تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

محاسن الموت

في الحديث المرفوع: «الموت راحة». وقال بعض السلف: ما من مؤمن إلا والموت خير له من الحياة، لأنه إن كان محسناً فالله يقول:

وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ.

وإن كان مسيئاً، فالله تعالى جده يقول أيضاً: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً»

. وقال ميمون بن مهران: «أتيت عمر بن العزيز، فكثر بكاؤه، ومسألته الله الموت.

فقلت: «يا أمير المؤمنين! تسأل ربك الموت، وقد صنع الله على يدك خيراً كثيراً، أحييت سنناً، وأمت بدعاً، وفعلت وصنعت، ولبقاؤك رحمة للمؤمنين»، فقال: «ألا أكون كالعبد الصالح حين أقر الله عينه، وجمع له أمره، قال: «رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث» إلى قوله: «وألحقني بالصالحين». فما دار عليه أسبوع حتى مات، ﵀». قالت الفلاسفة: «لا يستكمل الإنسان حد الإنسانية إلا بالموت، لأن حد الإنسانية إنه حي ناطق ميت». وقال بعض السلف: «الصالح إذا مات استراح، والطالح، إذا مات، استريح منه». قال الشاعر:

وما الموت إلا راحةٌ غير أنهأبر بنا من كل بر وأرأف

وقال آخر:

جزى الله عنا الموت خيراً، فإنهأبر بنا من كل بر وأرأف
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «جزى الله عنا الموت خيرا فإنه»
يعجل تخليص النفوس من الأذىويدني من الدار التي هي أشرف
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «جزى الله عنا الموت خيرا فإنه»

وقال منصور الفقيه:

قد قلت، إن مدحوا الحياة، فأسرفوافي الموت ألف فضيلةٍ لا تعرف
منها أمان بقائه بلقائهوفراق كل معاشرٍ لا ينصف

وقال أحمد بن أبي بكر الكاتب:

من كان يرجو أن يعيش فإننيأصبحت أرجو أن أموت فأعتقا
في الموت ألف فضيلةٍ لو أنهاعرفت لكان سبيله أن يعشقا
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

وقال لنكك البصري:

نحن، والله، في زمانٍ غشوملو رأيناه في المنام فزعنا
للشاعر ابن لنكك البصري، اقرأ القصيدة
أصبح الناس فيه من سوء حالٍحق من مات منهم أن يهنأ

وضده، في الحديث المرفوع: «أكثر (؟) وأذكرها ذم اللذات (يعني الموت) ». قال الشاعر:

يا موت ما أجفاك من نازلٍتنزل بالمرء على رغمه
تستلب العذراء من خدرهاوتأخذ الواحد من أمه

وقال:

وكل ذي غيبةٍ له إيابٌوغائب الموت لا يؤوب

وقال بعضهم: «الناس في الدنيا أغراض تنتضل فيها سهام المنايا».

وقال ابن المعتز: «الموت كسهم مرسل إليك، وعمرك بقدر سفره نحوك».

وقال بعضهم: «الموت أشد مما قبله، وأهون مما بعده».

ونظر الحسن ﵁ إلى ميت يدفن، فقال: «إن شيئاً أوله هذا لحقيق أن يخاف آخره، وإن شيئاً هذا آخره لحقيقٌ أن يزهد في أوله».

وسئل بعض الفلاسفة عن الموت، فقال: «مفازة، من ركبها ضل خبره، وعفى أثره».

والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

انتهى كتاب «المحاسن والأضداد» لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.