تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

بيوت المدينة

وقد كنّا نشاهد أثناء مرورنا في طرق المدينة وشوارعها أنّ البيوتات في معظم الجهات مبنيّة من حجارة منقوشة مزخرفة لا فرق في ذلك بين طبقاتها العليا وأدوارها السفلى، وقد أعجبني كثيراً ما رأيته من تلك النقوش البديعة المحفورة في نفس الأحجار بغاية الدقّة والإتقان. ومن ذلك عرفت أنّ لأهل هذا البلد مهارة فائقة وحذقاً عجيباً في صنعة النقش الحفري الّذي يظهر فضل الصانع فيه على الأحجار أكثر مما يظهر على غيرها، فكان ذلك مصدّقاً لما اشتهر عنهم منذ زمان بعيد. ثمّ رأينا في بعض أحياء البلد أبنية حديثة العهد على النمط الأوربي، ولم نستغرب أن نمرّ من شوارع البلد في بيوت على الطراز الجديد وأنّ سكانها أكثرهم من ثراة المسيحيين، وهناك حي آخر يسكنه جماعة اليهود.

وأنه ما كادت تشرق علينا شمس يوم الأربعاء ٤ ربيع الثاني سنة ١٣٢٨ حتّى كنّا تأهّبنا للسفر. وكان قد حضر إلينا جمّ غفير من أهل المدينة، فركبنا العربات من

باب الفندق إلى المحطّة. وهناك كان في انتظارنا زحام شديد من المودّعين الكرام، يتقدّمهم جميعاً عطوفة الوالي وأركان الولاية وأصحاب الحيثيات الكبيرة. وبعد أن تبادلنا السلام والشكر، وودّعنا من حضراتهم جميعاً بما لا يتّسع المقام لشرحه من التجلّة والتفخيم، نزلنا في الصالون الخاص وكانت المحطّة لا تزال تموج بالناس موجاً. وما هي إلا لحظة وتحرّك القطار في طريق حمص، وإذ ذاك لا أستطيع أن أعبّر عن سروري وابتهاجي بأولئك الحلبيّين الأفاضل الّذين لم يتركوا في سبيل راحتنا وانبساطنا شيئاً إلا فعلوه. وقد نزل معنا في القطار الوفد الّذي كان قد عين لاستقبالنا

في طرف الولاية عندما حضرنا، وما فتئ ابن البخار يتابع السير على عجل إلى أن وقف على محطّة حماة الّتي كان ينتظرنا على إفريزها صاحبا الوجاهة والفضل، زعيم أسرة الكيلانية الشهيرة ورئيس أسرة الأزهري، مظهرين لنا مزيد الأسف لما فاتهما أوّلاً وآخراً من نزولنا في بلدهم. وقد كانا يودّان كثيراً أن ننزل ضيوفاً عليهما، ولو زمناً يسيراً، فشكرتهما واعتذرت إليهما بضيق الوقت. وفي تلك الأثناء عرضت عليّ جملة خيل من الّتي اشتهرت عندهم بالقوّة والجلد والصبر على احتمال المتاعب والمشاق، فما وجدت فيها ما يروّجها من المحاسن والمميزات الّتي تعشق بها الخيل وتقتنى من أجلها الجياد. وهنا ودّعنا حضرات أصحاب السعادة والفضل، مرعي باشا وقومندان الجندرمة وبقيّة الوفد، وكررنا لهم شكرنا، وعدنا بأجمل الثناء على عطوفة الوالي الّذي بذل كلّ عنايته في إدخال السرور علينا من كلّ طريق. ثمّ تحرّك القطار متّجهاً إلى حمص الّتي وصلنا إليها، دون أن نشعر من هذا السفر بتعب أو قلق، بل كان ارتياحنا إلى تلك المدينة لا يقل عن ارتياح الإنسان إلى مسكنه ووطنه، لما كنّا نجده دائماً من لطف سعادة عبد الحميد باشا الدروبي وكرمه، خصوصاً بعدما تردّدنا على هذه البلد وأوينا إليها مرّة بعد أخرى. وحينما وصلنا إلى المنزل الّذي وصفنا جماله في

الدفعة الأخرى، حضر إلينا زائران: أحدهما شيخ كبير من المعروفين في ضواحي حمص بالصلاح والتقوى، والثاني أمير من أمراء المغرب، وهو نجل الأمير محمد المنبهي الّذي كان ناظر الحربية في مملكة مراكش فاستقبلناهما بما يليق بمقامها من الاحترام.

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حلب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.