من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
السفر من تل كلخ
وبعدئذٍ قدّمت لنا عربة سعادة عمر باشا الخاصّة الّتي كانت تنتظرنا في التل، فركبناها وركب معنا حضرة عزيزنا أحمد بك العريس. وكان أمام عربتنا، ومن ورائها، ثلّة من عسكر الجندرمة على الترتيب الّذي أسلفناه. وكان، خلف ركابنا مباشرة، عربة حضرتي الفاضلين علم الدين بك وشقيقه اللّذين جمعنا بهما حسن الحظّ في ذلك الموضع، وهمّا يقيمان الآن في مدينة طرابلس في جهة الميناء. وقد كانا قبل ذلك في مصر، ولهما نسبة خاصّة بالبيت الخديوي، منذ حياة المغفور له، ساكن الجنان، والدنا. ولذلك كان لعلم الدين هذا أمل وطيد في أن نكون ضيوفه مدّة إقامتنا في بلدهم، حتّى أنّه ألحّ كثيراً في دعوتنا إلى ذلك ولكنّنا كنّا أجبنا سعادة عمر باشا العكاري، الّذي كان قد سبقه بالدعوة، وهو الرأس الأكبر في قبائل العكاكرة والزعيم الوحيد الّذي إليه الرجع في شؤونهم وأمورهم. فلم يبق في الوسع إذ ذاك سوى الاعتذار إلى علم الدين بك العذر المقبول، غير أنّه أبى مع
هذا أيضاً إلا أن نتناول لديه طعام الغداء قبل مبارحة طرابلس. وقد أجبناه، حيث لم يكن ثمّت مانع، وشكرنا معروفه. ثمّ كان وراء عربتهما عربات أخرى يركبها أتباعنا مع المتاع. فسرنا تكلؤنا رعاية الله وتحوطنا عنايته، بينما كان الفرسان المتسابقون يحيطون بركابنا من جميع الجهات. وما برحنا بين هؤلاء الجموع ننحدر على طريق التلّ، والمناظر الطبيعية البديعة كانت حولنا، في طول ذلك الطريق المنحدر وما بعده، من أبهج ما نظرته العيون وانتعشت به الأرواح، إلى أن بدت لنا معالم طرابلس، قائمة على شاطئ البحر. وكنّا، ونحن سائرون، نستنشق في نسمات الشمال روائح ذكية تفوح علينا من أزاهير اللارنج والبرتقال، على مسافة ساعة من البلد تقريباً. وعندما كنّا والمسافة بيننا وبين المدينة تقرب من نصف الساعة، وجدنا في استقبالنا جمهوراً عظيماً من فرسان العكاكرة، حيث كانوا ينتظروننا في تلك الجهة، وعلى مقدّمتهم ذلك البطل الباسل سعادة عمر باشا العكاري، ممتطياً جواداً أزرق اللون محكم
الخلقة، فجاء إلى جانبنا وتبعه قومه، فالتقى الجمعان على هيئة الجيشين يلتقيان في ساحة الوغى وميدان النزال. ومن ذلك الحين، أخذ الاحتفال صورة جديدة ومظهراً رهيباً مهيباً. وقد استمرّ بنا السير على تلك الحال حتّى ترجّلنا عن مركباتنا عند بيت خارج المدينة، وهو منها على مسيرة بضع دقائق. إذ كان قد خرج عن البلد لاستقبالنا في ذلك البيت سعادة عاكف بك، متصرّف مدينة طرابلس في مقدّمة عدد كبير من رجال الحكومة وأعيان المدينة وعلمائها ووجهائها. وهناك مكثنا بعد أن تصافحنا وتبادلنا السلام والتحيّة، ريثما تناولنا القهوة والمرطّبات اللذيذة. وفي تلك الأثناء تقدّمت إلينا كريمة سعادة المتصرّف وأهدتنا باقة ورد جميلة، كانت تحملها بيدها اليمنى لذلك الغرض، فتقبلناها منها بقبول حسن وشكرنا لها هديّتها، كما شكرنا لوالدها وجميع الحاضرين إذ ذاك عنايتهم وكرمهم. ثمّ عمدنا إلى عربتنا وانتظم الموكب كما كان
أو أحسن، نسير من ذلك المكان بين صفوف الألوف من أهل المدينة والضواحي الّذين كانوا يختلفون بين رجال ونساء وكبار وصغار، وكلّهم كانوا يتزاحمون على رؤيتنا ويتسابقون إليها، على نحو ما يشاهد في الاحتفالات الكبيرة الّتي تشهدها الناس ويجتمعون لها من قريب وبعيد، حتّى كان يخيّل إلينا وقتئذ أنّنا نمرّ في حفلة المحمل المصري. وكذلك كان سيرنا طول المسافة حتّى وصلنا إلى بيت صاحب السعادة عمر باشا الّذي كان قد سبقنا إليه ليستقبلنا عنده هو وشقيقه وبقيّة أسرته الكريمة الّتي كانت كلّها من ذوات الرتب السامية والألقاب العالية. وقد وجدنا عند مدخل البيت من حفاوتهم وترحيبهم ما أنطق ألسنتنا بالثناء الجميل على أفراد هذه الأسرة الفخيمة من رأسها إلى ذنبها.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع