تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الرابع (٥)

فقال غزوان: أيش تقول لي يا ابن الطبردانة، أنا القدر والحدر الممزوج بالصخر، أنا أبو إيوان كسرى، حولت المجالس والمطابق، وقطعت أكباد الخلائق، أنا أخرق الصفين، وأضرب العسكرين، رفيقي صياح اللكم، وجعفر ابن الكلب، وموسى سلحة، وعيسى زكرة، وكردويه الباقلاني، وفروخ الشماط، ونفطويه المكاري، انقلوني ونور الله إلى الشاش وفرغانة، ردوني إلى طنجة وافرنجة وأندلس وأفريقية، ابعثوا بي إلى قاف، وخلف الروم، إلى السد وإلى يأجوج ومأجوج، إلى إلىموضع لم يبلغه ذو القرنين، ولم يعرفه الخضر؛ أنا شهدت الغول عند نفاسها، وحملت جنازة الشيطان غير جبان، أنا فرعون ذو الأوتاد إن لم أقبض روحك مشيت سبعة بلا راس، قطعت عروقي بكل خنجر، رضت عظامي بكل منجل، لو نخرت نخرة لخرت صوامع النصارى، وتحطمت قصور بني إسرائيل، لو عضني ونور الله الأسد

لفرس، ولو كلمني إبليس لخرس، ولو رآني العفريت لخنس، من ينطق بعد هذا؟ فقال طفشة: أنا قتلت ألفاً وأنا في طلب ألف، يا ابن الخادمة تهيأ لفرعون يا أخا القحبة، تقطب في وجهي، أو تقوم بقربي، أو تناظرني كلمة وكلمة، أما تعلم أن راسي مدور، ولحيتي خنجرية، وسبالي مفضلي، وآستي خرسا، وأنا مشهور في الآفاق بضرب الأعناق، لا يجوز علي المخراق، وأنا الربيع إذا قحط الناس، أنا الغني إذا كثر الأفلاس، أنا أشهر من العيد، سل عني الحديد، في المنطق الجديد، البيضة مني ونور الله، تسوى ألفاً، ولو حضنت خرج منها ألف شيطان؛ أنا شققت شدق النمر، وصيرت على الأسد الإكاف، أنا كلب أنبح، أنا السحر أنا الأمحران، أنا تنور يسجر، لصديق صديقي ورور من عنبر بن الجلندى، أنا ابن الجلندى كنكر بن الأشتر بن طاهر الأعور، إبليس إذا رآني مطى، لو كلمني رجل رأسه من نحاس، ورجليه من رصاص، أصفعه صفعة فأصبر أنفه قفاه، أنا السيل الهاطل، أنا المغيث الشاطر، أنا قلاع القناطر، أنا لم ألعب بك في الطبطاب، وأقسك قسو الصعو في الرطاب، اسم شيطاني سقلاب؛ أنا أقسى من الحجر، وأهدى من القطا، وأزهى من الغراب، وأحذر من العقعق، وأوله من الذباب، وألج من الخنفساء، وأحد من النورة، وأغلا من الدرياق، وأعز من السم، وأمر من العلقم، وأشهر من الزراقة؛ أنا الموج الكدر، أنا القفل العسر، راسي سندان، نابي سكين، يدي مطرقة حداد، أيش تقول؟ صادقني وسل عني، أنا صعصعة

الحي، أنا خير لك من غيري هو ذا وجهي إلى الآخر، لك حاجة إلى ربك؛ هوذا أجد ريح الدم، أيش ترون من ينطق؟ فسكت القوم وبادر الغلام وأخذ بيده وصادقه.

روينا - أيدك الله - هذا الكلام على ما به ليكون للنفس فيه استراحة، وللإنسان منه عبرة، فلا تعب علينا ذلك، فلو قد وفيتني حقي في محاسن ما دونت في هذا الكتاب لما ضرني مقدار ما خالف إرادتك وباين اختيارك، وقصر عن مدى مرادك. جعل الله هذا الكتاب لك طريقاً إلى الأستمتاع بهزله، والأنتفاع بجده، وختم عاقبتك بما يبلغك دار رضوانه، مستوجباً كريم غفرانه.

قال كسرى: اجتماع المال عند الأسخياء أحد الخصبين، واجتماعه عند البخلاء أحد الجدبين.

قال أبو العتاهية، قلت لعلي بن الهيثم: ما يجب على الصديق؟ قال: ثلاث خلال: كتمان حديث الخلوة، والمواساة عند الشدة، وإقالة العثرة.

قال عبد الملك بن صالح: مشاهدة الإخوان أحسن من إقبال الزمان.

قال أبو تمام: قلت لرجل من أهل الكوفة: أيسرك أنك جاهل ولك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قلت: ولم؟ قال: لأن يسر الجاهل

شين، وعسر العاقل زين، وما افتقر رجل صح عقله.

أنشد للرقاشي:

إذا كان النديم له حفاظفأهلاً بالمدام وبالنديم
وحسبك بالنديم إذا تخطاإلى الكتمان بالخلق الكريم

وقال الخريمي:

لما وجدت نديماً لا يخالفنيصيرت نفسي له عبداً بلا ثمن
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
وصار لي سكناً أحيا برؤيتهوصاحب الراح لا يحيا بلا سكن
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

لعلي بن الجهم:

ما زلت أطلب ندماناً أحادثهوأضرب الناس في بغداد بالناس
حتى وجدت نديماً لا يخالفنيسمح الخلائق يطوي الدهر بالكاس

لابن الحكم:

أنا مستغن عن الناس بندمان كريم
يقطع الدهر كلانابسرور ونعيم
إنما نستعذب الراح بأخلاق النديم

الخارجي:

تلطفت الأيام حتى تفضلتعلي بندمان كريم الخلائق
له سمت عدل واستكانة عاشقوهمة جبار وظرف الزنادق
مزجي به كأسي فصادف طعمهألذ وأشهى من ثمار الحدائق

خطب خالد بن عبد الله يوماً فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، تنافسوا في المكارم، وسارعوا إلى المغانم، وأشتروا الحمد بالجود، ولا تكسبوا بالمطل ذماً، ولا تعتدوا بمعروف لم تعجلوه، ومهما يكن لأحد منكم عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها فالله أحسن لها جزاء، وأجزل لها عطاء؛ وأعلموا أن حوائج الناس إليكم نعمة من الله عليكم، فلا تملوا النعم فتحور نقما، وأعلموا أن أفضل المال ما أكسب ذكراً، وأورث شكراً، ولو رأيتم المعروف رجلاً لرأيتموه حسناً جميلاً يسر الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم البخل رجلاً لرأيتموه مشوهاً قبيحاً تنفر عنه القلوب، وتغض دونه الأبصار؛ أيها الناس، من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، ومن لم يطب حرثه لم يزك زرعه، والفروع من مغارسها تنمو ومن أصولها تزكو.

أثنى رئيس وفد على ملك إذ انفلتت منه ضرطة، فالتفت إلى أسته فقال يخاطبها: مثل هذا الملك يصلح أن يثنى عليه بجميع الجوارح، ولكن إذا رأيت اللسان يتكلم فاسكتي؛ فضحك الملك وقضى حاجته.

تخاصم رجلان فأربى أحدهما على الآخر، فبينا هو كذلك إذ ضرط من شدة غضبه وهيجانه فقال: وهذا أيضاً في لحيتك يا فاعل، يا صانع.

قيل لرجل: ما فائدة الصفع؟ قال: هو أول منزلة من التواضع، وهو يحسن الخلق، ويحلي المرار، ويذهب بالصفار، ويحلل الخمار، ويؤمن البدن من الأقشعرار.

وقال آخر: الصفع تعلة ولكنه مذلة.

ويقال: الصفعان محبوب، والقواد مسبوب.

ويقال: الصفعان آمن نوائب الزمان.

وصف ابن القرية يوماً للحجاج فرساً فقال: أصلح الله الأمير، طويل الثلاث، قصير الثلاث، صليب الثلاث، حديد الثلاث، رحيب

الثلاث، عريض الثلاث، منيف الثلاث، أسود الثلاث، قال: فاستوى وكان متكئاً وقال: فسر أثلاثك أو لأضربن عنقك، قال: نعم أصلح الله الأمير، طويل العنق والسبيب والساق، قصير الظهر والعسيب والشعر، صليب الكاهل والدخيس والعجب، حديد السمع والقلب والمنكب، رحيب المنخرين والشدق والجوف، عريض اللبة والجبهة والخد، منيف القوائم والجوانح والقذال، أسود العين والحافر والذكر، قال: فعجب الحجاج منه، ووهب له ألف دينار.

لأبي مسلم الرستمي:

وبنفسي من إذا جمشتهنثر الورد عليه ورقا
وإذا مدت يدي طرتهأفلتت مني ودارت حلقا

وأنشد:

وسارية لم تسر في الليل تبتغيمناخاً ولم يقصر لها القيد مانع
تسير وراء الليل والليل ضارببأكنافه فيه سمير وهاجع
إذا وردت لم يردد الله وفدهاعلى أهلها والله راء وسامع
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
سرت حيث لا تجري الرياح ولم تنخلورد ولم يقطع بها البيد قاطع
تفتح أبواب السموات دونهاإذا قرع الأبواب منهن قارع
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
وإني لأرجو الله حتى كأننيأرى بجميل الظن ما الله صانع
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «سقى دارهم هام من السحب هامع»

كان بعض أصحابنا يطيل التعجب من هذا الشعر ويحكم بإحسان قائله، يريد الدعاء لله تعالى وقيل يصف دعوة مظلوم.

سئل دغفل عن بعض العرب فقال: أحداث قادة، وشباب سادة، وكهول ذادة، لهم الشرف الشامخ، والعز الباذخ، والكرم الصريح، والعنصر الفسيح، بهاليل أسخياء، غطارفة أغنياء، كرام أعفاء، لهم الأخلاق الطاهرة، والألباب الحاضرة، والوجوه الناضرة، بحار النيل، وأحلاس الخيل، يحملون المغارم والأثقال، ويجدلون الكماة والأبطال، لهم العز والجلد، والسياسة والعدد، شموس البلاد، وأقمار العباد، ونجوم في الناد، لهم في القلوب حلاوة، وعلى الوجوه طلاوة، أسد العرب إذا جثوا على الركب، وأكرمهم في الرضا والغضب، وأضربهم بالسيف المشطب، وأطعنهم بالرمح المكعب، عزمهم غير مخلخل، وشرفهم غير مزلزل؛ آفة البلاد إذا ركبوا، وغيث البلاد إذا أجدبوا، كهولهم غيوث، وشبابهم ليوث، ووقائعهم مشهورة، وأيامهم مذكورة، علا شرفهم فرجح، وطال عزهم فطمح، لهم السيوف البواتر، والرماح الخواطر، والأيد والعدة، والثراء والنجدة، أنجم الأندية، وأفاعي الأودية، هم الليوث الهواصر، والغيوث البواكر.

أنشد لسعيد بن حميد:

لقد ساءني أن ليس لي عنك مذهبولا لك في حسن الصنيعة مرغب
أفكر في ود تقادم بينناوفي دونه قربى لمن يتقرب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
وأنت سقيم الود رث حبالهوخير من الود السقيم التجنب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
تسيء وتأبى أن تعقب بعدهبحسنى وتلقاني كأني مذنب
وأحذر إن جازيت بالسوء والقلىمقالة قوم ودهم منك أجنب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
أمل اختياراً أو عرته ملالةفعاد يسيء الظن أو يتعتب
فخبت من الود الذي كنت أرتجيكما خاب راجي البرق والبرق خلب

قال أعرابي: نحن بأرض لا نريد بها بدلاً، ولا نبتغي عنها حولاً، لا يملولح ماؤها، ولا يتمعر جنابها، ليس فيها أذى ولا قذى، ولا وعك ولا حمى، فنحن بأرفه عيشة، وأخصب معيشة.

كاتب: نحن نستعطفك باعتزالك، ونستديم صلتك بجفائك، ونستكثر مناسمتك باجتنابك، ونرى الزيادة في العتب أدوم لجميل رائك.

كاتب: مثل لا ينبله من غفلة، ولا يوقظ من سنة، ولا يعرف من جهلة.

لما ظهر موسى ﵇ بمصر قال سقراط: نحن معاشر اليونانيين أقوام مهذبون لا حاجة بنا إلى تهذيب غيرنا.

أنشد:

ما كان أنضر عيشه وأغضهأيام فضل ردائه مسحوب
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

عبد الحميد الكاتب: أحب أن يعهد إليك في لطائف أمورك، وعوام شؤونك، ودخائل أحوالك، ومستطرف أشغالك.

كاتب: الحمد لله الذي لم يوحش منك ربعك، ولم يخل مجلسك في قومك، فلا أدبر عنك من الصحة ما أقبل إليك، ولا أقبل إليك من السقم ما أدبر عنك، وثبت لك العافية ومد فيها غضارة عيشك، حتى يقبضك على خير عمرك، وأحسن عملك.

قال أعرابي: كان فلان قوالاً بالحق، قواماً بالقسط.

كاتب: صحت قلوبكم من أمراض الخطايا، وبرأت أنفسكم من أسقام الذنوب، وطهرت ثيابكم من دنس الآثام.

كتب يحيى بن خالد إلى الرشيد من الحبس: يا أمير المؤمنين، إن كان الذنب خاصاً فلا تعم بالعقوبة، فإن الله تعالى يقول " ولا تزر وازرة وزر أخرى " الأنعام:.

كاتب: أما بعد فإنه ربما ضاق العذر على اتساعه، واتسع على ضيقه، وقوي على ضعفه، وضعف على قوته، وذلك بقدر ما يوافق من رأي

من يرد عليه، فمن مستقص محتج ومن مسامح موسع، يكون هذا المحتمل لصاحبه العذر والمحتج له من حيث لا يحتج لنفسه.

قال الشاعر:

إذا ما أتت من صاحب لك زلةفكن أنت محتالاً لزلته عذرا
للشاعر سالم بن وابصة الأسدي، من قصيدة «أُحِبُّ الْفتَى ينْفِي الْفَوَاحِشَ سَمْعُهُ»

قال أعرابي: اللهم لك الحمد على طول النية، وحسن النظرة.

وقال: الحمد لله الذي أباتنا نائمين وأنبهنا سالمين.

وقال آخر: الحمد لله فالق الإصباح، وباعث الأرواح.

قال هداف التميمي: الحمد لله على نوم الليل وهدوء العروق وسكون الجوارح وكف الأذى والغنى عن الناس.

قيل لأعرابي: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحتسب على الله الحسنة، ولا أحتسب على نفسي السيئة.

قيل لأبي مسمع الوتري: أخبرنا عن قولهم: عطشان نطشان وجائع نائع، قال: كلمة يشد بها الرجل كلامه.

نهى رسول الله ﷺ عن الغارفة، أي جز الشعر؛ يقال منه: غرف شعره.

كاتب: المصايب هدايا لقوم وبلايا على آخرين، فجعلك الله ممن غفل عنه فاستعمل الشكر عند الأتساع، والصبر عند الأرتجاع.

ابن المقفع: إن كان ما فجعت به اليوم من فقد ولدك أحزنك، ليسرنك أحوج ما كنت إلى السرور به، وأفرح ما تكون بمكانه، فأعظم الله أجرك، وأحسن صبرك.

قال كسرى لبزرجمهر: ما بال معاداة الصديق أقرب مأخذاً من مصادقة العدو؟ قال: لأن إنفاق المال أهون من كسبه، وهدم البناء أهون من رفعه، وكسر الإناء أهون من إصلاحه.

قال فيلسوف: العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلاً، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالماً.

كاتب: إن الله ﷿ جعل الدنيا دار بلوى والأخرى دار عقبي، فجعل بلوى الدنيا عوضاً فيأخذ ما يأخذ مما يعطي، ويبتلي إذا ابتلى ليجزي.

قال أعرابي: المودة من السلف ميراث بين الخلف.

قال آخر: لولا ظلمة الخطأ ما أشرق نور الصواب في القلوب.

قال فيلسوف: القلوب أوعية، والعقول معادن، فما كان في الوعاء ينفد إن لم يمده المعدن.

قال بزرجمهر: لا بد من العيب، ومن لا عيب فيه لا يموت.

قيل لأفلاطون: لم لا تجتمع الحكمة والمال؟ قال: لعزة الكمال.

قال فيلسوف: الدنيا فرس جموح فأطلقوا رسنها، وضعوا أرجلكم منها بحيث أمكن.

كاتب: قد كنت لنكبات الدهر مستعداً ولعداوته متخوفاً، فهل زاد على صدقك عن نفسك وآتاك ما كنت عالماً أنه يأتيك منه؟ فكيف تجزع وأنت تعلم أنه ليس لما وقع مرد، ولا لما ذهب مرتجع؟ قال فيلسوف: الكرام أصبر نفوساً، واللئام أصبر أبداناً.

قال رجل لفيلسوف: ما أبخر فاك!! قال: لا تعجب من هذا، فقد عفنت مساويك في صدري أفلا أخرجها ثم أعطيك شيئاً؟! كاتب: أما بعد، فالحمد لله الذي نجاه مما هنا من الكدر، وخلصه قبل الكبر، مما كان بين يديه من الخطر.

كتب غيلان إلى مروان: أعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها فإن ذلك هو الحزن والمصيبة العظمى.

قال بزرجمهر: يستحب من الخريف الخصب، ومن الربيع الزهر، ومن الجارية الملاحة، ومن الغلام الكيس، ومن الغريب الأنقباض.

يقال: الهوى شريك العمى.

قال فيلسوف: الهالك على الدنيا رجلان: رجل نافس في عزها، ورجل أنف من ذلها.

قال أعرابي: الحسود لا يسود.

وجد في كتاب لجعفر بن يحيى أربعة أسطر بالذهب: الرزق مقسوم، والحريص محروم، والبخيل مذموم، والحسود مغموم.

قال فيلسوف: من زاد أدبه على عقله كان كالراعي الضعيف مع غنم كثيرة.

لمنصور النمري إلى هارون: والله يا أمير المؤمنين ما وخزتنا

شوكتهم ولا أمضتنا قرحتهم، وإنما نحن حرمة من حرمك، وطرف من أطرافك، ننشدك الله أن لا تغضب لنا بأن لا تغضب علينا، وأن لا تنتقم فينا بأن لا تنتقم منا.

دخل سالم السندي على عمر بن عبد العزيز ﵀ فقال له: يا سالم، أسرك ما وليت أم ساءك؟ فقال: سرني للناس وساءني لك، قال: فإني أتخوف أن أكون أوبقت نفسي، فقال: ما أحسن حالك إن كنت تخاف، وإنما أخاف أنك لا تخاف، قال: عظني، قال: إن أبانا أخرج من الجنة بخطيئة واحدة.

كاتب: أتيتك وافداً بذنوبي على عفوك، واثقاً لعقوقي ببرك، لا مستظهراً عليك بشفيع قدمته، خلا تطولك بالعفو على الإخوان، وتفضلك عليهم بالإحسان.

قال هارون للفضيل بن عياض: ما أزهدك!! قال: أنت أزهد مني يا أمير المؤمنين، قال: كيف؟ قال: لأني أزهد في الدنيا وهي فانية، وأنت تزهد في الآخرة وهي باقية.

كاتب، يقال هو إسحاق بن يحيى، كتب إلى آخر يهنيه ببنت:

رب مكروه أعقب منفعة، ورب محبوب أعقب مضرة، وخالق المنفعة والمضرة أعلم بمواضع الخيرة.

قال فيلسوف: أعجب ما في الإنسان أن ينقص ماله فيقلق، وينقص عمره فلا يقلق.

كاتب، هذا يوم قد سبقت فيه العادة بإلطاف الأتباع للسادة، وكانت البضاعة تقصر عما تبلغه الهمة، فكرهت أن أمسك عن الهدية فأخرج عن حكم السنة، وكرهت أن أهدي فلا أبلغ مقدار الواجب، فجعلت هديتي أبياتاً وهي:

ولما أن رأيت ذوي التصافيتباروا في هدايا المهرجان
جعلت هديتي وداً مقيماًعلى صرف الحوادث والزمان
وعبداً حين تكرمه ذليلاًولكن لا يقيم على الهوان
يزيدك حين تكرمه خضوعاًويرضى من نوالك بالأماني

قال بعض الزهاد: العالم طبيب هذه الأمة، والدنيا داؤها، فإذا كان الطبيب يطلب الداء فمتى يبرأ غيره؟ قال آخر: لا يزال العبد بخير ما قال لله وعملا لله.

قال الأحنف: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من جاهل،

وبر من فاجر، وشريف من دنيء.

قال كسرى لبزرجمهر: أي الناس أحب إليك أن يكون عاقلاً؟ قال: عدوي، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنه إذا كان عاقلاً فإنك منه في عافية.

قيل لفيلسوف: ما العقل؟ قال: اعتدال الطبائع.

وقال فيلسوف: إذا فقد الإنسان العقل والتوفيق لم يصلح له شيء من أموره.

قيل لبزرجمهر: تعال حتى نتناظر في القدر، قال: وما أصنع بالمناظرة؟ رأيت ظاهراً دل على باطن: رأيت أحمق مرزوقاً، وعالماً محروماً، فعلمت أن التدبير ليس إلى العباد.

قال ابن أبي طاهر، حدثني أبو تمام قال: حدثني شيخ من كلب عن شيخ منهم قال: كنت مع يزيد بن حاتم بأفريقية، وكنت به خاصاً، فعرض عليه تاجر درعاً فأكثر تقليبها ومداولة صاحبها، فقلت له: أصلح الله الأمير، فعلام تلوم السوقة؟ فقال: ويحك، إني لست أشتري أدراعاً، إنما أشتري أعماراً.

قال أحمد بن يزيد حدثني أب عن عمه حبيب بن المهلب قال: ما رأيت رجلاً قط مستلئماً في حرب إلا كان عندي رجلين، وما رأيت رجلين حاسرين في حرب قط إلا كانا عندي بمنزلة رجل واحد.

قال علي ﵇: الحرص مقدمة الكون.

قيل لصوفي: لم لا تعمل عملاً؟ قال: إذا كان مستعملي قد أراحني فما وجه فضولي وتكلفي؟ شاعر:

إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسهشكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه»
وصار على الأدنين كلاً وأوشكتصلات ذوي القربى له أن تنكرا
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه»
فسر في بلاد الله وألتمس الغنىتعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه»

قيل لأعرابي: أيسرك أن تكون أحمق وأن لك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قيل: ولم؟ قال: لأن حمقة واحدة تأتي على مائة ألف درهم وأبقى بعدها أحمق.

قيل لصوفي: على من تعول في معاشك؟ قال: على لطف من

نقلني إلى الوجود من العدم، وتولاني في اليقظة والحلم.

كان أيمن بن خريم الأسدي مكيناً عند معاوية، وكان يكثر ذكر الجماع، وكان معاوية قد ضعف، فقال له يوماً: ما بقي من طعامك وشرابك وقوتك يا أيمن؟ فقال: آكل الجفنة الكثيرة الودك والعراق، وأشرب الزكرة العظيمة ولا أنقع، وأركض المهر الأرن فأحضر، وأجامع من أول الليل إل السحر. قال: فساءه ذلك وقدح في نفسه، وذلك أن فاختة كانت تسمع من وراء حجاب، فجفاه معاوية، فشكا أيمن ذلك إلى امرأته فقال له: لعلك أذنبت ذنباً أو أشعث سراً، قال: لا بالله ما لي ذنب، قالت: صف ما أنت أحدث عهداً به معه، فأخبرها الخبر، فقالت: هذا الذي أغضبه عليك، قال: فأصلحي ما أفسدت، قالت: كفيتك؛ فأتت معاوية فوجدته جالساً للناس، فدخلت إلى فاختة فقالت: ما لك؟ قالت: جئت أستعدي على أيمن إلىمعاوية، قالت: وما ذاك؟ قالت: ما أدري رجل هو أو امرأة، وما كشف لي ثوباً منذ تزوجني، قالت: فأين قوله لمعاوية كذا وكذا؟ قالت: ذاك الباطل، فأقبل معاوية فقال: من هذه؟ قالت: هذه امرأة أيمن جاءت تشكوه، قال: وما لها؟ قالت: زعمت أنها لا تدري أرجل هو أو امرأة، وأنه ما كشف لها ثوباً منذ تزوجها، قال: أكذلك؟ قالت: نعم، فرق بيني وبينه، فرق الله بينه وبين روحه، قال: أو خير من ذلك ابن عمك وقد صبرت عليه دهراً، فأبت، فلم يزل معاوية يطلب إليها حتى أسمحت،

فأعطاها وأحسن إليها؛ ثم إن أيمن دخل على معاوية فأنشده:

لقيت من الغانيات العجابالو أدرك مني العذارى الشبابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
يرضن بكل عصا رائضويصبحن كل غداة صعابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
إذا لم تنلهن من ذاك ذاكبغينك عند الأمير الكذابا
إذا لم يخالطن كل الخلاطأصبحن مخرنطمات غضابا
يميت العتاب خلاط النساءويحيي اجتناب الخلاط العتابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

قال خالد لبلال بن أبي بردة في كلام جرى: إن من سبقته فقد فته، وإن من سبقك فقد فاتك، فقال له بلال: فإنك قد سبقك أجلك أفتفوته؟ وقد سبقك رزقك أفيفوتك؟ فأفحم خالد.

قال المدائني: كان الحجاج حسوداً لا ينسى صنيعة إلا أفسدها، فلما وجه عمارة بن تميم اللخمي إلى ابن الأشعث وعاد بالفتح حسده، فعرف ذلك عمارة وكره منافرته، وكان عاقلاً رفيقاً، فظل يقول: أصل الله الأمير، أنت أشرف العرب، من شرفته شرف، ومن صغرته صغر، وبابن الأشعث وخلعه؛ حتى استوفد عبد الملك الحجاج وسار عمارة معه يلاطفه ولا يكاشفه، وقدموا على عبد الملك، وقامت الخطباء بين يدي عبد الملك في أمر الفتح، فقام

عمارة فقال: يا أمير المؤمنين، لقد أظهر الطاعة وأبلى الجميل وأظهر البأس من أيمن الناس نقيبة، وأعفهم سريرة؛ فلما بلغ آخر التقريظ قال عمارة: فلا رضي الله على الحجاج يا أمير المؤمنين ولا حفظه ولا عافاه، فهو الأخرق السيء التدبير الذي قد أفسد عليك العراق، وألب الناس عليك، وما أتيت إلا من خرقه وقلة عقله وفيالة رأيه وجهله بالسياسة، ولك يا أمير المؤمنين منه أمثالها إن لم تعزله، فقال الحجاج: مه يا عمارة، فقال: لامه ولا كرامة، يا أمير المؤمنين، كل امرأة لي طالق وكل مملوك لي حر إن سرت تحت راية الحجاج أبداً، فقال عبد الملك: ما عندنا شيء أوسع لك؛ فلما انصرف عمارة إلى منزله أرسل إليه الحجاج: إني لأظن شيئاً أخرجك إلى هذه المعتبة، فانصرف فلك عندي العتبى، فأجاب عمارة: إني ما كنت أظن عقلك بلغ بك كل ما أرى، أأرجع إليك بعد أن قلت لك عند أمير المؤمنين ما قلت؟ لا ولا كرامة.

قال ثعلب في المجالسات: إذا قلت: هذا الجيش مقبلاً أردت الشخص.

قال ثعلب، قال النضر بن شميل: سمعت أعرابياً حجازياً باع بعيره يقول: أبيعكه يشبع عرضاً وشعباً؛ والشاعب: البعير يهتضم الشجر من أعلاه، والعارض: الذي بيأكل من أعراضه.

قال ثعلب: المؤوب مثل المعوب هو المقور المأخوذ من حافاته؛ أوب الأديم وقوره واحد.

وقال ثعلب، قال إسحاق الموصلي: حدثني شيخ من بني أمية قال، قال سعيد بن العاص: ما وصلت من ألجأته إلى أن ينتح كما ينتح الحميت، يعني يرشح، والحميت: النحي المربوب.

قال، وذكر عن أبي صالح الفزاري أنه قال في وصف ناقة: إذا اكحالت عينها، وأللت أذنها وسجح خدها وهدل مشفرها وأستدارت جمجمتها فهي كريمة.

قال ثعلب: مات أبو طالب وخديجة ﵉ في عام واحد وهو عام الهجرة، فسماه رسول الله ﷺ عام الحزن.

وأنشد ثعلب:

لا تسأل الناس عن مالي وكثرتهقد يفقر المرء يوماً وهو محمود
أمضي على سنة من والد سلفتوفي أرومته ما ينبت العود
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
مطالب بتراث غير مدركهمحسد والفتى ذو الفضل محسود

قال ثعلب: الأقتماع: إدخال الرجل رأسه إلى داخل، والأختناث إخراج رأسه إلى خارج، ومنه حديث النبي ﷺ أنه نهى عن اختناث الأسقية.

قال ثعلب: وحدثني المأمون عن الزبير بن بكار قال: لما مات حرب بن أمية بالمدينة قالوا: واحرباه، ثم نقلوا فقالوا: واحرباه.

أصحابنا لا يرون هذا حقاً لكني رويت كما وجدت.

كتب الحسن بن وهب إلى الطائي الشاعر: أمتعني الله بما وفد علي من موافقتك، وبلوغ الوطر كل الوطر من انضمام إليك واجتماع بعينك زادك الله في النعمة بطول حياتك، وتراخي أيامك، وغفلة الدهر عنك، وعن حظي منك. كتابي بأبي أنت وأمي وطار في وتالدي، وكتابك في يدي، وفلان عندي، ونحن نصعد ونصوب في الشعر العجيب الذي أنفذته في درجه، وبيننا من ذكرك أطيب من روائح الرياض غب القطار، والحال سارة، والعافية شاملة، نحمد الله على النعمة، ونسأله حسن النماء والزيادة؛ وذكرت مشاركتك إياي في المصيبة، وما كان أحوجني حين طرقت الأيام بها أن تكون حاضراً فتربط قلباً، وتمسك صلباً، فإنها كانت حالاً وافت غريراً بها، شديد الغفلة عنها، حتى يكون كأنني لا أحسب الأيام على هذه الخليقة ولا الدهر على هذا العادة. فسبحان الله لهذا السهو الطويل، والتفريط الذي لا يشبه السفيه فضلاً عمن يجب أن يقال له عاقل حكيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ لا زالت أقدار السوء تسقط دونك، والردى يخطئك، وكلاءة الله تحضرك.

قال أبو حازم الأعرج: والله ما أنت بسابق أجلك، ولا بالغ أملك، ولا مرزوق ما ليس لك.

اشتكى عبد الرحمن بن زياد، فكتب إلى بكر بن عبد الله المزني يسأله أن يدعو له، فكتب إليه: حق لمن عمل ذنباً لا عذر له فيه، وخاف موتاً

لا بد له منه، أن يكون مشفقاً، وسأدعو لك، ولست أرجو أن يستجاب لي بقوة في عمل ولا براءة من ذنب، والسلام.

قال ابن أبلي طاهر، حدثني حبيب، يعني أبا تمام قال، قال أعرابي: من جاد بماله فقد جاد بنفسه، إلا يكن جاد بها فقد جاد بقوامها.

قال ابن أبي طاهر، وحدثني حبيب قال: حدثني شيخ من بني عدي بن عمرو قال: نزلت عندنا أحوية من طيء، فكنت أتحدث إلى فتى يتحدث إلى ابنة عم له وهو من أقرح الناس كبداً؛ قال: فسار فريقها الأدنى إلى الغور، وغبر في أهل بيته، فاشتد جزعه فقال: يا ابن عم، إن الصبر على المحبوب أشد من الصبر على المكروه.

وقال آخر: كنا مع أبي علي وأبي هفان، فجعل أبو هفان يتنادر بشيء من ذكر الخرا، فقال أبو علي لسعيد بن حميد: يا أبا عثمان لا تلمه، فإن ذبابته لا تطن إلا عليه.

وقال ابن أبي طاهر: رأيت أبا علي البصير وقد قام لعبيد الله بن يحيى فقال: يا أبا الحسن أراك الله في عدوك ما يعطفك عليه.

قال إنسان لأبي علي، حسني: أنت منحرف عن أهل البيت،

وأنت ترى أنك ترفض، فقال أبو علي: والله ما أعيا عن جوابك، ولا أعمى عن مسابك، ولكني أكون لنسبك خيراً منك له.

أنشد العتبي للنجاشي:

وأحلف ما شتمي لكم إن شتمتكمبسر ولا مشيي لكم بدبيب
ولا ودكم عندي بعلق مضنةولا سخطكم عندي بجد مهيب
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

كاتب: أما بعد، فإنه لا شيء أدل على مضمر جفاء، وقلة وفاء، من ترك الزيارة في المحضر، والمكاتبة في المغيب، وكل ذلك قد بدا لنا منك، فإن حملنا أمرك على سبيل الرأي، وسلكنا بك نهج الحزم، فقد صفرت أيدينا منك، وفقدناك من عدد إخوانك، وإن سامحنا فيك الهوى واتبعناه، وجرينا في عنانه وأطعناه، فعن قليل يصيرؤ الظن إيقاناً، والشك عرفاناً.

قال أعرابي: من هزل جواده في الرخاء قام به في الشدة؛ يقال: هزل غيره وهزل هو، وأهزل إذا هزلت ماشيته، والهزل منه، كأنه كلام غث ليس بسمين.

وأنشد:

لعمرك لم أبح لهم بسرجعلت بحفظه صدري ضنينا
ولكن رجموا ظنا فلماذعرت لظنهم علموا يقينا
ومن يرني نحيف الجسم أبكيبلا شك يظن بي الظنونا

قال ميمون بن مهران: الطالب في حيلة والمطلوب في غفلة، والناس منهما في شغل.

قال بعض البلغاء: إذا كنت ذا لسان قوي وقلب ذكي تحسن بهما تفصيل ما يكره أن يفصل، وتبلغ بهما توصيل ما يجب أن يوصل، فاذكر الزلل، وما نسب إليه المتكلم من الخطأ والخطل، وكن حذراً كأنك غر، وفطناً كأنك غافل، وذاكراً كأنك ناس، والزم الصمت إلى أن يلزمك التكلم، فما أكثر من يندم إذا نطق، وأقل من يندم إذا سكت.

شاعر:

روح فؤادك بالرضاترجع إلى روح وطيب
لا تيأسن وإن ألح الدهر من فرج قريب

كان محمد بن المنكدر يقول: اللهم قو فرجي لأهلي فإنه لا قوام لهم إلا به.

أهدى فلان إلى إسماعيل الأعراج فالوذجة زنخة وكتب: إني اخترت لعملها جيد السكر السوسي، والعسل الماذي، والزعفران الأصفهاني.

فأجابه: برئت من الله إن لم تكن قد عملت هذه الفالوذجة قبل أن تمصر أصفهان، وقبل أن تفتح السوس، وقبل أن يوحي ربك إلى النحل.

سئل الشعبي عن مسألة فقال: لا علم لي بها، فقالوا: ألا تستحي؟ فقال: ولم أستحي مما لم يستحي منه الملائكة حين قالت " لا علم لنا " البقرة: ؟ قال ابن الأعرابي: ما لهذا الغناء يخرج من جلجلان القلب إلى قمع الأذن؟ ويقال: ضربت لهذا الأمر حيزومي، أي عرفته وصبرت نفسي عليه.

يقال: فسكلت في كلامك إذا لحنت.

ويقال: فلان معصور منصور إذا كان للنعمة عليه آية وأثر.

ويقال: جمعت هذا المال من عسي وبسي؛ العس: الاحتيال، والبس: بلوغ الجهد.

ويقال: سمعت بذلك ولا أناث الآن مغيبه ومغتابه؛ وكان فلان ثمالاً أي مغتاباً.

قال إبراهيم بن شكلة: أفضل المغنين من رق صوته، وأطرب سماعه، ودام صوابه، وحسنت أداته. وأفضل الغناء ما كان في وصف شجى، أو تذكر سكن، أو نعت شوق، أو شكوى فراق، وأفضل النزهة وجه سماء، وصفوة هواء، وغدير ماء، وخضرة كلاء، وسعة فضاء.

قال فيلسوف: العاقل لا يتفل في بئر يشرب منها، والبار لا يلعن الصلب الذي خرج من متنه، والشاكر من لا يشتم الرحم التي اشتملت عليه.

قيل للحسين بن علي ﵄: ما الكرم؟ قال: التبرع بالمعروف، والإعطاء قبل السؤال، والإطعام في المحل.

قال المغيرة بن شعبة: الرجال أربعة، والنساء أربع: فإذا كان الرجل مذكراً والمرأة مذكرة كابدا العيش؛ وإذا كان الرجل مؤنثاً والمرأة مذكرة كان الرجل هو المرأة والمرأة هي الرجل؛ وإذا كان الرجل مؤنثاً والمرأة مؤنثة ماتا هزلاً؛ وإذا كان الرجل مذكراً والمرأة مؤنثة طاب العيش.

شاعر:

اليأس أبقى لماء الوجه من طمعوالصبر أفضل في المكروه من جزع
ولست مدرك شيء أنت طالبهإن كان شيئاً به الأقدار لم تقع

قال الأحنف: لم تزل العرب تستخف بأبناء الإماء حتى لحق هؤلاء الثلاثة: علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، فاستقل بنو الإماء ولحقوا بهم.

قيل لصوفي: ما صناعتك؟ قال: حسن الظن بالله وسوء الظن بالناس.

قال دغفل البكري: حمى النعمان ظهر الكوفة، قال: ومن ثم قيل: شقائق النعمان، فخرج النعمان يسير في ذلك الظهر فإذا هو بشيخ يخصف نعلاً فقال: ما أولجك ها هنا؟ قال: طرد النعمان الرعاء فأخذوا يميناً وشمالاً، فانتهيت إلى هذه الوهدة في خلاء من الأرض، فنتجت الإبل وولدت الغنم

وامتلأت بالسمن، والنعمان ممعتم لا يعرفه الرجل، قال: أو ما تخاف النعمان؟ قال: وما أخاف منه؟ لربما لمست بيدي هذه عانة أمه وسرتها فأجد كأنه أرنب جاثم، فهاج غضباً وسفر عن وجهه فإذا خرزات الملك، فلما رآه الشيخ قال: أبيت اللعن، لا تر أنك ظفرت بشيء، قد علمت العرب أنه ليس بين لابتيها أكذب مني، فضحك النعمان ومضى.

أتي زياد بن عبيد الله الحارثي وهو أمير المدينة بسلال خبيص هدية، فظن أنها فاكهة رطبة فقال: ضعوها وآدعوا مساكين المسجد، فلما جيء بهم وفتحت السلال إذا فيها الخبيص اليابس مما يبقى، فلم تسمح به نفسه فقال: اذهبوا بهؤلاء إلى السجن، قالوا: ولم أصلح الله الأمير؟ قال: لأنكم تقيلون في المسجد وتصلون بغير وضوء، قالوا: فإنا نحلف ألا ندخل المسجد أبداً.

قال صبي لمعلم يستفتحه: " إن أبي يدعوك " القصص:، فقال المعلم: هاتوا نعلي، قال الغلام: إنما أستفتحك، قال المعلم: أنكرت أن يفلح أبوك الكشخان.

يقال: من حكمة لقمان أنه كان مع مولاه حتى دخل الخلاء فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان: إن طول الجلوس على الحاجة تتوجع منه الكبد، ويكون منه الداء، ويصعد منه الحر إلى الرأس، فأجلس هوينا وأخرج هوينا، قال: فخرج مولاه وكتب كلماته على باب المخرج.

وأنشد:

يزين الشعر أفواهاً إذا نطقتبالشعر يوماً وقد يزري بأفواه
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
والمرء يرزق لا من حسن حيلتهويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
لا شيمتي تجتوى يوماً ولا خلقيوليس حبلي لمن صافيت بالواهي
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
ما مسني من غنى يوماً ولا عدمإلا وقولي عليه: الحمد لله

فصل للجاحظ: وقد صرت أهابك لفضل هيبتي له، واجترىء عليك بفرط بسطك، فمعي في ذلك حرص الممنوع، وخوف المشفق، وأمن الواثق، وقناعة الراضي، وبعد فما طلب ما لا يجاد به، وسأل ما لا يوهب مثله، ممن يجود بكل ثمين، ويهب كل خطير، فواجب أن تكون من الرد مشفقاً، وبالنجح موقناً.

نظر مخنث إلى مسجد لطيف نظيف فقال لآخر: أما ترى هذا المسجد ما أملحه، ولا يصلح والله إلا أن يحمل في السفر.

قال ثعلب، حدثنا أبو العالية قال: مر قوم من بني سليم برجل من مزينة يقال له نضلة، في إبل له، فاستسقوه لبناً فسقاهم، فلما رأوا أنه ليس في الإبل غيره ازدروه فأرادوا أن يستاقوها، فجالدهم حتى قتل منهم رجلاً وأجلى الباقين عن الإبل، فقال في ذلك رجل من بني سليم:

ألم تسأل فوارس من سليمبنضلة وهو موتور مشيح
رأوه فازدروه وهو خرقوينفع أهله الرجل القبيح
فشد عليهم بالسيف صلتاًكما عض الشبا الفرس الجموح
وأطلق غل صاحبه وأردىقتيلاً منهم ونجا جريح
ولم يخشوا مصالته عليهموتحت الرغوة اللبن الصريح

نظر مخنث إلى رجل يتبختر من ولد أبي موسى فقال: انظروا إلى من خدع أباه عمرو بن العاص.

قال أبو هفان، حدثني محمد بن حرب قال: دخلت على العتابي في منزله فإذا هو قاعد على مصلاه بلا تكأة وبين يديه شراب في إناء، وكلب

رابض في الفناء، وإذا هو يشرب كأساً ويولغه أخرى، فقلت له: سبحان الله، أنت في نبلك وهذا فعلك؟! قال: إنه يكف عني أذاه، ويمنعني أذى سواه، ويشكر قليلي، ويحفظ مبيتي ومقيلي، قال: فوصفه على البديهة بصفة لو كان غيري لتمنى أن يكون كلباً ليدخل في حسن جملة تلك الصفة.

قالت امرأة لحمصي كان تزوجها: يا أفطس يا كشخان؛ فسجد لله تعالى وقال: إن كنت صادقة فواحدة من الله تعالى والأخرى منك.

رأى أبو القمقام الهلال على وجه بصرية فقال لها: أضحكي في وجهي وخذي هذا الدينار مني، فاستظرفته وأخذت الدينار عبثاً، فقال: قد تفاءلت بوجهك فما لي عندك؟ قالت: أرد دينارك، قال: هذا كما كنا، فأين حلاوة الفأل وصدقه، فأعطته ديناراً، فقال: التجارة بركة والخديعة غنى.

لبعض المازنيين:

ختم الإله على لسان عذافرختماً فليس على الكلام بقادر
وإذا أراد النطق خلت لسانهلحماً يحركه لصقر نافر

رأى يحيى بن أكثم غلاماً أمرد حسن الوجه في دار المأمون

فقال: " لولا أنتم لكنا مؤمنين " سبأ:، فرفع إلى المأمون فعاتبه فقال: يا أمير المؤمنين، كان انتهى درسي إلى ذلك الموضع؛ فضحك منه.

قال أحمد بن أبي خالد: دخلت على المأمون وهو قاعد يصفي نبيذاً، فبادرت لأتولى ذلك فقال: مه! أنا أجد من يكفيني هذا، ولكن مجراه على كبدي فأحببت أن أتولاه بيدي.

قال عبيد الله بن زياد: نعم الشيء الإمارة لولا قعقعة البريد وتشزن المنبر.

قال الحسن ﵀: نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان الله عليه، وذنوب بني آدم أكثر من أن تسلم إلا ما عفا عنه.

شاعر:

نشرت غدائر شعرها لتظانيحذر العداة من العيون الرمق
فكأنها وكأنني وكأنهقمران باتا تحت ليل مطبق

كاتب: أفضل القول ما كان سداداً، وأفضل العقل ما كان رشاداً.

قال فيلسوف: الكلام فيما يعنيك خير من السكوت عما يضرك، والسكوت عما يضرك خير من الكلام فيما لا يعنيك.

دخل قوم منزل عابد فلم يجدوا شيئاً يقعدون عليه، فلما تولوا قال لهم: لو كانت دار مقام لاتخذنا لها أثاثاً.

قال كليلة: قد تصل النصال إل الجوف فتستخرج وتندمل جراحها، والقول إذا وصل إلى القلب لم يستخرج.

قال شبيب الخارجي: الليل يكفل الجبان ويصف الشجاع.

قال المأمون لطاهر بن الحسين: يا أبا الطيب، صف لي أخلاق أخي محمد، قال: كان واسع الطرب، ضيق الأدب، فقال: كيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب بالتبذير، ويفضها بسوء التدبير، قال: كيف كنتم له؟ قال: كنا أسداً تبيت وفي أشداقها علق الناكثين، وتصبح وفي صدورها قلوب المارقين.

شاعر:

فكم من أخي عقل ولب ومحتدتراه أخا جهد وبؤس يكالبه
وآخر لا يدري من العي والعمىمن أين تهب الريح تصفو مشاربه

قال بعض السلف: لا يجاهد الطالب جهاد المغالب، ولا يتكل على القدر اتكال المستسلم، فإن ابتغاء الفضل من السنة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً.

سئل ابن الأعرابي عن قولهم: فلان شديد العارضة، قال: منيع الجانب لا مطمع فيه.

قال ابن هبيرة لخالد القسري: فررت فرار العبد يا أبا المثنى، قال: نعم، حيث نمت نومة الأمة عن عجينها يا أبا الهيثم.

شاعر:

ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتيونال سواكم أجرها وأصطناعها
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة
أبى لك فعل الخير رأي مقصرونفس أضاق الله بالخير باعها
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة
إذا هي حثته على الخير مرةعصاها وإن همت بسوء أطاعها
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة

قال بعض الفرس: الناس أربعة: أسد وذئب وثعلب وضأن. فأما الأسد فالملوك يفرسون ويأكلون، وأما الذئب فالتجار، وأما الثعلب فالقوم المخادعون، وأما الضأن فالمؤمن ينهشه من رآه.

مدح أعرابي رجلاً فقال: هو أصح بصراً من العقاب، وأيقظ عيناً من الغراب، وأصدق حساً من الأعراب.

يقال: ثلاثة لم يمن بها أحد فسلم: صحبة السلطان، وإفشاء السر إلى النساء، وشرب السم في التجربة.

قال أعرابي لامرأته: أقام الله ناعيك، وأشمت بك أعاديك.

ذكر رجل عند أعرابي بشدة العبادة فقال: هذا والله رجل سوء، يظن أن الله ﷿ لا يرحمه حتى يعذ نفسه هذا التعذيب؟! قال أعرابي: من خولك نفسه، وملكك خدمته، وتخيرك لزمانه، وجب حقه وذمامه.

كان يقال: إنما يعد البخيل من يقرض إلى ميسرة.

يقال: الغالب بالشر مغلوب، وما ظفر من ظفر به الأثم.

ويقال: لكل شيء فحل، وفحل العقل مجالسة الناس.

قال مكحول في مرضه الذي قضى فيه: اللحاق بمن يرجى عفوه، خير من البقاء مع من لا يؤمن شره.

قال فيلسوف: الشكر محتاج إلى القبول، والحسب محتاج إلى الأدب، والسرور محتاج إلى الأمن، والقرابة محتاجة إلى المودة، والمعرفة محتاجة إلى التجارب، والشرف محتاج إلى التواضع، والنجدة محتاجة إلى الجد.

دعبل:

تمت مقابح وجهه فكأنهطلل تحمل ساكنوه فأوحشا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «تمت مقابح وجهه فكأنه»
لو كان بأستك ضيق كفك أو لكفك رحب دبرك كنت أكرم من مشى

كان معلم يقعد أبناء المياسير في الظل، وأبناء الفقراء في الشمس، ويقول: يا أهل الجنة، أبزقوا على أهل النار.

خاصم رجل امرأته إلى زياد، فشدد على الرجل، فقال: أصلح الله الأمير، إن خير نصفي الرجل آخرهما، يذهب جهله ويثوب حلمه

ويجتمع رأيه، وشر نصفي المرأة آخرهما، لسوء خلقها وحدة لسانها ولعقم رحمها، فقال: أسفع بيدها.

أنشد:

رب قوم غبروا من عيشهمفي نعيم وسرور وغدق
سكت الدهر زماناً عنهمثم أبكاهم دماً حين نطق

قال العباس بن الحسن العلوي: أعلم أن رأيك لا يسع كل شيء ففرغه للمهم من أمورك، وأن مالك لا يغني الناس كلهم فاخصص به أهل الحق، وأن أكرامتك لا تطيق العامة فتوخ بها أهل الفضل، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حوائجك فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك.

قالت الخنساء: النساء يحببن من الرجال المنظراني الغليظ القصرة، العظيم الكمرة، الذي إذا طعن حفر، وإذا أخطأ قشر، وإذا أخرج عقر.

لابن المكاري في ابن طاهر:

يا أيها الملك الذي في كفهصرف الزمان وصولة الحدثان
هل كنت إلا البحر صادف لجةفجرى بطوفان على طوفان
ولأنت أثقل إن وزنت من الورىمن أن يقوم بعدلك الثقلان

أنشد:

وكأس سبتها التجر من أرض بابلكرقة ماء الدمع في الأعين النجل
إذا شجها الساقي حسبت حبابهاعيون الدبا من تحت أجنحة النحل
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وكأس سباها البحر من أرض بابل»

نظر بعض الأعاجم إلى شيبة في عارضه فقال لنسائه: أندبنني إذ مات بعضي لأعرف كيف تندبنني إذا مات كلي.

قال فيلسوف: أربع خصال يهدمن البدن: دخول الحمام على البطنة، والجماع على الشبع، وأكل القديد الجاف، وشرب الماء البارد على الريق.

قال أعرابي في امرأة: خلوت بها والقمر يرينيها فلما غاب أرتنيه.

قال بعض الرافضة، قال جعفر بن محمد ﵄: يوم السبت يوم مكر وخداع، ويوم الأحد يوم عرس وبناء، ويوم الأثنين يوم سفر وابتغاء رزق، ويوم الثلاثاء يوم حرب ودم، ويوم الأربعاء يوم أخذ وإعطاء، ويوم الخميس يوم دخول على الأمراء وطلب الحوائج، ويوم الجمعة يوم خلوة ونكاح.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.