من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء الثاني (٤)
ويقال: خرج السهم متصمعاً إذا خرج وقد ابتلت قذذه من الدم. وقذذه: ريشه. المدان: الذي قد باع آخر شيئاً بنسيئة، والمدين: المنسىء، والدائن: صاحب الدين، وقعد منتسئاً أي متباعداً.
ويقال: تعارض القوم بئرهم إذا جعل هذا يستقي نوبة وهذا نوبة.
ويقال: قابل نعلك أي اجعل لها قبالاً، أي زماماً، وقبائل الرأس: قطعه المشعوب بعضها إلى بعض، وكذلك قبائل كل شيء. ويقال: مقتبل الشباب: إذا كان في أنف شبابه.
ويقال: قاومني فما أنصفني أي ما بلغ نصفي، وناصفني أي قاسمني، وأنصف النهار ونصف أي بلغ نصفه، والمنصف والناصف: الخادم، والنواصف: مواضع غليظة. ورجل مضبر الخلق أي ملزز الخلق.
ويقال: جبيت الخراج - وجبوت أيضاً - أجبي، وجبا جباوة وجباية، والأجباء: حروف الآبار، والجابية: الحوض.
ويقال: انهلت السماء واستهلت إذا سالت بالمطر، ويقال: أهللنا الهلال أي رأيناه، قال الشاعر:
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثلهكفى قاتلاً سلخي الشهور وإهلالي
وأهل الرجل إذا صاح، واستهل الصبي إذا صرخ عند الولادة، وأهل الهلال واستهل، ونحن في مستهل صفر، هذا هو العربية؛ ويقال: وهل فلان إلى ذلك الأمر يهل وهولاً أي ذهب إليه وهمه إليه، ووهل يوهل وهلاً واستوهل إذا فزع. واشرأب الرجل إذا تطاول لينظر إلى الشيء، واسمأل أي ضمر، وارفأن أي سكن وارفأن أي فزع، والوقر: الحمل الثقيل، والوقر: الصمم، والوقار: السكون.
شاعر:
ذهب التواصل والتعاطففالناس كلهم معارف
لم يبق منهم بينهمإلا التملق والتواصف
وعناق بعضهم لبعض في التساير والتواقف
لا تعقدن على الموددة للجميع ولا تكاشف
وابسط لهم وجه الموافق واطو كشح فتى مخالف
صارفهم عند المودة إنهم قوم صيارف
إني انتقدت خيارهمفالقوم ستوق وزائف
الستوق: ضرب من الزيف.
قال أعرابي يصف رجلاً: هو سكيت في بطش عفريت.
قيل لرجل: ما الكرم؟ قال: الاحتيال للمعروف، وقيل له: ما اللؤم؟ قال: الاستقصاء على الملهوف.
قيل لمزيد: في بيتك دقيق؟ قال: لا، ولا جليل.
حصر خطيب عند قوله: الحمد لله، فكررها، فقال مخنث كان بجنبه: الذي ابتلانا بك.
قيل لجحا: سل ربك النجاة من هول يوم القيامة. قال: ومن يبقة في هذه الدنيا إلى يوم القيامة؟! يقال: إذا أردت أن تمتحن دهن البلسان فخذ طاقة كراث واغمرها فيه وقربها من النار، فإن اشتعلت فهو غير مغشوش.
سمعت ابن عبدان الأهوازي يقول: استقبال الكلب إياك عند قصدك حاجة دليل على نجاحك فيها وقضائها.
وكتب آخر: لا عذر في غدر.
وكتب مفلس: اصبر فالدهر دول.
وقيل: كان على خاتم بزرجمهر: من لم يدار عيشه ضنك.
وقال قتيبة: إن الحريص ليتعجل الذلة قبل إدراك البغية.
وقال عون بن عبد الله: لا تكن كمن تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن.
شاعر:
ومطوي على حرقيكابد لوعة الأرق
كأن فؤاده قلقاًلسان الحية الفرق
تكاد غروب عبرتهتعم الأرض بالغرق
قال فيلسوف: كيف يرجو العقل النجاة، والهوى والشهوة قد اكتنفاه؟ وأنشد لابن المبارك:
حتى متى لا نرى عدلاً نسر بهولا نرى لدعاة الحق اعوانا
مستمسكين بحق قائلين بهإذا تلون أهل الجوز ألوانا
يا للرجال لداء لا دواء لهوقائد القوم أعمى قاد عميانا
قال فيلسوف: قهر البطن أعظم الحلم، فكن له ربا مالكاً، وإلا صار عليك والياً قاسطاً.
القاسط: الجائر، والمقسط: العادل؛ هكذا في القرآن الحكيم.
كتب كشاجم إلى بعض إخوانه يصف طباخاً جمع أشياء من آداب الطبيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، كتبت - أعزك الله - من المحل الجديب، والبلد القفر الذي أنا به غريب، عن سلامة الجوارح والحواس، إلا حاسة التمييز، فإنها لو صحت لما اخترت المقام بهذه المفازة، وأحمد الله ﷿ كثياً على كل نعمة ومحنة، ومن مصائبي - أعاذك الله ﷿ من كل مصيبة، وجنبك كل ملمة - أن نوحاً طباخنا توفي، فأرمضتني مصيبة، والمتنى فجيعته، وكان عنوان النعمة، وترجمان المروءة، وواسطة القلادة، فلهفي عليه، فلقد كان قوام جسمي، وزيادة شهوتي، وممتع زواري وأضيافي، أحذق أهل صناعته، وأبيتهم فضلاً، وأرهفهم سكيناً وأعدلهم
تقطيعاً، وأذكرهاهم ناراً، وأطيبهم يداً، ما أكاد أقترح عليه شيئاً إلا وجدته قد سبقني إليه، معب للموائد، ملبك للثرائد، مع كل حار وبارد، كأن مائدته رياض مزخرفة، أو برود مفوفة، مرتب للألوان، منظف للخوان، لا يجمع بين شكلين، ولا يوالي بين طعامين، ولا يغرف اللون إلا وضده، ينضج الشواء، ويحكم الحلواء، ويخالف بين طعام الغداء والعشاء، يكتفي باللحظة، ويفهم بالإشارة، ويسبق إلى الإرادة، كأنه مطلع على الضمير من الزائر والمزور، فأودى فقيداً حميداً، ليس مثله موجوداً طريفاً ولا تلبيداً؛ فما ظنك - أعزك الله - بمبتلى تجمع عليه فقد مثل هذه العقدة النفيسة، وتطاول الأيام بهذه الناحية الممحلة الموحشة، والله ﷿ لا أتقي إلا الشماتة، ولست في ثغر فأحتمل عاجل الضنك، ولا بإزاء عدو فيشغلني مقارعته وحلاوة الظفر به والنكاية فيه عن ملاذ الطعام، وأسأل الله ﷿ الكريم المنان أن يختار لي ويعجل مما أنا فيه راحتي، ويبدلني خيراً منه زكاة وأقرب رحماً، بجوده ومنه. وكتابك - أعزك الله - إذا ورد علي نفى عني هذه الوحشة، وأمن غب هذه الهفوة، فإن رأيت - جعلني الله فداك - أن تهدي لي براً وصلة، ووصلة وأنسة فعلت، إن شاء الله تعالى.
إبراهيم بن العباس:
إن الزمان وما ترين بمفرقيصرفاً الغواية فانصرفت كريما
وصحوت إلا من لقاء محدثحسن الحديث يزيدني تعليما
سألت فنن، وهي جارية أديبة، كانت من آدب الجواري في زمانها، سالماً المعروف باليتيم في مذاكرة جرت بينهما طويلة، فقالت: أي الأمور ألذ عندك؟ محادثة الرجال، أم استماع الغناء، ام الخلوة بالنساء؟ فقالت: سألت عن أمور لا تصلح إلا بثلاثة أشياء، فقالت: وما هي؟ قال: لا تحسن محادث الرجال إلا بحسن التفهم، ولا الغناء إلا بشرب النبيذ، ولا الخلوة مع النساء إلا بالموافقة وسعة القدرة، قالت: فما الذي تختار منهن؟ قال: محادثة الرجال.
شار:
وصاحب أصبح من بردهكالماء في كانون أو في شباط
ندمانه من ضيق أخلاقهكأنه في مثل سم الخياط
نادمته يوماً فألقيتهمتصل الصمت قليل النشاط
حتى لقد أوهمني أنهبعض التماثيل التي في البساط
وقال كشاجم: وليجتنب النديم الحديث الطويل الذي تتعلق به النفوس، ويحبس على آخره الكؤوس، فإن ذلك بمجالس القصاص أشبه منه بمجالس الخواس.
شاعر:
ما حثت الكؤوس بالأوتار
كحثها بالملح القصار
إن الأحاديث من السمار
أجلب للهو من العقار
وقال علي بن الجهم:
وليلة كأنها نهار
سهرتها وفتية أخيار
لا جاهل فيهم ولا ختار
ولا على جليسه هرار
لهوهم الأسمار والأشعار
وملح تقدح منها النار
بمثلهم تعاقر العقار
وتمتع الأسماع والأبصار
وتدرك الآمال والأوطار
قال نجاح للمتوكل لما دعاه إلى منادمته: في خصال لا تصلح معها منادمة الخلفاء، قال: ما هي؟ قال: سلس في البول، وتنحنح إذا حدثت، ولا أقدر من الشراب على أكثر من رطلين، فقال المتوكل: من حق صدقك عنها أن تسامح فيها.
قال آخر: أمتع الجلساء الذي إذا أجبته عجب، وإذا فكهته طرب، وإذا أمسكت تحدث، وإذا فكرت لم يلمك.
قال أبقراط: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع.
وقال آخر: خير الغداء بواكره، وخير العشاء بواصره، أي
المبادرة به في بقايا النهار وضوئه بحيث يتمكن مه البصر قبل الإمساء والدخول في حد الليل والدنو من النوم والسكون؛ هكذا قال كشاجم.
وقالك سأل المأمون اليزيدي عن أخلاق العباس ابنه، وكان قد أمره بتأديبه وعشرته فأخبره أنه لا يفلح وأنه لا همة له، فقال له: وكيف علمت ذلك؟ قال: رأيته وقد ناوله الغلام أشناناً ليغسل يده، فاستكثر ما وقع في يده منه، فرده في الأشناندانة ولم يلقه في الطست، فعلمت أنه بخيل لا يصلح للملك.
يقال: رئيس سنن العرب المضمضة والسواك والاستنجاء، ورئيس سنن العجم الخلال وغسل اليد قبل الطعام وبعده.
قال أعرابي: هو أملح من المداري في شعور العذارى.
ابن مطير:
أحب معالي الآخلاق جهديوأكره أن أعيب وأن أعابا
ومن هاب الرجال تهيبوهومن حقر الرجال فلن يهابا
ويروى للقدسي الكوفي يمدح الكتاب:
إن كنت تقصدني بظلمك عامداً فحرمت نفع صداقة الكتاب
السائقين إلى الصديق ثرى الغنىوالناعشين لعثرة الأصحاب
والناهضين بكل عبء مثقلوالناطقين بفصل كل خطاب
والعاطفين على الصديق بفضلهموالطيبين روائح الأثواب
ولئن جحدتهم الثناء فطالماجحد العبيد تفضل الأرباب
قال أمير المؤمنين علي ﵁: القناعة سيف لا ينبو، والصبر مطية لا تكبو، وأفضل عدة صبر على شدة.
أهدى أبو موسى الأشعري لعمر بن الخطاب ﵄ ألوانا من الخبيص، فقال له: ما هذا؟ قال: الخير عندنا كثير والمؤونة عندنا تخف. قال: هل أطرفت أحداً م أهل المدينة بشيء من هذا؟ قالك لا، قال: إياك أن يراه أغيلمة قريش فيضيقوا عليكم بلاداً كثيرة.
قيل لأعرابي أسرع في مسيرة: كيف كان مسيرك؟ قال: كنت
آكل الوجبة، وأعرس إذا أسحرت، وأرتحل إذا أسفرت، وأسير الوضع، وأجتنب الملع، فجئتكم لمسي سبع.
أنشد الحجاج تميم بن الحارث شعره في أخيه:
وسائل عن أخي فقلت لهمات حميداً وغير مشترك
أليس بالسيف لا ينهنههعن حومة الموت ضنك معترك
يمسي ويضحي عدوه وجلاًمن خوفه موفزاً على شرك
فقال له الحجاج: أنت والله أشعر من أعشى باهلة حيث يقول:
لا يأمن الناس ممساه ومصبحهمن كل اوب وإن لم يغز ينتظر
فصير صديقه وعدوه يخشاه، وخصصت أنت عدو أخيك دون صديقه. وهذا مما ينشد في نقد الشعر.
وفي كتب الهند: لا ظفر مع بغي، ولا صحة مع نهم، ولا ثناء مع كبر، ولا صداقة مع غضب، ولا شرف مع سوء أدب، ولا برمع شح، ولا اجتناب محرم مع غرض، ولا محبة مع هزؤ، ولا عذر مع إصرار، ولا راحة مع حسد، ولا سؤدد مع انتقام، ولا رئاسة مع غيرة وعجب، ولا صواب مع ترك المشاورة، ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة.
سئل ملك: أي مكايد الحروب أعظم؟ قال: إذكاء العيون، واستطلاع الأخبار، وإظهار الغلبة، وإفشاء السرور، وإماتة الفرق، والاحتراس من البطانة من غير استقصاء لمن يستنصح، ولا استنصاح لمن يستغش، ولا تحويل شيء عن شيء.
قيل لأعرابية: كيف حزنك على ولدك؟ قال: ما ترك لنا حب الغداء والعشاء حزناً.
شاعرك:
لعمرك ما النائي البعيد بنازحإذا قربت ألطاقه ونوافله
ولكنهما النائي البعيد محجبقريب ولا تهدى إلينا رسائله
وما ضرنا أن السماك محلقبعيد إذا جادت علينا هواطله
قيل لرجل من العرب كان يجمع بين ضرائر: كيف تقدر على جمعهن؟ قال: كان لنا شباب يظاهرهن علينا، ومال يصورهن لنا، ثم قد بقي لنا خلق حسن فنحن نتعايش به.
شاعر:
من ندى عاصم جرى الماء في العود ومن سيفه دماء الجراح
يتلقى الندى بوجه حييوصدور القنا بوجه وقاح
قائم السيف أخضر من نداهوعلى مضربيه سم الذباح
يقال: أعصرت المراة فهي معصر، مثل راهق الغلام.
يقال: الغسل: الخطمي، وقد تفتح الخاء أيضاً، والغسل: الماء به الميت، والغسل: الحنظل يدق فيسقاه الأسير فيسهله حتى يقتله.
يقال: ما الأل، وما البل، وما التل، وما الثل، وما الجل، وما الحل، وما الخل، وما الدل، وما الذل، وما الرل، وما الزل، وما السل، وما الشل، وما الصل وما الضل، وما الطل، وما الظل، وما العل، وما الغل، وما الفل، وما القل، وما الكل، وما المل.
أما الأل فمصدر أله يوله إذا أصابه بالحربة، وهو جمع ألة أيضاً وجمعه أيضاً إلال، ورجب منصل الأل: كانوا ينزعون فيه زجاج الرماح تعظيماً له.
وأما البل فمصدر بله يبله بلا، والرحم تبل، وهو استعارة، كأنها إذا وصلت بالإحسان والزيارة والتفقد فقد نديت وابتلت لأن الجفاف مذموم كريه؛ وقولهم بللت به أي ظفرت به منه، والمعنى ينظم هذا الفن ولكن بسبب لطيف.
وأما التل فمصدر تله يتله إذا صرعه، وفي الكتاب المعجز " وتله للجبين " الصافات:؛ والتل أيضاً ديون الجبل، وجمعه تلال.
وأما الثل فمصدره ثل الله عرشهم إذا قوضه، وثل هو إذا تقوض وتهدم.
وأما الجل فاللقط، ومنه الجالة والجلالة.
وأما الحل فالشيرج، هذا مسموع، وهو مصدر حله يحله إذا فرق أجزاءه.
وأما الخل فما يصطبغ به، والخل أيضاً الطريق في الرمل، والخل أيضاً مصدر خللت الكساء إذا ضممت بين طرفيه بعود حديد الطرفين؛ والخل أيضاً الشحت من الرجال، أي الخفيف اللحم، والخل أيضاً المحتل.
وأما الدل فهو الشكل - بكسر الشين - أي الملح والتغزل.
وأما الذل فكأنه مصدر ذل، والمسوع هو الذل.
وأما الزل فمصدر زل يزل.
وأما السل فمصدر سله يسله سلا، وهو السرقة، وسل السيف إذا شامه أي جرده، ويقال شامه إذا أغمده، وأغمده إذا أدخله في غمده أي جفنه، ومنه
استتلت سخيمة فلان أي استخرجت كامن حقده.
وأما الشل فالطرد، شل النعم والناس إذا ساقهم، والشلل آفة في اليد الشلاء تعطلها من التصرف، وهو استرخاء العصب وخدور الدم.
وأما الصل فمصدر صل اللحم وأصل إذا أروح وأراح، أي فسدت رائحته أي أنتن ونتن.
ومصدر أضل إضلال.
وأما الطل فاضعف المطر، وهو الندى الغامر من غير وقع المطر، ويقال طلت الأرض - بفتح الطاء - أي نديت، هذا الأعرب، وطل دمه أي بطل، ولا أدري كيف ينتظم اللفظان على معنى واحد إلا ان يتوهم الضعف في أخذ الثأر والقصاص كما توهم الضعف في الطل. وأما الطلل فما شخص من آثار الديار، والرسم مثله، وإلا أن الطلل أبين؛ وفلان ذو طلل إذا كان ذا منظر، ورأيت بدوياً بأثال سنة إحدى وستين، وكان يقال له مطلال، فقلت له: مم أخذ اسمك؟ قال: من إطلالي على العدو أي إشرافي عليهم، فقال له أميرك بن ميكال النيسابوري، وكان في الصحبة: ولم لا يؤخذ من الندى الذي هو الطل، كأنك تتندى من الطل على صحبك؟ فقال البدوي: إن الإطلال على
العدو أحب إلي منه أي من الطل على صحبي.
وأما العل فالقراد، وهو أيضاً مصدر علة وعلا وعللا، والعلل الاسم، وهو الشرب الثاني، ومنه قيل: علل بعد نهل.
وأما الغل فيقال غل فؤاده غلا إذا صار ذا غل، وهو أيضاً مصدر غل من الغنيمة غلا، والغلول الاسم، وهو الفوز ببعض الغنيمة على وجه الخيانة، وأما الغلل فالماء الجاري على ضاحي الأرض.
وأما الفل فالقوم المنهزمون، وهو أيضاً فلهم أي كسر حدهم فانفلوا أي ذهبوا، وقد قيل سيف أفل كأنه معود الضرب، وبه فلول من قراع الكتائب ومصاع المقانب.
وأما الكل فالثقل، وكذا قيل في الكتاب العزيز " وهو كل على مولاه " النحل: وكأن الحلال الذي هو الإعياء من المشي ثقل الأعضاء، والكلمة لأنها تثقل بما يشد عليها، والكليل كالكل، يقال: فلان كليل اللسان، وكل بصره كلولاً إذات فترت أجفانه واسترخت أهدابه، وقيل في قولهم ك لغنه مأخوذ من الجمع الذي هو الثقل لأنه كثير، وقيل: أهذ من الاشتمال والإحاطة، وهو ما قيل في الكلالة، كأنه تكلل النسب لأن الكلالة ما عدا الوالدين.
وأما المل فمصدر مله إذا أحماه، والملة الرماد الحار، وتسمى به الخبزة
المعرفة للبادية؛ ويقال: بفلان مليلة، أي ما يقلقه، والحرارة هي المقلقة وأما السكون فمبرد، وتململ من ذلك، والحمى يقال لها مليلة أيضاً، والملة من ذلك ولكن ضمها إلى الباب لطيف كأنها قوة حامية شملت القائلين بها والصائرين إليها والصابرين عليها.
هذا كله عن سماع ومناقشة وسؤال واستنباط معروض على أهل العلم، وما أبرئ نفسي مع ذلك من النقص والتقصير، وكيف أدعي غير هذا ووطني العجز، ومأواي الذل، وصفتي النقصان؟ هكذا جبلني الجابل، وعليه أخبرني المخبر، وإنما أنسب إلى الكمال لأنه وارد علي، وينسب إلي النقص لأنه صادر عني، فإضافة الكمال إلي استعارة، وإضاقتي إلى النقص حقيقة، وهكذا معيري والشامت بي والضاحك م خطأي، إلا من عصمه الله تعالى فأيده، ورحمه فسدده، فكن - أيدك الله - شاكراً لصواب ما يمر بك في هذا الكتاب، عاذراً في خطا ما يلوح لك، واعمل بحكم الحرية، وعصبية الإنسانية، في نش جميل أنت أولى بنشره، وستر قبيح انت أحق بستره، والسلام.
قال الخراباتي الصوفي: إلهي، لو قلت لي عبدي، كنت أرى ذلي، ولو كنت ذليلاً قطعت من همتي سرور إضافتي إليك، لأنك أجل من أن
يكون لك شيء ذليل؛ يا من إذا ذكرتني بأني عبدك أشهدتني مواضع ذلي، وإذا ذكرتني بأني أخبك أشهدتني مواضع عزي، وإذا وصفت نفسك بأنك قاضي الحاجات ذكرتني فقري، فمتى لا أرى نفسي في صفاتك، ومتى أكون لك بلا رؤية شاهدي؛ يا من بان أثري ثبت بالمحبة خبري، كيف لا أكون بلا انا مندرجاً في طي غيري؟ هذا كلام عويص، وإشارة دقيقة، وما أقدم على شرحه، ولو كان حقاً ظاهره مرفوعاً عند لطف باطنه، لتم الأنس به، وحلت الإشارة فيه، ولكن الصفو في هذا وفي غيره عزيز، وستصير من كلام هذه الطائفة المتصوفة إلى ما يجل عن الفهم، ولا يدق على المتفهم.
قال السري السقطي: صدق الانقطاع ألا يكون لك إلى غير الله ﷿ حاجة.
وقال صوفي: حقيقة الحياء من الله ﷿ حسن المراقبة له في السر والعلانية.
وقال الجنيد: معنى الحياء من الله حصر القلب عن الانبساط،
والامتناع من ظنون لا يرضاها الله، وعلامة المستحيي ألا يرى في مكان يستحي من مثله.
وقال يوسف بن الحسين: حقيقة الشكر لله أن يتولى الله شكره لنفسه عنك.
وقال آخر: من وفق للشكر فقد ظفر بموهبة هي أجل من النعمة.
وقال صوفي: الحزن يهد البدن، والشوق يهد القلب.
وقال ذو النون: حقيقة الأنس بالله الاستيحاش من القواطع عن الله.
وقال صوفي: من التوكل ألا تطلب لنفسك ناصراً غير الله تعالى، ولا لرزقك قاسماً غير الله، ولا لعملك شاهداً غير الله.
وقال يحيى بن معاذ: عجبت من ثلاثة: من رجل يريد تناول رزقه بتدبيره وهو يرى تناقض تدبيره، ورجل شغله هم غده عن غنيمة يومه وهو محتاج إلى يومه لأنه شاك في غده، ومن عالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط.
قال الجنيد: الحكمة تنهى عن كل ما يحتاج أن يعتذر عنه، وعن كل ما إذا عاب عمله من غيرك أحشمك ذكره في نفسك، قيل له: فبماذا تأمر الحكمة؟ قال: تأمر الحكمة بكل ما يحمد في البدء أثره، ويطيب عند الكشف خبره، ويؤمن في العواقب ضرره.
أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: معاشر المتوجهين إلي لمحبتي، ما ضركم من عاداكم إذا كنت لكم سلماً، وما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنت لكم حظاً؛ كيف يفقتر من أكون حظه، وكيف يشتوحش من أكون أنيسه، وكيف يذل من أكون عزه؟ وقيل لناسك: هل من شيء أفضل من البكاء؟ قال: نعم البكاء على البكاء.
قال الجريري: الجلوس للمناظرة سد باب الفائدة، والجلوس للمناصحة فتح باب الفائدة.
قال يحيى بن معاذ: العالم رأى الذنب في الخطيئة فنظر بالغلظة إليه، والعارف عرف موقعه منه فنظر بالشفقة عليه.
قال الجنيد: دخلت على السري وعنده رجل قد غشي عليه، قلت: ما له؟ قال: سمع آية من كتاب الله تعالى، قلت: فتعاد عليه، قال: فأعيدت فأفاق، فقال السري: من أين لك هذا؟ قلت: إن يعقوب ذهب بصره من جهة يوسف، فلما ألقي القميص عليه أبصر، فأخذت هذا من ذاك.
قال الجنيد: إذا أراد الله ﷿ أن يتخذ عبداً ولياً سلط عليه من يظلمه.
قال يوسف بن الحسين: الصدق في البكاء ترك ما منه يبكى.
وقال يوسف أيضاً: المراد من ثلاثة أشياء ثلاثة أشياء: من العلم استعماله، ومن المال إنفاقه، ومن الشرف التقوى.
قال صوفي: الحمد لله الذي قطع العلائق عن المنقطعين إليه، ووهب الحقائق للمتصلين به والمعتمدين عليه.
وقال رجل لناسك: ادع الله لي، فقال: نعم، ثم سأله الرجل: هل دعوت؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: نظرت إلى ما أولاك الله من غير سؤال فانقطعت عن الدعاء.
قال يوسف بن الحسين: علامة المطرود قيامه بالبيان والبرهان، وامتناعه من استعمال ما يصلح اللسان، فيكون الحق منه موجوداً، ويكون هو في الحق مفقوداً.
وقال الخواص: الناس في التوبة على خمسة أوجه: رجل مسوف بالتوبة مدافع عنها، قد اغتر بطول الأمل، ونسي هجوم الأجل، فهذا إن أدركه الموت أدركه على إصرار؛ وآخر تائب ما لم يجد شهوة، فإذا وجد ركب هواه، وأضاع المحاسبة لنفسه، فهذا مستوجب للعقوبة من الله ﷿؛ ورجل تائب بقلبه إلا أن نفسه تدعوه إلى شيء مما يكره، فهذا يحتاج إلى الأدب لنفسه، وفائدته على قدر مجاهدته؛ ورجل مدقق للحساب، قد قام على ساق مقام الخدم، فهذا مستوجب للعصمة من الله ﷿؛ ورجل قد هام به خوفه من ذنوبه فلم يبق فيه باقية، فهذا المتوحد بولاية الله ﷿.
وقال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي، حجتي عندك علمي بأن الحجة لك.
وقال يحيى: لحظ القلوب أسرع خطى من لحظ العيون.
وقال يحيى بن معاذ: على قدر الخروج من الذنوب تكون إفاقة القلوب.
وقال يحيى: وجود الشيء في فقده.
وقال يحيى أيضاً: خوفك من خلقه يوحش، وخوفك من الله يؤنس.
وقال يحيى أيضاً: رجوعك عن ذنب قد عملته إلى الله ﷿ خير لك من رجوعك إليه مع الصلف من بر قد أتيته.
قال ذو النون: عقوبة المربد احتجابه بالأحوال.
وقال الجنيد: العلم علمان: علم البسط، وهو من وحدة الواحد إلى غاية الكثرة، وعلم القبض، وهو من الكثرة إلى الوحدة.
وقال أبو سعيد الخراز: العلم ثلاثة: علم الصناعات في أنواع
المركبات، وعلم اللفظ في تأليف العبارات، وعلم التدبير في ضروب السياسات.
وقال رويم: العلم علمان: معقول ومنقول، فالمعقول أبدي والمنقول زماني، والمعقول أصل والمنقول فرع.
وقال ابن عطاء: العلم علمان: إيضاح وتلبيس، فالإيضاح من القلوب، والتلبيس من الألسنة.
هذه الطريقة - أيدك الله - شقيقة طريقة الفلاسفة الكبار، وهذه كتبهم في الإلهيات مملوءة بأخوات هذه الإشارات، ولولا أني رويت ما وجدت لشككت فيه، وفي الجملة الحكمة مشاعة بين الخلق، لا تنسب إلى جيل، ولا تقف على قبيل، وإنما حظوظ الخلق فيها على قدر مشاربهم منها.
وقال رجل من آل الحارث بن ظالم: والله لقد بلغني أن الحارث غضب يوماً وانتفخ في ثوبه، فندر من عنقه أربعة أزرار ففقأت أربع أعين من أعين جلسائه. وكان هذا الرجل مشهوراً بالكذب.
والكذب شعار خلق، ومورد رنق، وأدب سيء، وعادة فاحشة، وقل من استرسل فيه إلا ألفه، وقل من ألفه إلا أتلفه؛ والصدق ملبس بهي، ومنهل عذب، وشعاع منبث، وقل من اعتاده ومزن عليه إلا صحبته السكينة، وأيده التوفيق، وخدمته القلوب بالمحبة، ولحظته العيون بالمهابة.
وصف أعرابي رجلاً فقال: أخذ بزمام الكلام فقاده أسهل مقاد، وساقه أحسن مساق، حتى استرجع به القلوب النافرة، واستوقف به الأبصار الطامحة.
قال إسحاق الموصلي: قالت لي ديباجة الأعرابية: أنت بنغم ألفاظك - دون نغم ألجانك - تطرب إذا تكلمت، فكيف تراك تصنع إذا ترنمت؟! العرب تقول: نومة الضحى في الصيف مبردة، وفي الشتاء مسخنة.
وكان بعض أغبياء النساك آدر، فكان يكشف أنثييه للأنام ليضحكوا منه ويقول: اللهم ليس عندي ما أفرحهم به، فلا تنس لي هذا.
قال ابن المدبر، أنشدني ابن السكيت:
أقر الهموم إذا ضافت معتقةصهباء يحدث فيها الماء تفويفا
تكسو أصابع ساقيها إذا مزجتمن الشعاع الذي فيها تطاريفا
قال خالد بن صفوان: لسان الرجل أوجه شفعائه، وأنفذ سلاحه بين أعدائه، به يتصل الود، وينحسم الحقد.
أنشد أبو عبد الله النخعي الوراق:
وما زلت أقطع عرض البلادمن المشرقين إلى المغربين
وأدرع الخوف تحت الدجىوأستصحب الجدي والفرقدين
وأطوي وأنشر ثوب الهمومإلى أن رجعت بخفي حنين
فقير الصديق غني العدوقليل الجدا زاني الوالدين
إلى كم أعيش أخا غربةمقلاً من المال صفر اليدين
قال الخليل: الأسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف: حرف يبدأ
به، وحرف تحشى به الكلمة، وحرف يوقف عليه، نحو نصر وزيد؛ فإن صيرت البناء مثل: هل وبل وقد ولو اسماً، أدخلت عليه التشديد فقلت: هذه لو حسنة الكتبة، كقول أبي زبيد:
ليت شعري وأين مني ليتإن ليتاً وإن لوا عناء
وقيل لأبي الدقيش: هل لك في زبد وتمر؟ فقال: أشد الهل وأوحاه، فشدد الهل حتى جعله اسماً.
الرقاشي:
ماذا انتظارك باللذات والطربقل للسقاة صلوا الأقداح بالنخب
وأفرغوا الماء في راح معتقةما أحسن الفضة البيضاء في الذهب
وله أيضاً:
وأخ بعثت له السرور بقهوةسكنت سورتها بماء سماء
إن صفقت فعقيقة روميةوالصرف كاليافوتة الحمراء
وحبابها در أطاف بكأسهاوالكأس من كافورة بيضاء
قال جعفر بن محمد في دعائه: اللهم أنت بالذي أنت له أهل
من عفوك، أحق مني بالذي أنا أهل له من عقوبتك.
قال عمر: البكر كالبرة، تطحنها وتعجنها وتخبزها، والثيب عجالة الراكب، تمر وأقط.
قال فيلسوف: النظر محتاج إلى القبول، والحسب محتاج إلى الأدب، والسرور محتاج إلى الأمن، والقربى محتاجة إلى المودة، والمعرفة محتاجة إلى التجارب، والشرف محتاج إلى التواضع، والنجدة محتاجة إلى الحد.
بعث النبي ﷺ أم سلمة لتنظر إلى امرأة فقال لها: شمي عوارضها وانظري إلى عقبيها. قال الأصمعي: إذا اسود عقب المرأة اسود سائرها.
الرقاشي:
ألا لا تعذلاني قدوهبت للذتي نشبي
إذا ما الماء أمكننيوصفو سلافة العنب
صببت الفضة البيضاء فوق قراضة الذهب
قال فيلسوف: العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، إن تركته ضرك، وإن أكثرت منه قتلك؛ وأنشد:
بالملح يدرك ما يخشى تغيرهفما دوا الملح إن حلت به الغير
قال عمر بن الخطاب ﵁: يهلك العرب إذا انقطع عنها تقوى الإسلام وحمية الجاهلية.
قال بعض الأدباء: زعم المنجمون أن الهلال نجم نحس، وأجمع أهل العلم أن عامة حاجات الناس إنما تجري مع الأهلة: منها التاريخات كلها، ومحل الديون، وفراغ الصناع والتجار، ويوم الفطر، وآجال المستغلات، وقدوم الولاة، وزيادة المد ونقصان الجزر ما بين الصين إلى المذار.
أكل الخريمي عند رئيس وكسر له رغيفاً، فلما قعدوا يشربون رمى الرئيس عين الخريمي بتفاحة، فوضع يده على عينه وقال: جعلت فداك. دية رغيف عين؟! وأنشد بعض الشعراء:
سل جزعي مذ نأيت عن حاليهل خطر الصبر لي على بال
لا غير الله سوء فعلك بيإن كنت أرضيت فيك عذالي
رحمة بن نجاح:
يا من رضيت من الخلق الكثير بهأنت القريب على بعد من الدار
أعملت فيك المنى حلا ومرتحلاحتى رجعن المنى أنضاء أسفار
قال مزبد لسقاية مدنية كان يألفها وهو في جماعة: ادخلي صبي لنا ماء، قالت: وحياتك لا أصلي.
قال أبو العيناء: رأيت جارينتين قد طلع عليهما فتى حسن الوجه، فقالت الواحدة لصاحبتها: أرأيت أملح من هذا الفتى؟ قالت: هو مليح ولكنه زرنوق. فتقدمت وقلت: قد سمعت ما كنتما فيه، فما معنى زرنوق؟ قالت: نعم، الكبير البطن، الذي إذا قبل لا يدخل، وإذا أدخل لا يقبل. فبقيت مبهوتاً من قولها ومجونها.
قيل لجارية: أنت بكر؟ قالت: قد كنت، فعافاني الله.
قالت مجرية: لو أن حية افتض امرأة لنزعت نفسها إليه.
هجم رجل على امرأة وهي نائمة ودفع فيها فانتبهت مذعورة،
فقال لها: أيش تأمرين؟ أخرجه؟ قالت: دعه يذهب حتى أفكر في شيء.
قال الجماز: أقبلت أنيك جارية، فقالت: الكلوة، الخاصرة، الطحال، فقلت لها: إن كنت تريدين النيك فهذا هو، وإن كنت تريدين التعشير فعليك بالقصاب.
وقع ذو الرئاستين: كل مصيبة عند سخطك جلل، وكل نعمة عند رضاك محتقرة.
ووقع إلى قائد جيش: ما رأينا صنعاً أحسن، ولا نصراً أعز، ولا فتحاً أفضل، من نصثر الله إياك، وصنعه لك، وفتحه عليك، فتولى الله أمرك بأحسن مما ابتدأك به.
ووقع أيضاً: قد استدللت بتضجعك على مداهنتك، وبتقصيرك على ممالأتك، وفي أقل مما أقرعك به ما يردع هواك عما أنت عليه.
ووقع أيضاً: قد أعذرت إليك في التقدمة، فالزم المحجة، وتوق لزوم الحجة، وتوقع حلول المجازاة، إن شاء الله تعالى.
ووقع أيضاً: واتر كتبك، وأبرم الأخبار، واستعن بالله على تزيين نفسك، واحملها على الصيانة تسلم من قول العائب.
جحظة:
بأبي الزائر الذيزار بعد انقطاعه
كشف البدر للورىكشفه عن قناعه
لم أزل طول ليلتيساهراً في انخداعه
كلما رمت وصلهزادني في امتناعه
ثم ولى مودعاًحزني من وداعه
قيل لفيثاغورس الفيلسوفك بماذا يمكن الإنسان أن يقتدي بربه؟ قال: بأن يصطنع المعروف.
لفيثاغورس: شتمته امرأته وظلت تسمع به وتؤذيه وهو ساكت، فلما اشتد غيظها من سكوته أخذت غسالة ثياب كانت تغسلها فصبتها على رأسه، وعلى كتاب كان في يده، فرفع راسه وقال: اما إلى هذه الغاية فكنت تبرقين وترعدين، وأما الآن فقد أمطرت.
سموانيدرس رأى رجلاً يمدح نفسه على غلبته في الصراع، فقال
له: هل غلبت من هو أضعف منك أو من هو أقوى من؟ فقال: بل غلبت من هو أضعف مني، قال: فما هذا موضع مدح، وذلك أن كل واحد من الناس يغلب من هو أضعف منه، فقال له الرجل: بل غلبت من هو أقوى مني، فقال: هذا محال وباطل، فقال: بل غلبت من هو مساو لي، فقال: من غلبته لا يكون مساوياً لك.
آتى رجل إلى سقراطيس الفيلسوف فقال له: أنا في قلق دائم إن جلست او مشيت أو قمت أو استلقيت، فقال له: ما بقي لك إلا أن تصلب! قال رجل لسقراط: لم صار ماء البحر ملحاً؟ فقال للسائل: إن أعلمتني المنفعة التيب تنالك من علم ذلك أعلمتك السبب فيه.
قيل لسقراط: أي بهيمة أجمل؟ فقال: المرأة.
قال سقراط: إن الملك ألأعظم أن يملك الإنسان شهوته.
وقيل لسقراط: أي الأشياء ألذ؟ قال: الأدب والتعلم وسماع الأخبار.
قال سقراط: كما أن الأطباء بهم يكون صلاح المرضى وتخلصهم، كذلك بالشرائع يكون صلاح الجائرين.
قال سقراط: ينبغي أن يكون الإنسان في حداثته فاضلاً، فإن لم يكن ذلك ففي عنفوان شبابه، فإن لم يكن ذلك ففي شيخوخته.
لكلام هؤلاء القوم موقع عجيب وتأديب محمود، فلا تستوحش منهم فإنهم جنس من الفضلاء؛ نفعنا الله ﷿ بحكمهم، ووقانا شر ما يقال فيهم.
قال أعرابي: توبة المذنب اعتذاره.
وقال لقمان: معم الأدم الجوع.
قال حكيم الهند: الكريم يصول إذا جاع، واللئيم يصول إذا شبع.
قال أعرابيك ليس شيء أقعد برجل عن مكرمة من صغر همة.
شاعر:
وإذا مضى للمرء من أعوانهخمسون وهو إلى النهى لم يجنح
ركدت عليه المخزيات وقلن قدساعدتنا فأقم كذا لا تبرح
وإذا رأى الشيطان غرة وجههحياً وقال: فديت من لم يفلح
قال المدائني: وقع الطاعون بالكوفة، فخرج الناس وتفرقوا في النجف، وكان لشريح القاضي صديق خرج فيمن خرج، فكتب إليه شريح: أما بعد، فإنك بالمكان الذي أنت في بعين من لا يعجزه هرب، ولا يفوته طلب. وإن المكان الذي خلفته لا يعجل أحداً إلى حمامه، ولا يظلمه شيئاً من أيامه، وإنا وإياك لعلى بساط واحد، وإن النجف من ذي قدرة لقريب.
جلس سليمان بن عبد الملك للمظالم يوماً، فقام إليه رجل فقام: ألم تسمع قول الله ﷿ " فأذن مؤذن بينهم ا، لعنة الله على الظالمين " الأعراف: قال: فما خطبك أيها الرجل؟ قال: وكيلك اغتصب ضيعتي وضمها إلى ضيعتك الفلانية، قال: فضيعتي لك، وضيعتك مردودة إليك؛ وكتب إلى الوكيل برد ضيعته عليه وتسليم ضيعة سليمان إليه والأنصراف عن عمله.
وقال أعرابي: حاجب الرجل عامله على عرضه.
قيل لأعرابية: ما لك لا تحبين زوجك؟ قالت: لخصال كن فيه: خبيث العرق، قليل المرق، ضجعته انجعاف، وشملته التفاف، يشبع ليلة يضاف، وينام ليلة يخاف، ولا يقضيني أمري - أي الجماع.
قال أبو بكر الصديق ﵁: إذا كان المال عند من لا ينفقه، والسلاح عند من لا يستعمله، والرأي عند من لا يقبل منه، ضاعت الأمور.
قيل لشبيب بن شيبة المنفري وقد اشتد عليه حجاب المهدي:
يا أبا معمر، أنت مع شرفك وقدرك وجاهك وسعة ذات يدك، تذل نفسك هذا الذل؟ فقال: نذل لهم لنعز عند غيرهم، فإن من رفعوه ارتفع، ومن وضعوه اتضع.
قالت عائشة ﵂: في السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، وهو من السنة، تضاعف به الحسنات، ويعين على الحفظ، وينزع البلغم، ويجلو البصر، ويذهب بالحفر، ويشد اللثة، ويفصح اللسان.
قال ابن السماك: تبارك من خلق الإنسان فجعله يبصر بشحم، ويسمع بعظم، ويتكلم بلحم.
أنشد بشر بن موسى:
قد أرحنا واسترحنامن غدو ورواح
واتصال بلئيمأو كريم ذي سماح
وجعلنا الصبر مفتاحاً لأبواب النجاح
شاعر:
من كان للدهر خدناً في تصرفهأبدت له صحبة الدهر الأعاجيبا
من كان خلواً من التأديب سربلهكر الليالي على الأيام تأديبا
قال النبي صلوات الله عليه: ظهر المؤمن مشجبته، وبطنه جرايته، ورجله مطيته، وذخيرته ربه.
شاعر:
قوم إذا حالفتهملم تخش نائبة الصروف
وإذا وصلت بحبلهمحبلاً أمنت من المخوف
قوم تسيل دماؤهمبين الأسنة والسيوف
وقال ابن السماك في وصف الدنيا: طاعمها لا يشبع، وشاربها لا يروى، والناظر إليها لا يمل، ولم نر شيئاً أعجب منها ومن أهلها: يطلبها من هو على يقين من فراقها، ويركن إليها من لا يشك أنه راحل عنها، ويعتصم بحبلها من هو على أوفاز.
دخل الشعبي على الحجاج فقال له الحجاج: يا عامر، أدب وافر وعقل نافر، فقال: صدقت أيها الأمير، العقل سنخ والأدب تكلف،
ولولا أنتم معشر الملوك ما تأدبنا، قال: فالمنة لنا في ذلك دونكم، قال: صدقت أيها الأمير.
قال عطاء بن أبي رباح ليزيد بن معاوية: أغنني عن غيرك، قال: حسبك ما أغناك به معاوية، قال عطاء: فهو والله الحي وأنت الميت؛ فاهتز يزيد لكلمته وأمر له بجائزة.
قال بعض البخلاء: والله لا أكلت إلا نصف الليل، قيل: ولم اخترت ذلك؟ قال: يبرد الماء، وينقمع الذباب، وينام الصبيان، وتؤمن فجاءة الداخل، وصرخة السائل.
قال بعض الأدباء في رسالة له إلى أخ له: إنك من جوارحي يميني، ومن سوانحي يقيني.
ذكر أعرابي قوماً فسد ما بينهم بعد صلاح ومودة فقال: والله ما زالت عيون العداوة تنجم من صدورهم فتمجها أفواههم، وأسباب المودة تخلق في قلوبهم فتخرس عنها ألسنتهم حتى ما تجد للشر مزيداً، ولا للخير مريدا.
كتب أبو داود الوراق إلى أخ له، وأهدى إليه مقلمة: إذا كان اللطف دليل محبة، وميسم قربة، كفى قليله عن كثيره، وناب يسيره عن خطيره، ولا سيما إذا كان المقصود به ذا همة لم يستعظم نفيساً، ولم يستصغر خسيساً، وقد جعلك الله من هذه الصفة بأجل فضائلها، وأرفع منازلها.
وقال أبو بشر البرجمي: أنشد مسلم بن قتيبة قول الشاعر:
ذريني فما أعيا بما حل ساحتيأسود فأكفي أو أطيع المسودا
فقال: لله دره فما أدري في أي حالتيه هو أكرم، أحين يسود فيكفي، أو حين يطيع المسود.
قال يونس النحوي: لا تعادين أحداً وإن ظننت أنه لا يضرك، ولا تزهدن في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ينفعك، فإنك لا تدري متى تخاف عدوك وترجو صديقك، ولا يعتذر إليك أحد إلا قبلت عذره وإن علمت أنه كاذب، وليقل عيب الناس على لسانك.
للصولي:
إن يكن سار عائداً لدمشقوطواه كما طوى الشمس غرب
فهو للقلب حيثما كان ذكروهو للطرف حيثما دار نصب
كتب الحسن بن وهب إلى صديق له يعلمه صبابته إليه ووحشته لفراقه فقال: وقد قسمك الله بين طرفي وقلبي، ففي مشهدك أنس قلبي، وفي غيبتك لهو طرفي بذكر قلبي.
فكتب إليه: وقفت على الفصل الذي أخبرت فيه، فسيان عليك رأيتني أو لم ترني إذ كان بعضك يؤنس بعضاً فينوبوا عني، ولكني أراك فيخشع قلبي، وأغيب عنك فتدمع عيني، فشتان بين ما ساء أبده، ومن حزن أمده.
فكتب إليه الحسن: يا حانقاً على الجرة ثم تمثل يقول:
أعلمه الرماية كل يومفلما اشتد ساعده رماني
كان بعض أصحابنا ينشد: فلما استد، وهو قريب من الصواب، وقد رأيت من لا يختار غيره، وكلا المعنيين قريب.
قال المازني: سمعت أبا زبد الأنصاري يقول: لقيت أبا حنيفة فحدثني بحديث فيه: يدخل الجنة قوم حفاة عراة منتنين قد أمحشتهم النار، فقلت: قوم منتنون قد محشتهم النار، فقال: من أين أنت؟ فقلت: من البصرة، قال: أكل أصحابك مثلك؟ قلت بل أنا أبخسهم حظاً في العلم، فقال: طوبى لقوم أنت أبخسهم.
قال أبو محلم، قيل لجرير: إن الطرماح قد هجا الفرزدق وقد كبر وضعف، فلو أجبت عنه، فقال: صدى الفرزدق يفي بطيء كلها، وقد أردت ذلك فخفت أن يقال: قد اجتمع فحلاً مضر على مخنث طيء.
أنشد أبو ذكوان:
سقى دار ليلى حيث حلت وشققتعليهن من غر السحاب جيوب
فما يقشعر القلب عند حديثهاولكنه يحلو له ويطيب
قال ابن سلام، قلت ليونس: كيف ينشد:
ما تنقم الحرب العوان منيبازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي قال: على الثلاثة أوجه، بالرفع على الأستئناف، وبالجر على من، وبالنصب على الحال.
الرياشي قال: دخل أعرابي البصرة فاشترى خبزاً فأكله الفار فقال:
عجل رب الناس بالعقاب
لعامرات البيت بالخراب
كحل العيون وقص الرقاب
مخززات أحبل الأذناب
مثل مدارى الطفلة الكعاب
كيف لنا بأنمر الإهاب
منهرت الشدق حديد الناب
كأنما برثن بالحراب
يفرسها كالأسد الوثاب
عزى أعرابي رجلاً عن أبيه فقال: والله ما مات من خلفك، ولا خاب من أملك، ولا توحد من أهلك، إن من كنت بغيته لموفور، ومن كنت ثماله لمحبور، ومن كنت وليه لمنصور.
قال أبو هفان: قال المأمون لرجل رآه استضعفه: أبو من؟ قال: أبو القمرين، قال: الكاسفين، لو كان لك عقل كفاك أحدهما.
قال أبو حاتم السجستاني: كان رجل يحب الكلام ويختلف إلى حسين النجار، وكان ثقيلاً متشادقاً ما يدري ما يقول حيناً، ثم فطن له مكان يعد له الجواب من جنس السؤال، فينقطع ويسكت، فقال له يوماً: ما تقول - أسعدك الله - في حد تلاشي التوهمات في عنفوان القرب من درك المطال؟ فقال له حسين: هذا من وجود قرب الكيفوفية على طريق الحيثوثية،
وبمثله يقع التنافي والمجانسة على غير تلاق ولا افتراق، فقال الرجل: هذا يحتاج إلى فكر واستخراج، فقال له: أفكر فإنا قد استرحنا.
قال سعيد بن خالد اليماني: كان عندنا قاص يكنى بأبي خالد قال في دعائه: يا ساتر عورة الكبش لما علم من فضله وصلاحه، وهاتك عورة التيس لما علم من قذره وفجوره، استر علينا وارحمنا واهتك ستر أعدائنا. فقيل له: وما فضيلة الكبش؟ قال: لأنه يقال: كبش إبراهيم الذي فدى به ابنه، ولأنه يذبح في العقيقة، قيل: فما ذنب التيس؟ قال: يشرب بوله، وينزو على الشاة التي لم تستحق النزو، ويؤذي المسلمين بنتن ريحه، ويعلم الناس الزنا، وهو عيب على أصحاب اللحى الكبار؛ يقال: جاءني بلحية التيس.
رفع رجل من العامة إلى كسرى بن قباذ: إن في بطانة الملك جماعة قد فسدت نياتهم وخبثت ضمائرهم بقتله بزرجمهر، وقد هموا بما لم يفعلوا، وهم غير مأمونين على المملكة، منهم فلان وفلان، فإن رأى الملك أن يعاجلهم فعل؛ فوقع: إني إنما أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا
بالرضى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر.
ووقع في رقعة وكيل يستحثه على بناء قصر: أنت ماش والأوقات راكضة، والعمل باع والعناية فتر.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع