من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
حديث الأمير المغربي
وما كاد يستقرّ بالأمير مجلسه حتّى أخبرنا عن قصّته في أيّامه الأخيرة، فقال إنّه كان قائداً من قوّاد الروجي الّذي كثيراً ما ألحّ في حرب سلطان المغرب واشتدّ عليه، وأنّه كان من أجل ذلك يحارب في الجملة والده، ضرورة أنّه كان إذ ذاك وزير
الحربية وفي جند السلطان وعسكره إلى أن قال إنّ الروجي كان أرسله إلى السلطان عبد الحميد في مهمّة تخصّه، وبينما كان في إسلامبول لأداء تلك المأمورية، إذ فجع بخبر قتل الروجي في واقعة، فما زال بعد ذلك مقيماً هناك متحيّر الفكر لا يدري ماذا يصنع به، وقد عدم وليّه ونصيره. ثمّ قال: ومن سوء حظّي أيضاً أنّه كان معي في تلك الرحلة ولداي الصغيران وامرأتي، ولما أن ضاقت في وجوهنا أبواب المعاش وأسباب الرزق اضطررنا إلى الهجرة من إسلامبول إلى مدينة حمص. وما فتئنا مقيمين بها إلى هذا اليوم في أحد المنازل الصغيرة. هذا طرف من حديثه معنا. وكان أخبرني سعادة عبد الحميد باشا الدروبي أنّ هذا الأمير رفيع النفس، وقد حاول بعض المحسنين أن يصله ببعض المال فأبى، وما علمنا أنّه نزلت به نفسه وقتاً ما إلى قبول صدقة الناس ولا إحسانهم، وأنّه من وقت أن جاء هذا البلد وعرفناه إلى الآن وهو إنّما يعتاش من فضل مكسبه الّذي يستحصله من كدّه وعمل يده، فاستغربت قصّة هذا الأمير من حديث الباشا وقلت في نفسي: لله هذه العفّة النادرة من رجل غريب في تلك البلاد البعيدة. وإن مثله لو مدّ يده لأهل المروءة واليسار لنال من مالهم ما يجعله في
غنى عن الكدّ والكدح طول حياته، لأنّ الناس مدفوعون بطبيعتهم إلى معاونة أمثاله. وفي المجلس ناولني ذلك الأمير عريضة يرجوني فيها أن أتكلّم مع والده في طلب العفو عنه. أمّا أنا فما كدت أقرأ هذا الطلب في عريضته حتّى ارتبكت وتحيّرت في مسألته، إذ لم يكن يرضيني أن يعيش هذا الأمير وهو لا يزال غضّ الشباب تلك العيشة المرّة، ويقضي حياته الطويلة بعيداً عن بلده وأهله وأصحابه متجشّماً مصاعب العيشة، معانياً متاعب الحياة أشدّ ممّا يعانيه الفقراء البائسون. وإنّي لأرأف الناس به وأشفقهم عليه من حين بلغني تاريخه. ومن ذا الّذي يكون في قلبه مثقال ذرّة من الشفقة ولا يتألّم لهذا الأمير أو لا يريد أن يكرمه، وقد أصبح بعد العزّ ذليلاً وبعد الغنى فقيراً، وصار يعدّ من أفراد الناس وعامّتهم بعد أن كان لا يحسب إلا في أمراءهم وسادتهم وعظمائهم وقادتهم؟ ولكن ماذا عساني أن أصنع في مسألته، إذا كان لا يقبل منّة أحد عليه صغيراً أو كبيراً؟ كما أنّه ليس من المستطاع بوجه من الوجوه أن أخاطب والده في طلب العفو عنه بعد أن جرى بينهما ما كان جرى من المحاربة والمخاصمة. وما يدرينا؟ لعلّ في المسألة سرّاً أبعد من
كلّ ذلك. فإن والداً يقسو على فلذة كبده إلى حدّ أن لا يفرض له وجوداً طول هذه المدّة، ليس مما ينبني على أسباب بسيطة أو يترتّب على حوادث هيّنة. ولهذا لم أجد لي جواباً سوى السكوت، وقد كنّا بحسن المصادفة مطلوبين لتناول الطعام.
وحين بزغت شمس اليّوم الثاني جهّز لأجلنا أربع مركبات، كان من ضمنها مركبة سعادة عبد الحميد باشا الدروبي الخاصّة وثلاث من مركبات الإيجار، فركبت العربة الأولى ومعي سعادة الباشا المذكور. وركب حضرة عزيزنا أحمد بك العريس ومعه محمود خيري أفندي عربة بعدنا، أمّا العربتان الباقيتان فقد ركبهما
اثنان من توابعنا، ومع كلّ واحد منهما بعض المتاع الخاص بنا. وقصدنا إلى طرابلس حيث إنّه لم يمد إلى الآن خط حديدي يربط بين حمص وبين طرابلس ولا يزال المسافرون من هذه إلى تلك يركبون إمّا العربات أو الدواب. وعلى كلّ حال فإنّ السفر في هذا الطريق سهل، بل هو في المعنى أشبه بالفسحة الرياضية لما يصادف المسافر فيه من الأغراس اليانعة والأحراش الجميلة. ثمّ إننا قبل أن نتحرّك ودّعنا سعادة متصرّف المدينة وحضرات الحكام وأكابر القوم الّذين كانوا قد حضروا إلى دار سعادة الباشا لهذا الغرض، وشكرناهم وذكرنا لهم معروفهم في غير مرّة بغير عبارة. وبعد ذلك ابتدأنا السير، وكان أمام عربتنا أربعة من عساكر الجندرمة، وأربعة آخرون مثلهم من خلفنا. وما برحنا نواصل السير في ذلك الطريق حتّى وصلنا إلى سرادق جميل كان قد أعدّه لأجلنا بالخصوص حضرة المفضال محمود بك أحد زعماء مشايخ الدنادشة. وكانت مسافة مسيرنا منذ خرجنا من حمص حتّى وصلنا إلى هذه النقطة لا تبلغ أكثر من نصف ساعة.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع