من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
محاسن الهدايا
قال: وكتب الناس في الهدايا، فأكثروا من الكلام المنثور، والشعر الموزون، وكل يكتب ويقول يمقدار عقله وعلمه، حتى قالوا: إنها قرابة وصلة كالرحم الماسة، والقرابة القريبة، وكلحمة النسب؛ وأكثروا من الشفيع، لقول رسول الله ﷺ: «تهادوا وتحابوا»، وقيل: «الهدية تفتح الباب المصمت، وتسل سخيمة القلب». وروي عن عائشة أنها قالت:
«اللطفة عطفة، وتزرع في القلوب المحبة». قال: كان رسول الله، ﷺ، يقبل الهدية، ويثيب عليها ما هو خير منها». وقال ﵊:
«لو أهدي إلي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت». وقال ﵊: «الهدية رزق من الله ﷿، فمن أهدي إليه شيء فليقبله». وقال ﷺ: «نعم الشيء الهدية أمام الحاجة، ما أرضي الغضبان، ولا استعطف ولا أستميل الهاجر، ولا توقي المحذور بمثل الهدية والبر».
وقال الله ﷿:
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ، فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ.
وروي أن عاملاً لعلي، ﵁، قدم من بعض الأطراف، فأهدى إلى الحسن والحسين، سلام الله عليهما، ولم يهد إلى ابن الحنفية، فقال متمثلا:
وما شرّ الثلاثة، أمّ عمروٍبصاحبك الذي لا تصحبينا
فأهدى العامل إليه كما أهدى إلى أخويه.
وروي عن أمير المؤمنين علي ﵇، أن قوماً من الدهاقين أهدوا إليه جامات فضة، فيها الأخبصة، فقال: «ما هذا» ؟ فقالوا: «يوم نيروز» ! فقال: «نيروزنا كل يوم»، فأكل الخبيص، وأطعم جلساءه، وقسم الجامات بين المسلمين، وحسبها لهم في خراجهم. وقيل: «إن جلساء المهدي إليه شركاؤه في الهدية، والهدية، تجلب المودة، وتزرع المحبة، وتنفي الضغينة؛ وتركها يورث الوحشة، ويدعوا إلى القطيعة.
والهدية تصير البعيد قريباً، والعدو صديقاً، والبغيض ولياً، والثقيل خفيفاً، والعبد حراً، والحرّ عبدا. وفيها قول الشاعر:
ما من صديقٍ، وإن أبدى مودتهيوما يأنجح في الحاجات من طبق
إذا تقنّع بالمنديل منطلقاً،لم يخش نبوة بوابٍ ولا غلق
لا تكثرن، فإن الناس مذ خلقوالرغبةٍ كل ما يعطون أو فرق!
وقال آخر:
إذا أردت قضاء الحاج من أحدٍقدم لنجواك ما أحببت من سبب
إن الهدايا لها حظٌ إذا وردتأحظى من الابن عند الوالد الحدب
وقد قيل: «كل يهدي على قدره». وذكروا أن سليمان بن داود، ﵇، بينا هو يسير بالريح، إذ أتى على عش قنبرة، فيها فراخ لها، فأمر الريح، فعدلت عن العش، فلما نزل، وافق يومه ذلك النيروز، فجاءت تلك القنبرة، حتى رفرفت على رأس سليمان، وألقت في جحره جرادة، فقيل له في ذلك، فقال: «كل يهدي على قدره».
وكان مما تهديه ملوك الأمم إلى ملوك فارس، طرائف ما في بلدهم، فمن الهند الفيلة والسيوف والمسك والجلود، ومن تبت والصين المسك والحرير والسك والأواني، ومن السند الطواويس والببغاء، ومن الروم الديباج والبسط. وكان القواد والمرازبة والأساورة يهدون النشاب والأعمدة
المصمتة من الذهب والفضة، والوزراء والكتاب والخاصة من قرابانهم جامات الذهب والفضة المرصعة بالجوهر، وجامات الفضة الملونة بالذهب، والعظماء والشراف، البزاة والعقبان والصقور والشواهين والفهود والسروج وآلاتها؛ وربما أهدي الرجل الشريف سوطاً فقبله. وكان الحكماء يهدون الحكمة، والشعراء الشعر، وأصحاب الجوهر الجوهر، وأصحاب الديباج نتاج الدواب، الفرس الفاره، والشهري النادر، والحمار المصري، والبغال الهماليج؛ والظرفاء، قرب الحرير الصيني مملوءة ما ورد؛ والمقلقلة القسي والرماح والنشاب؛ والصياقلة والزرادون، نصول السيوف والدروع والجواشن والبيض والأنسة؛ وكانت نسوة الملك تهدي إحداهن الجارية الناهدة، والوصيفة الرائعة، والأخرى الدرة النفيسة، والجوهرة المثمنة، وفص خاتم، وما لطف وخف؛ وأصحاب البز، الثوب المرتفع من الخز والوشي والديباج وغير ذلك، والصيارفة نقر الذهب والفضة، وجامات الفضة مملوءة دنانير، وأوساط الناس دنانير ودراهم من ضرب سنتهم، مودعة أترجة أو سفرجلة أو تفاحة، والكاتب واقف يكتب كل مهدٍ، وجائزة كل من يجيز الملك على هديته ليودع ذلك ديوان النيروز.
ومن الهدايا التي لم يسمع السامعون بمثلها، هدية أبرويز إلى ملك الروم، بعقب محاربة بهرام جوبين، وقد شارف الروم، فأنفذ رسولاً يستنجده، وبعث إليه مائة غلام من أبناء الأتراك مختارين في صورهم ونفوسهم، في آذانهم أقرطة الذهب، معلق فيها حب الدر على مراكب بسروج الذهب، منظمة باليواقيت والزمرد، وبعث معه بمائدة من عنبر، فتحها ثلاثة أذرع، مكللة المستدار بالدر، لها ثلاث قوائم من ذهب: إحداها ساعد أسد مع كفه، والأخرى ساق وعل مع ظلفه، والثالثة كف عقاب. في كف الأسد ياقوتة خضراء، وبين ظلفي الوعل ياقوتة حمراء، وفي كف العقاب قبجة من اللازورد، عيناها ياقوتتان حمراوان تتوقدان حمرة، وفي وسط المائدة جام من جزع يماني فاخر، فتحة شبر في شبر، مملوء يواقيت حمراً، وسفط ذهب فيه مائة درة، كل درة مثقال، ومائة لؤلؤة، كل لؤلؤة
مثقال:، ومائة خاتم من ذهب مرصع بالجوهر، مشبك الأعلى، حشوه مسك وعنبر، ووصل رسل أبرويز إلى ملك الروم بهذه الهدية، فأنجده، وأرسل إليه عشرين ألف فارس بالسلاح الشاك، وبعث إليه بألفي ألف دينار لأرزاق جنده، وألف ثوب منسوج، وعشرين جارية من بنات ملوك الصقالبة بأقبية الديباج المطير. في آذانهن أقرطة الذهب المزينة بالدر والياقوت وعلى رؤوسهن، أكلة الجوهر.
وأنفذ إليه عشرين مركباً، على كل مركب صليب، تحت كل صليب ألف فارس وألف برذون وألف شهري وألف بغلة وألف نجيب، بسروج مذهبة، وأكف مذهبة، ولجم من ذهب مصبوب، وبرادع مذهبة، وجلال وبراقع ديباج منسوج بالذهب واللؤلؤ، وأوقر البغال، من السندس والأستبرق والذهب واللؤلؤ.
وبعث إليه مساحة جريب أرض من ذهب، فيه نخلٌ من ذهب، سعفه الزمرد، وطلعه اللؤلؤ، وشماريخه الياقوت الأحمر، وكربه الجزع. إليه بعث ألف ألف «لؤلؤة، كل لؤلؤة ألف دينار، وبعث إليه ألف ألف درهم، مثاقيله ألف ألف دينار خسرواني، وأتى به، واعتذر إليه من التقصير، فقابله ملك الروم عامه المقبل يوم النيروز، بفارس من ذهب على شهري من فضة، عينا الشهري جزع أبيض، محدق بسواد، وناصيته وعرفه وذنبه شعر أسود، بيد الفارس صولجان من ذهب، وإلى جانبه ميدان من فضة، في وسط الميدان كرة عقيق أحمر، يحمل الميدان ثوران من فضة، والشهري يبول الماء، فإذا بال، انحط الصولجان على الكرة، فمر بها إلى أقصى الميدان، فتحرك بحركاتها الثوران والميدان، ويركض الفارس على عجل تحت حوافر الشهري.
فأما أهل الإسلام، فلم يسمع بمثل هدية حسان النبطي إلى هشام بن عبد الملك، فإنه أهدى إليه وإلى أمهات أولاده هدايا كثيرة من الكساء والعطر والجوهر وغيرها، فاستكثرها هشام، وقال: «بيت المال أحق بهذا» ثم أمر
فنودي عليها، فبلغت مائة ألف دينار، فبعث حسان أثمانها، وقال: «يا أمير المؤمنين، قد طابت الآن، هذه مائة ألف دينار تحمل إلى بيت المال، فأقبل هديتي»؛ فقبلها، ونادى على مناديه حسان، سيد موالي أمير المؤمنين:
«قد طابت الآن هذه».
واستملح المأمون من أبي سلمة ذكر هدية لطيفة، قال: أهدي إلى أمير المؤمنين خوانا من جزع، ميلاً في ميل، فقال المأمون: «أو قبضت الهدية» ؟ قال: «نعم». قال: «أفهي في داري أم داري فيها» ؟ قال:
«بل هي في منديل». فدعا بهديته، فإذا خوان من جزع عليه ميل من ذهب، وقد صنع من مائة مثقال بطول الخوان وعرضه، فاستملحه وقبله.
وأهدت أسماء بنت داود إلى أسماء بنت المنصور مائة مركن من فضة، فيها أنواع اللخالخ والريحان المطيب، ومائة جفنة مطيبة، وأنواع من الأطعمة والأشربة، وعشراً من الوصائف في قد واحد، فقومت هديتها، فبلغت خمسين ألف دينار.
وبعث الحسن بن وهب إلى المتوكل بجام من ذهب، فيه ألف مثقال من العنبر، وكتب إليه:
يا إمام الهدى، سعدت من الدّهر بركن من الإله، عزيز
وبظلٍ من النعيم مديد،ويحرز من الليالي، حريز
لا تزل ألف حجةٍ مهرجانٍأنت تفضي به إلى النيروز
ونعيمٍ ألذ من نظر المعشوق، من بعد نبوةٍ ونشوز
قال خالد المهلبي: «أهديت إلى المتوكل في يوم نيروز ثوب وشيٍ منسوج بالذهب، ومشمة عنبر، عليها فصوص جوهر مشبك بالذهب، ودرعاً مضاعفة، وخشبة بخور نحو القامة، وثوباً بغدادياً يقطع ثوباً. فأعجبه حسنه، ثم دعا به، فلبسه، وقال: «يا مهلبي، إنما لبسته لأسرك به»، فقلت: «يا أمير المؤمنين، لو كنت سوقة لوجب على الفتيان تعلم الفتوة منك، فكيف وأنت سيد الناس، وأحسن من جميع ما تقدم ذكره، قول عبد
الله العباسي، والي الحرمين، فإنه قال: «هذا يوم يهدى فيه إلى السادة والعظماء، والواجب أن أهدي سيدي الأكبر». ثم دعا بعشرة آلاف دينار، فقسمها على أهل الحرمين، فكانت فكرته في هذا، أحسن من فعله.
كتب سعيد بن حميد إلى بعضهم: «النفس لك، والمال منك. غير أني كرهت أن أخلي هذا اليوم من سنة، فأكون من المقصرين، أو أدعي أن في ملكي ما يفي بحقك، فأكون من الكاذبين. وقد وجهت إليك بالسفرجل لجلالته، والسكر لحلاوته، والدرهم لنفاقه، والدينار لعزه؛ فلا زلت جليلاً في العيون، مهيباً في القلوب، حلواً لأخوانك كحلاوة السكر، عزيزا بعد الملوك، لا تحسن أمنيتهم إلا بك، ولا زلت نافقاً كنفاق الدرهم».
وأهدى أحمد بن يوسف إلى إبراهيم بن المهدي، وكتب إليه:
«الأمراء، أعزك الله، تسهل سبيل الملاطفة في البر، فأهديت هدية من لا يحتشم إلى من لا يغتنم مالاً، فلا أكثره تبجحاً، ولا أقله ترفعا».
وقال: كتب الحسن بن وهب إلى المتوكل في يوم نيروز بهذه الرقعة:
«أسعدك الله، يا أمير المؤمنين، بكر الدهور، وتكامل السرور، وبارك لك في إقبال الزمان، وبسط بين خلافتك الآمال، وخصك بالمزيد، وأبهجك بكل عيد، وشد بك أزر التوحيد، ووصل لك بشاشة أزهار الربيع المونق، بطيب أيام الخريف المغدق، وقرب لك التمتع بالمهرجان والنيروز، بدوام بهجة أيلول وتموز، وبمواقع تمكين لا يجاوزه الأمل، وغبطة إليها نهاية ضارب المثل؛ وعمر ببلائك الإسلام، وفسح لك في القدرة والمدة، وأمتع برأفتك وعدلك الأمة، وسر بلك العافية، ورداك السلامة، ودرعك العز والكرامة، وجعل الشهور لك بالإقبال متصدية، والأزمنة إليك راغبة متشوقة، والقلوب نحوك سامية، تلاحظك عشقاً، وترفرف نحوك طرباً وشوقاً».
وكتب في آخره:
فداك الزمان، وأهل الزمانإمام الهدى بك مستبشرينا
وقد ألقوا إليك مقاليدهمجميعاً مطيعين، مستوثقينا
ولا زلت زيناً لأعيادناوللدين كهفاً وحصناً حصينا
يعز بدولتك الصالحونويشقى بك الشرك والمشركونا
فيا رب مشكلةٍ أبرقتفجللتها السيف حقّا يقينا
وسمت النصارى بشيطانهاوذللت منها الأغر البطينا
وكم فعلةٍ لك في المشركينأقرت عيوناً، وأبكت عيونا!
وكتب آخر:
المهرجان لنا يومٌ نسر بهيومٌ تعظمه الأشراف والعجم
وأنت فيه لنا بدر يضيء كماأن السماء ببدر الليل تبتسم
وكتب آخر:
عيدٌ جديدٌ، وأنت جدتهيا من به للزمان تجديد
لا زال طول الزمان يرجعهوظل ملكٍ عليك ممدود
وقيل للمازني: أي هؤلاء أظرف في شعره الذي يقول:
جعلت فداك، للنيروز حقٌفأنت علي أعظم منه حقاً
ولو أهديت فيه جميع ملكيلكان جليله لك مستدقا
فأهديت الثناء بنظم شعرٍوكنت لذاك مني مستحقا!
أم الذي يقول:
دخلت السوق أبتاعوأستطرف ما أهدي
فما استطرفت للإهداء إلا طرف الحمد
إذا نحن مدحناكرعينا حرمة المجد!
أم الذي يقول:
وكم من مرسل لك قد أتانيبما يهدي الخليل إلى الخليل
فأظهرت السرور وقلت: أهلاًوسهلاً بالهدية والرسول
فقال: أشعرهم جميعهم، وأظرفهم الذي يقول:
فو الله لا أنفك أهدي شوارداًإليك يحملن الثناء المبجلا
ألذ من السلوى، وأطيب نفحةمن المسك مفتوتاً، وأيسر محملا
وبعث سعيد بن حميد إلى أحمد بن أبي طاهر قارورة ماورد، وكتب إليه:
وزائرةٍ حوريةٍ فارسيةٍكنشر حبيبٍ حاد يوماً عن الصد
ترد ربيعاً في مصيفٍ بنفحةٍإذا فقدت ورداً تنوب عن الورد
حكى نشرها منه خلائق نشرهكنشر نسيم الروض في جنة الخلد
وشبهتها في صفوها بصفائهلإخوانه في القرب منه وفي البعد
وأهدت لنا منه النسيم نسيمةٌوإن كان إن حالت، يدوم على عهد
وعن إسحق بن إبراهيم الموصلي، قال: دار كلام بين الأمين، وبين إبراهيم بن المهدي؛ قال: فوجد عليه الأمين، فهجره، فوجه إليه إبراهيم بوصيفة مغنية مع عبد هندي، فأبى الأمين أن يقبلهما، فكتب إليه:
هتكت الضمير برد اللطفوكشفت هجرك لي فانكشف
فإن كنت تحقد شيئاً مضىفهب للخلافة ما قد سلف
وجد لي بعفوك عن زلتيفبالفضل تأخذ أهل الشّرف
فرضي عنه، ودعاه للمنادمة!! قال ابن حمدون النديم: افتصد المأمون، فأهدى إليه إبراهيم بن المهدي جارية، معها عود ورقعة فيها:
عفوت وكان العفو منك سجيةًكما كان معقوداً بمفرقك الملك
فإن أنت أتممت الرضى فهو المنىوإن أنت جازيت المسيء فذا الهلك
فقال المأمون: خرف الشيخ. يوم مثل هذا، يذكر الثواب والآخرة، فلا يقبل الوصيفة؛ واغتم إبراهيم، وكتب إليه مع الوصيفة:
لا والذي تسجد الجباه لهما لي بما دون ثوبها خبر
ولا بفيها، ولا هممت بها،ما كان إلا الحديث والنظر
فقال المأمون: «نعم الآن أقبلها»، فقبلها.
قال أبو القاسم بن أبي داود: كنت عند أحمد بن محمد العلوي، وقد افتصد، فخرج بعض الخدم، ومعه طبق من فضة، عليه تفاح طيب مكتوب حواليه بالذهب:
سر، الغداة، بوجهك اللغب،وجرى بيمن فصادك الطرب
وتداعت العيدان في زجلٍوتناولت راحاتها النخب
فأشرب بهذا الجام يا ملكيشرباً حثيثاً، إنه عجب
واجعل لمن قد خف في لطفٍمن زوره يخشى ويرتقب!
فقال للخادم: «أخرجها إلى الستارة»، فخرجت، وخلا ليلته بها.
وقيل: افتصد المعتصم، وأهديت إليه «شمائل» صينية عقيق، عليها قدح أسبل عليها منديل مطيب مكتوب عليه بالعنبر، في كل ربع منه بيت شعر:
خضب الخليفة كفه من فصدهبدمٍ يحاكي عبرة المشتاق
تاه الفصاد فما يقام لتيههإذ صار مفتصداً أبو إسحاق
وتوافت العيدان عند حضورهقب البطون، ذوابل الأعناق
ملكٌ إذا خطر الشراب ببالهلبس السرور غلائل الإشراق
فلما قرأه أمر بإحضار إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأمره أن يجعل له
لحناً، وأمر مسروراً بإخراجها من وراء الستارة؛ ثم لم يزل إسحاق يردد هذه الأبيات حتى احكمتها شمائل، وغنت، فكأن سقط الدر يتناثر من فيها؛ وأمر لإسحق بمال، وللجارية بخمس وصائف، وخمسة آلاف دينار.
قال المبرد: أهدى اليزيدي إلى الرشيد، يوم فصد، جام بلور، وشمامات غالية، وكتب إليه: يا أمير المؤمنين؛ تفاءلت في الشرب في الحمام بجمام النفس، ودوام الأنس، والغالية للغلو في السرور، ولا زدياد من الخير والحبور، وقلت:
دم الفصد من يدك العاليهيداعي لجسمك بالعافية
كسا الدهر ثوباً من الأرجوانبديع الطرازين والحاشية
وعصفر صفحة وجه الرّبيع،بصبع من أسراره الجارية
فكم روضةٍ نشرت وشيها،وزهرة روضٍ غدت زاهيه
إمامٌ أسال دم المكرماتفشجج أقتالها الحاميه
فلا زال في عيشةٍ راضيهودامت له النعمة الكافيه
قال اليزيدي: افتصد المأمون، فأهدت إليه: «رباح» أترجة عنبر عليه مكتوب بماء الذهب:
تعالج من هويت بفصد عرقٍفأضحى السقم في خلع الخضوع
وجاءت تحفة الأحباب تسعىبوردٍ فائضٍ فيض الدموع!
فقال المأمون لليزيدي: «ويحك، ما تقول فيمن كتب هذين البيتين» ؟ قال: «يكافأ بالدنيا وما استدق منها»، فأمر لها بمال كثير، ووصلني ببعضه.
قال: وافتصد عبد الله بن طاهر، فأهدى له «أبو دلف» جميع ما أصاب في السوق من الورد، وكتب إليه:
تضاحك الورد في وجهي، فقلت له:لم ذا؟ فقال: أبو العباس مفتصد؟
فقمت أطلب ما أهديه من طرفللفصد في السّوق، حيت خانني الجلد
يوم الفصاد له أزرٌ مطيبةٌمحجوبةٌ لا يراها الجرد والزرد
فاشرب على الورد مسرورا بطلعتهيابن الكرام، فأنت السيد النجد
قال عمرو بن بانة: اعتل المعتصم، فأشار عليه بختيشوع بالفصد، وأنا عنده، فأخرجت إليه هدايا الفصد، وكان فيما أخرج، طبق صندل مكتوب عليه بجزع، كما يدور عليه شمامات مسك وعنبر، فأمر بقراءة ما عليه، فإذا هو:
فصد الإمام لعلةٍ في جسمهفشفى الإله السقم بالفصد
وجرى إلى الطشت السقام مبادراًوجرى الشفاء إليه بالسعد
يا مالكاً ملك العباد بجودهإسلم، سلمت، بعيشة رغد!
فقال: يا عمرو! من يلومني على حب هذه الجارية، والله ما أراها إلا تزايدت في عيني، وخليقٌ أن تنجب، فإن لها همة». فولدت غلاماً، وكانت آثر جواريه عنده، وأحظاهن لديه.
وأخبرنا إبراهيم القارىء قال: كنت عند المأمون، فأحتاج إلى الفصد، فقال الأطباء: «البلد بارد»، فقال: «لا بد لي منه»؛ ففصدوه، فلما كان وقت الظهر، حضروا، فراموا فجر العرق؛ فإذا هو قد التحم، فشدوا الرباط، وفيهم (متحا) يدق، فما ظهر الدم، فقال لهم المأمون:
«عقرتموني»، فحلوا الرباط، وعلى رأسه بختيشوع وابن ماساويه، فقال:
ما تقولون» ؟ قالوا: «ما ندري ما نقول» ؟
قال: فأشاروا هناك إن جلالة الخليفة، ربما أدهشت الحاذق بالصناعة، والمتقدم في الرياسة؛ فاعتزلوا ناحية، وأبطأوا عليه، فقال لأسودٍ كان على رأسه: «أدن، فمص الجرح» ففعل، فثار الدم فقال: «أدع
هؤلاء الحاكة»، فجاؤوا، وشهدوا خروج الدم؛ قال: «أين كنتم» ؟ قال ابن ماسويه: «لو فعل جالينوس، ما زاد عليه».
قال: وافتصد أحمد بن عيسى بالري، وهو أميرها، فكتب إليه جعفر الشيباني:
فصدت بأرض الري، طاب لك الفصدوفارق نجم النحس طالعك السعد
فأعقبك الحسنى التي لا مدى لها،ولا زال برديك الجلالة والحمد
توردت الدنيا بفصدك مثل مابفصدك يابن المصطفى صحك الورد
فلا أبصرت عيناك ما عشت شانياًومن كل ما تهواه، لا خانك العهد
وفي مثله:
يا فاصداً من يدٍ جلت أياديهاونال منه الذي يرجوه راجيها
يد الندى هي، فارفق لا ترق دمهافإن آمال طلاب الندى فيها
قال: وكتب الحمدوني إلى الفضل بن جعفر، وقد افتصد:
ألا يا طبيب الفصد، هل أنت عالمٌبما صنعت كفاك في كف ذي المجد
أسلت دماً من ساعدٍ ينثني بهاحياءٌ ندى فاقصد بذرعك في الفصد
فداويت كفاً تعلم النّاس أنهادواء من اللأمحال في الزمن النكد
ولما أتانا المخبرون بفصدهأردت بأن أهدي على قدر ما عندي
وشاورت فاستصحبت آلي وجيرتيفلم أر أمرى من ثناءٍ ومن حمد!
وقال آخر:
تؤنق من ثنائك في الهداياغداة أردت فضل الباسليق
فلم أر كالدعاء أتم نفعاًوأجمل في مكافأة الصديق
وأكثرت الدعاء، وقلت: ربييقيك شرور آفات العروق
وقال آخر:
على طيب أيام التمتع بالوردفصدت، فأصبحت السلامة في الفصد
ولا زلت، لا زالت من الله أنعمٌعليك قرير العين، مغتبط الحسد
لقد رمت جهدي طرفةً وهديةًإليك، فكان الشكر أكثر ما عندي
وقال آخر:
أيها الفاصد العليل الصحيحبأبي ذلك الجراح الجريح،
إن من علق الدراع من الفصد إلى الجيد ذاك شيء مليح
أيها الفاصد المهنا له الوردوفي وجنتيه وردٌ يلوح
وقال آخر:
أيها السيد الذي فصد العرقوأرخى دوني ذيول السرور
كم تمنيت أن أكون طبيباًومنى الصب ترهات الغرور
وقال آخر:
أجمل، جعلت فداك، بالجلدوامنن علي بأجمل الرد
لو عاينت عيناك مضطربيوتفردي بالمد والشد
وتخشعي عند الطبيب كأنهمولى يريد عقوبة العبد
كالنار مبضعه يقلبهويدير مقلة حازمٍ جلد
حتى اعتزمت على محاجزةٍوصددت عنه أيما صد
ما كان من ألمٍ شعرت بهإلا كموقع شرطة الجلد
إذ سال منبعثاً سوابقهكالنار خارجةً من الزند
فسلمت والرحمن سلمنيذو المن والآلاء والحمد
ما بعد طباخي لمفتخرفخر لمن قبلي ومن بعدي
فأجاد صنعتها وعجلهامن غير ما تعبٍ ولا جهد
ونبيذنا صافٍ ومجلسنافي الطيب يحكي جنة الخلد
فهلم واحضر غير محتشمٍواجعل غذاءك، سيدي، عندي
لا تجمعن علي محتسباضعف العليل، ووحشة الفرد
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع