تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

مسجد طيلان

هذا الجامع واقع في الجنوب الغربي من المدينة فأدينا الفريضة فيه. وكنّا نلاحظ أنّ المسجد على اتّساعه العظيم، كان غاصّاً بالناس. بل رأينا أنّ كثيراً منهم كانوا يصلّون خارجه لضيقه عليهم. ثمّ عمدنا إلى زيارة المخلفات المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فقبّلناها مراراً متبركين بها لنسبتها الشريفة، بينما كان رجال من أهل الطريق يقرؤون الأدعية والأوراد بصوت جهوري. ومن هناك خرجنا مشاة في أوّل السبيل، والناس مصطفّون على حافتي الطريق كأنّهم بنيان مرصوص، وأقدرهم إذ ذاك الّذي كان يظفر برؤيتنا ويظهر عليهم فيها. ثمّ جيء إلينا بالعربات تشق غمار المحتشدين وتأخذ طريقها من بينهم غصباً، فركبناها وقصدنا بيت حضرة الفاضل علم الدين بك لتناول طعام الغداء عنده، إجابة لدعوته السابقة. وهذا البيت كان في الميناء الّتي يوجد فيها جزء عظيم من المباني، لأنّ المدينة التي يطلق عليها اسم طرابلس تتألّف من الأبنية الواقعة على شاطئ البحر ومن تلك الأبنية الّتي ذكرنا أنّها على الهضبة بالقرب من بيت عمر باشا العكاري. وبين التل والميناء مسافة ربع الساعة تقريباً بمسير العربات، ويربط بينهما خط الترام العريض في طريق جميل يجد فيه المسافر على اليمين واليسار بساتين كثيرة وحدائق غنّاء، غرسها في الغالب من شجر اللارنج والبرتقال الّذي كان يملأ الجوّ بعبير زهره الفيّاح، وقد عرجنا في هذا

الطريق على بيت جناب القومندان فزرناه وشكرنا له همّته وجميله. وبعدما أكلنا هنيئاً

وشربنا مريئاً لدى حضرة علم الدين بك، قصدنا إلى مياه الميناء، ومنها نزلنا حتّى وصلنا إلى إحدى بواخر الشركة الخديوية. وقبل ذلك كنّا ودّعنا أصحاب السعادة: المتصرّف وعمر باشا وأخاه وغيرهم ممّن كانوا يرافقوننا في تلك المرّة، وشكرنا لهم جميعاً معروفهم ومجاملتهم مدّة إقامتنا عندهم. وحينما وصلنا إلى الباخرة وجدنا فيها خدمنا مع المتاع، حيث كانوا قد سبقونا إليها. وبعد بضع دقائق من نزولنا، أقلعت على بركة الله، وكانت الساعة وقتئذ اثنتين ونصفاً بعد الظهر. وممّن كان نزل معنا حضرة علم الدين بك وشقيقه، لمناسبة أنّ الأوّل كان مندوباً من قبل الشركة من جهة، ولكي يجد من مرافقتنا في طريق البحر إلى بيروت عوضاً له ممّا فاته من تلك الضيافة الّتي كان ألحّ علينا فيها إلحاحاً، وهو يتمنّاها من صميم فؤاده. وبعدما تحرّكت الباخرة ذهبت منّي اِلتفاتة إلى الشاطئ فوجدت على بعد بعيد سعادتي الفاضلين عمر باشا العكاري وأخاه آتيين إلى مرسى السفينة بسرعة يظنّ منهما أنّهما كانا يقصدان مرافقتنا في هذا السفر، ولكنّا كنّا قطعنا مسافة طويلة، وبهذا السبب لم يدركا غرضهم. اوعلى كلّ حال، فإنّي شاكر لهما هذه الهمّة القعساء والمروءة الشمّاء. أمّا وقد وصلنا إلى هنا فلابدّ لنا من كلمة على

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حلب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.