من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
اوابد وَضم شوارد تلِيق بالْمقَام فِي اولية فن الطِّبّ
حكى الْوَزير جمال الدّين عَليّ بن يُوسُف القفطي فِي كِتَابه أَخْبَار الْعلمَاء بأخبار
الْحُكَمَاء فِي تَرْجَمَة اسقلبيوس الْحَكِيم كلَاما طَويلا فِي شَأْن أولية الطِّبّ فمخضنا زبدته واثبتنا نتيجته واليك ذَلِك
إِن الْكَلَام فِي الأوليات عُمُوما وَفِي أولية الطِّبّ وَمن أحدثه وَفِي أَي زمن وجد عسر جدا وَذَلِكَ أَن الَّذين يَقُولُونَ بقدم الْعَالم يَقُولُونَ أَن الطِّبّ قديم بقدم الْعَالم لَان الطِّبّ ملازم للْإنْسَان فِي حَالَة وجوده وَالْإِنْسَان قديم فالطب قديم والفرقة الْأُخْرَى الَّتِي تعتقد حُدُوث الْأَجْسَام تَقول الطِّبّ مُحدث لَان الْأَجْسَام الَّتِي يسْتَعْمل فِيهَا الطِّبّ محدثة واصحاب الْحُدُوث ينقسمون فِي القَوْل الي قسمَيْنِ فالقسم الْوَاحِد يَقُول أَن الطِّبّ خلق مَعَ الْإِنْسَان إِذْ كَانَ من الْأَشْيَاء الَّتِي بهَا صَلَاحه وَبَعْضهمْ يَقُول أَن الطِّبّ خلق بعد خلق الْإِنْسَان وَأجَاب هَؤُلَاءِ عَن قَول بعض الْحُكَمَاء أَن اسقلبيوس هُوَ مخترع الطِّبّ بِأَن حَدِيثه لَيْسَ إِلَّا على سَبِيل السمر هَذَا مَعَ إِجْمَاع الْأَطِبَّاء الأول على انه أول من استخرج الطِّبّ واستنبطه وَقَالُوا جَاءَهُ الطِّبّ على لِسَان الْوَحْي فَأَما حصر زَمَانه وزمان من جَاءَ بعده فقد ذكرُوا من عدَّة السنين مِمَّا بَينه وَبَين جالينوس مَا يزِيد على خَمْسَة آلَاف سنة فَهَذَا يدل على انه كَانَ قبل الطوفان وكل مَا هُوَ قبل الطوفان لم تعلم حَقِيقَته لعدم الْمخبر بِهِ على الْوَجْه الصَّحِيح على ان جالينوس قَالَ فِي تَفْسِير كتاب العهود لابقراط الَّذِي يتناهى إِلَيْنَا من قصَّة اسقلبيوس قَولَانِ أَحدهمَا لغز وَالْآخر طبيعي أما اللغز فَيذْهب فِيهِ الى انه قُوَّة من قوى الله تَعَالَى واشتق لهَذَا الِاسْم من فعلهَا وَهُوَ منع اليبس وَزعم ابْن جلجل انه كَانَ تلميذا لهرمس الْمصْرِيّ وَذكر ابقراط فِي كتاب إيمَانه وَعَهده ان هَذَا الِاسْم فِي لِسَان اليونانيين مُشْتَقّ من الْبَهَاء والنور والطب صناعَة اسقلبيوس يَعْنِي لَا يجب تعاطيها الا لمن كَانَ على الطَّهَارَة العفاف والتقى وانه لَا يجب ان يعلم للاشرار وَلَا لِذَوي الانفس الخبيثة وَإِنَّمَا يجب ان يتعلمها الاشراف والمتألهون العارفون بِاللَّه ثمَّ إِن الْأَوَّلين مُنْذُ نشأة الطِّبّ كَانَ بَينهم العهود والمواثيق ان لَا يعلمُوا صناعَة الطِّبّ غَرِيبا وَحكى القفطي فِي تَرْجَمَة بقراط اَوْ ابقراط ان الطِّبّ كَانَ استنباطه بالتجربة وَذَلِكَ ان امْرَأَة ابْتليت بِضعْف الْمعدة وامتلاء الصَّدْر بالاخلاط فاتفق أَن أكلت الرَّأْس بِشَهْوَة منهالة فَذهب وجعها وَرجعت الى صِحَّتهَا وَكَانَت من اهل مصر فانتبهوا لذَلِك واقبلوا على فن الطِّبّ بالتجارب وَذكر هَذَا اسحاق بن حنين فِي تَارِيخه انْتهى
قلت وَمثل هَذَا هُوَ الصَّوَاب لَان فن الطِّبّ الى الْآن وَلم يزل يتَقَدَّم بالتجربة
والاكتشاف والاختراع وَثمّ اقوال كَثِيرَة فِي كتب الطِّبّ وَتقدم إِن الاطباء الَّذين كَانُوا قبل ابقراط كَانُوا يَبْخلُونَ بتعليم هَذَا الْفَنّ وَلَا يعلمونه للغرباء حَتَّى جَاءَ ابقراط فَكَانَ أول من علمه الغرباء وجعلهم كأولاده لما خَافَ على الطِّبّ ان يفنى من الْعَالم كَمَا ذكر ذَلِك عَن نَفسه فِي كتاب عَهده الى الاطباء الغرباء وَألف التآليف الغريبة النافعة فِيهِ وشاع ذَلِك الْفَنّ ثمَّ جَاءَ بعده جالينوس وَلَكِن بِنَحْوِ سِتّمائَة سنة فاستنبط علم التشريح وَلم يسْبقهُ إِلَيْهِ أحد وَألف فِيهِ سبع عشرَة مقَالَة وَكَانَت لَهُ بِمَدِينَة رُومِية مجَالِس مقامية يخْطب فِيهَا وَيظْهر من علمه بالتشريح مَا يعرف بِهِ فَضله وَكَانَ لَا يقنع من علم الاشياء بالتقليد دون الْمُبَاشرَة ولولاه مَا بَقِي علم الطِّبّ ولكان مندرسا واثرا من الْعَالم جملَة وَلكنه اقام أوده وَشرح غامضه وَبسط مستصعبه وَكَانَ متصفحا لجَمِيع كَلَام المؤلفين فَلم يسلم اُحْدُ من القدماء مِنْهُ الا مشدوخا وَكَانَت وَفَاته قبل الْمَسِيح بِسبع وَخمسين سنة
وَقَالَ عبيد الله بن بختيشوع ظهر جالينوس ايام الْملك انطونينوس باني مَدِينَة ايليوبوليس الْمُسَمَّاة ببعلبك وَهُوَ الَّذِي استخدم جالينوس
وَقَالَ اسحاق ان بَين وَفَاة جالينوس الى سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ ثَمَانمِائَة وَخمْس عشرَة سنة وعاش جالينوس على مَا ذكره اسحاق بن حنين فِي تَارِيخه وَنسبه الى يحي النَّحْوِيّ سبعا وَثَمَانِينَ سنة وَهَذَا اعْدِلْ مَا يُمكن علمه
وَفِي كتاب التَّوْضِيح فِي اصول التشريح ليوحنا ورتبات ان صناعَة التشريح كَانَت مَعْدُومَة فِي الازمنة الْقَدِيمَة الى ان قَامَت مدرسة الاسكندرية الشهيرة الَّتِي انشأها بطليموس الاول الَّذِي تولى مصر بعد الاسكندر الْكَبِير قبل التَّارِيخ المسيحي بِنَحْوِ ثَلَاثمِائَة سنة وَهِي اول مدارس الْعَالم فِي ذَلِك الْوَقْت فَجمعت فِيهَا مكتبة عَظِيمَة وادوات التَّعْلِيم فِي الْهَيْئَة والطب ودعي اليها المعلمون وَأمرت الْحُكُومَة بِدفع جثث المقتولين بِسَبَب جرائمهم الى الْمدرسَة الطبية لاجل التشريح وَبَقِي الِاسْم الاول لهَذِهِ الْمدرسَة الى مَا بعد التَّارِيخ المسيحي بِنَحْوِ ثَلَاثمِائَة سنة وَيظْهر ان معارف الرومانيين كَانَت منقولة عَنْهَا بالتدريج
ثمَّ اضمحلت الْعُلُوم فِي الْمغرب من الْقرن السَّابِع بعد الْمَسِيح الى الْقرن الثَّانِي عشر فَأَخذهَا الاسلام فِي الْمشرق وازدهرت بَينهم الى أَن بلغُوا فِيهَا الرُّتْبَة الأولى إِلَّا انهم لم
يتقدموا على من سبقهمْ فِي علم التشريح بل اكتفوا بِمَا نقلوه من الْكتب اليونانية لانهم كَانُوا يأبون تشريح الْمَوْتَى
وَمن الْقرن الثَّانِي عشر الى الْقرن الْخَامِس عشر بنيت عدَّة من الْمدَارِس الْكُلية فِي اوربا واضيف لكل وَاحِدَة مِنْهَا مدرسة طبية وَكَانَ اول من شرح الجثة البشرية فِيهَا تشريحا مشتهرا الْمعلم مونديني مدرس التشريح فِي مدرسة بولونيا وَذَلِكَ نَحْو سنة خمس عشرَة وثلاثمائة وَألف مسيحية وَمن ذَلِك الْوَقْت اخذ علم التشريح فِي التَّقَدُّم لكنه كَانَ خَاصّا بالمدارس الى بداية الْقرن الثَّامِن عشر فَظهر ظهورا عَاما الى ان وصل لدرجة لَا يكَاد يكون عَلَيْهَا مزِيد وَكَثُرت فِيهِ المؤلفات الى ان صَار الان اوضح واثبت الْعُلُوم الطبية هَذَا مَا قيل عَن التشريح
واما الطِّبّ فَإِنَّهُ تَأَخّر فِي الْقُرُون الأولى الى ان صَارَت لَهُ شعشعة فِي مدرسة الاسكندرية ثمَّ تضاءل وَصغر الى ايام الْخُلَفَاء العباسيين فَأقبل الْمُلُوك على احياء آثاره وترجمت كتبه ايام الْمَأْمُون فبرع الْمُسلمُونَ وَغَيرهم فِيهِ براعة زَائِدَة كَمَا يعلم من طَبَقَات الاطباء الى ان بنيت مدرسة بولونيا فَصَارَ ظله يَتَقَلَّص من الشرق وَيظْهر نوره فِي الغرب الى ان انتقضت قَوَاعِده الاولى وَظهر فِي طور جَدِيد
وَفِي نصف الْقرن الثَّالِث عشر لِلْهِجْرَةِ بَدَأَ الشرق يسْتَردّ مَا سلب مِنْهُ شَيْئا فَشَيْئًا الى أَن رد اليه بعض شبابه فِي زمننا هَذَا واكثرت الدولة العثمانية من بِنَاء مدارسه وبنيت بِدِمَشْق مدرسة الطِّبّ على الطّراز الْجَدِيد فِي نَحْو الالف وثلاثمائة وَعشْرين وَقد قضى الله انه لَا يسلب من اُحْدُ شَيْء الا وَيرد اليه بعد حِين
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع