه فِي مَمْلُوك تزوج إِحْدَى جواري الْملك الْمُعظم
يَا صَاحِبي قفا لي وانظرا عجباأَتَى بِهِ الدَّهْر فِينَا من عجائبه
الْبَدْر اصبح فَوق الشَّمْس منزلَةوَمَا الْعُلُوّ عَلَيْهَا من مراتبه
أضحى يماثلها حسنا يشاركهاكفوا وَسَار إِلَيْهَا فِي مواكبه
وأشكل الْفرق لَوْلَا وشي نمنمةبصدغه واخضرار فَوق شَاربه
وَيُوجد بَين مَا تقدم من سنة ميلاده وَبَين مَا حَكَاهُ ابْن كثير خلاف وَاضح فانه قَالَ ولد سنة خمس وَسبعين وَلَعَلَّ السّبْعين تَصْحِيف وَأَنَّهَا سِتُّونَ أَو أَحدهمَا مصحف وَحكى ابْن كثير فِي تَرْجَمته أَن السُّلْطَان بيبرس لما أَرَادَ أَن يُوقع الحيطة على أَمْلَاك النَّاس أَرَادَ من الاذرعي أَن يحكم بِمُقْتَضى مذْهبه فَغَضب من ذَلِك وَقَالَ هَذِه الْأَمْلَاك بيد أَرْبَابهَا وَلَا يحل لمُسلم أَن يتَعَرَّض لَهَا ثمَّ نَهَضَ من الْمجْلس وَذهب فَغَضب السُّلْطَان من ذَلِك غَضبا شَدِيدا ثمَّ سكن غَضَبه وَكَانَ يثني عَلَيْهِ بعد ذَلِك ويمدحه وَيَقُول لَا تثبتوا كتابا إِلَّا عِنْده ثمَّ قَالَ ابْن كثير وَكَانَ المترجم من الْعلمَاء الأخيار كثير التَّوَاضُع قَلِيل الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع