من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء السادس (٢)
حق، وما لك عليه لا يبطل ما له عليك، فعادت إلى السلاسة والرضا.
نظر عمر بن الخطاب إلى رجل يظهر النسك، متماوت، فخفقه بالدرة وقال: لا تمت علينا ديننا أماتك الله.
اعتذر رجل إلى سلم بن قتيبة من أمر بلغه عنه، فعذره ثم قال: يا هذا لا يحملنك الخروج من أمر تخلصت منه على الدخول في أمر لعلك لا تتخلص منه.
وكان الرشيد يأتزر في الطواف، فيدير إزاره ويباعد بين خطاه، فإذا رجع بيده كاد يفتن من رآه، فعند ذلك مدح وقيل فيه:
جهير الكلام جهير العطاسجهير الرواء جهير النغم
ويخطو على ألأين خطو الظليمويعلو الرجال بخلق عمم
قال يعقوب: يقال للرجل: صعد في الجبل وأسهل في الحضيض، وقال: يقال: صعد فيه البصر وصوب؛ وقال: الإيماض خطرات البرق.
لما قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك قام يزيد بن الوليد بن عبد
الملك فخطب وقال: والله ما خرجت أشراً ولا بطراً، ولا حرصاً على الدنيا ولا رغبة في المال، وما بي إطراء نفسي، وإني لظلوم لها إن لم يرحمني الله، ولكني خرجت غضباً لله ولدينه، وداعياً إلى كتاب الله جل وعز وسنة نبيه صلى الله عليه، إذ انهدمت معالم الهدى، وطفئ نور التقوى، وظهر الجبار العنيد مستحلاً كل حرمة وراكباً كل بدعة، لا يصدق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفيي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله ﷿ في أمره، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك بقوة الله وحوله، لا بقوتي وحولي. أيها الناس: إن لكم علي ألا أضع حجراً على حجر، ولا أستأثر بذهر، ولا أنقل مالاً من بلد إلى بلد، حتى أسد ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل شيء نقلته إلى البلد الذي يليه لأهل الحاجة إليه، ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل عل أهل جزيتكم ما يجليهم ويقطع نسلهم، وإن لكم عندي أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن وفيت لكم بذلك فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أف لكم فلكم أن تخلعوني، إلا أن تستتيبوني فأتوب، فإن علمتم أن أحداً يوثق من صلاحه، ويعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم وأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من بايعة ودخل في طاعته.
أيها الناس، إنه لا طاعة لخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء بنقض عهد الله تعالى، فمن أطاع الله فأطيعوه، فإذا عصى الله فهو أهل أن يعصى ويقتل؛ أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم، إنه واسع كريم.
قال فيلسوف: من نظر بعين الهوى حار، ومن حكم على الهوى جار.
قال أعرابي: ربما أبصر الأعمى رشده، وأضل البصير قصده.
قال يحيى بن خالد: من بر العامة مدح، ومن توقاها حمد، ومن حماها رأس، ومن نصب لها افتضح، ومن تتبع عيوب الناس سقطت مروءته.
قال عمر بن شبة، قال أعرابي سئل عن حاله: إن لي قلب نزوعاً، وطرفاً دموعاً، فما يصنع كل واحد منهما بصاحبه، على أن داءهما دواؤهما، وسقمهما شفاؤهما.
قال رجل لذي النون: دلني على عمل واختصره، فقال له: قف طرفك في آلاء الله وعظمته حتى كأنك مشاهد لمسألته، فإنك إذا فعلت ذلك حسمت عينيك عن النظر، وقلبك عن المطالبات للمعاصي بالفكر.
قال بعض النساك لجارية: ما أحسن ساعدك؟ قالت: أجل لكنه لمن يخص به، فغض بصر جسمك عما ليس لك حتى ينفتح لك بصر عقلك، فترى ما لك وما ليس لك.
وقال بعض الصوفية: عشق العين سريع الانحلال بطيء العودة، فاحذر أن يؤول بك إلى عشق القلب فيصعب المرام.
رأى سقراط رجلاً من تلامذته يتفرس في وجه أورجيا، وكانت فائقة الجمال، فقال له: ما هذا الشعل الذي قد منعك الروية والفكر؟ فقال: أتعجب من آثار حكمة الطبيعة في صورة أورجيا، فقال له: لا يصيرن نظرك مركباً لشهوتك، فيجمح بك في الوحول اللازبة، ولتكن نفسك منك على بال، فإن آثار الطبيعة في أورجيا الظاهرة تمحق بصرك، وإن فكرك في صورتها الباطنة يحد نظرك.
قال مسلم الخواص، قلت لمحمد بن علي الصوفي أوصني، فقال: إياك وإعمال النظر إلى كل ما دعاك إليه طرفك، وشوقك إليه قلبك، فإنهما إن ملكاك لم تملك شيئاً من جوارحك حتى تبلغ كرهاً ما يطالبانك به، وإن ملكتهما كنت الداعي لهما إلى ما أردت، فلم يعصيا لك قولاً، ولم يرداً لك أمراً.
نظر محمد بن سيار الصوفي إلى أبي المثنى الشيباني وقد كرر النظر فيوجه غلام أمرد فقال له: إياك وإدمان النظر، فإنه يكشف الخبر، ويفضح الستر، ويطول به المكث في سقر.
قال فيلسوف: العيون طلائع القلوب أرتج على عبد الله بن عامر بن كريز وهو على منير البصرة في يوم أضحى، فسكت ملياً ثم قال: والله لا أجمع عليكم عياً ولؤماً، من أخذ شاة من السوق فهي له، وثمنها علي.
قال أبو العنبس الصيمري: أنا وأخي توأمان، وخرجت أنا وهو من البصرة في يوم واحد وساعة واحدة، ودخلنا سر من رأى في يوم واحد، فولي هو القضاء، وصيرت أنا صفعان، فمتى يصح أمر النجوم؟ كان عبد الملك بن مروان إذا أراد أن يولي رجلاً عمل البريد سأل عن صدقه ونزاهته وأناته، ويقول: كذبه يشكك في صدقه، وشرهه يدعوه في الحق إلى كتمانه، وعجلته تهجم بمن فوقه على ما يؤثمه ويندمه.
كان حاتم إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا سوبق سبق، وإذا أسر أطلق.
لما قدم طلحة والزبير البصرة قام مطرف بن عبد الله بن الشخير خطيباً في مسجدها فقال: أيها الناس، إن هذين الرجلين - يعني طلحة والزبير - لما أضلا دينهما ببلدهما جاءا يطلبانه في بلدكم، ولو أصاباه عندكم ما زاداكم في صلاتكم ولا صومكم ولا زكاتكم ولا في حجكم ولا في غزوكم، وما جاءا إلا لينالا دنياهما بدينكم، فلا يكونن دنيا قوم آثر عندكم من دينكم، والسلام.
اشترى معاوية جارية وعنده صعصعة بن صوحان فقال له: كيف تراها؟ فقال: أراها فاترة الطرف، ذات شعر وحف، وفم ألمى كأقاحي تندى في رجراج الثرى، رضا العين مقبلة، وشفاء النفس مدبرة، إن تم منها شيء واحد، قال: ما هو؟ قال: المنطق إن عذب، فاستنطقت فلما نطقت
قال: شهي كمجاج نحل جني، فهل عنها يا أمير المؤمنين مزحل؟ فقال: أما دون أن نبلو الخبر ونقضي الوطر فلن تدركها.
سمعت بعض العلماء يقول: لا تكون المائدة مائدة حتى يكون عليها طعام، وإلا فهي خوان، ولا يكون الرمح رمحاً حتى يكون عليه سنان إلا فهي قناة، ولا تكون الكأس كأساً حتى يكون فيها شراب وإلا فهو قدح، ولا تكون الأريكة أريكة حتى تكون عليها حجلة وإلا فهو سرير، ولا تكون الذنوب ذنوباً حتى يكون فيها ماء وإلا فهي دلو، وكذلك السجل، ولا تكون الشعيلة شعيلة حتى يكون فيها نار وإلا فهي فتيلة.
قال يحيى بن خالد: احرس عقلك من شهوتك، وشيبك من عادتك، ونفسك من الآثام، وبدنك من الهموم، وصمتك من التيه، وكلامك من الزلل، ولا حراسة إلا بأناة.
قال أعرابي: اللهم اغفر لي، فإن عدت إلى الذنب فعد بالغفران قبل أن يفنى الأمل، وينقطع الأجل.
كاتب: كتب فلان محشوة من فصها إلى مقاطعها بذكرك وشكرك.
وأنشد:
هي الخمر في حسن وكالخمر ريقهاورقة ذاك اللون في رقة الخمر
فقد جمعت فيها خمور ثلاثةوفي واحد سكر يزيد على السكر
قال أبو العيناء: سمعت إبراهيم بن المهدي يقول: وذكر عفو المأمون عنه فقال: والله ما عفا عني تقرباً إلى الله، ولا صلة للرحم، ولكن قامت له سوق في العفو فكره أن تكسد بقتلي؛ قال: فذكرت هذا الحديث ليعقوب بن سليمان بن جعفر فقال: " قتل الإنسان ما أكفره " عبس:، أما المأمون فقد والله فاز بحفظها، كفر من كفر، وشكر من شكر.
قال الأصمعي: افتقر أعرابي وساءت حاله، فكان يسأل ويقول:
ألا فتى أروع ذو جمالمن عرب الناس أو الموالي
يعينني اليوم على عياليوصبية قد ضاق عنهم مالي
وساقهم جدب وسوء حالإليكم يا سادة الرجال
فقد مللت كثرة السؤالوالله يجزيكم على الإفضال
قال أبو العيناء، حدثنا الأصمعي قال: لما أفضى الأمر إلى معاوية تكافت الشعراء عن مدحه حتى بدر الأخطل ذات يوم وعليه ثوب خز ومطرف خز وعمامة خز، فركدبين الصفين ثم قال:
تسمو الوفود إلى إمام عادلمعطى المهابة نافع ضرار
وترى عليه إذا العيون شزرنهسيما الحليم وهيبة الجبار
فتهافت الناس بعده في مدحه.
قال الأصمعي: استأذن الشعبي على عبد الملك بن مروان وعنده الأخطل فأذن له، فلما مثل بين يديه قال: أنا الشعبي يا أمير المؤمنين، قال عن علم بك أذن لك، قال الشعبي: فعقدت أولة إلى أن قال: من أشعر الناس؟ فقال الأخطل: أنا ولم أعرفه فقلت: كذبت يا شيخ، امرؤ القيس أشعر منك، قال: صدقت، ولكن أمير المؤمنين سألني عن أهل زمانه فخبرته، فإذا كذبت امرءاً فاعرف ما خطب قولك، فعقدت في يدي ثانية أخطأت فيها، فنهض الشيخ فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين، فوجم، وعلمت أني قد أخطأت ثالثة، إذ صيرت أمير المؤمنين ولي مسألتي، فالتفت إلي عبد الملك فقال لي: هذا الأخطل؛ يا شعبي، لا يهولنك ما كان منك، فإن مع خطائك صواباً كثيراً.
قال الزبيري: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن الهيثم عن أبيه قال: كان المنصور ضم الشرقي بن القطامي إلى المهدي حين وضعه بالري، وأمره أن يأخذه بالحفظ لأيام العرب ومكارم أخلاقها ودراسة أخبارها وقراءة أشعارها، فقال له المهدي ذات ليلة: يا شرقي، ارح قلبي الليلة بشيء يلهيه، قلت: نعم أصلح الله الأمير، ذكروا أنه كان في ملوك الحيرة ملك له نديمان قد نزلا من قلبه منزلة نفسه عند نفسه، فكانا لا يفارقانه في لهوه وبأسه ومنامه
ويقظته، وكان لا يقطع أمراً دونهما ولا يصدر إلا عن رأيهما، فغبر كذلك دهراً طويلاً؛ قال: فبينما هو ذات ليلة في شغله ولهوه إذ غلب عليه الشراب فأثر فيه تأثيراً أزال عقله، فدعا بسيفه فانتضاه وشد عليهما فقتلهما، وغلبته عيناه فنام، فلما أصبح سأل عنهما فأخبر بما كان، فأكب على الأرض حزناً لهما وأسفاً عليهما وجزعاً لفراقهما، امتنع من الطعام والشراب، وتسلب عليهما، ثم حلف ألا يشرب شراباً يخرج عقله ما عاش، وواراهما وبنى على قبريهما قبتين، وسن ألا يمر بهما أحد من الملك فمن دونه إلا سجد لهما، وكان إذا سن الملك سنة توارثوها وأحيوا ذكرها وأوصى بها الآباء أعقابهم؛ قال: فغبر الناس بذلك دهراً لا يمر بالقبر أحد صغير ولا كبير إلا سجد لهما، فصار ذلك سنة لازمة، وأثراً كالشريعة والفريضة، وحكم في من أبى أن يسجد لهما بالقتل بعد أن يحكم له في خصلتين يجاب إليهما، كائناً ما كان؛ فمر بهما يوماً قصار ومعه كارة ثيابه، وفيها مدقته، فقال الموكلون بالقبرين للقصار: اسجد، فأبى أن يفعل، فقالوا: إنك مقتول، فأبى، فرفع إلى الملك وأخبر بقصته فقال: ما منعك أن تسجد؟ قال: قد سجدت ولكن كذبوا علي، قال: الباطل قلت، فاحكم في خصلتين فإنك تجاب إليهما وإني قاتلك، قال: ولا بد من قتلي بقول هؤلاء؟ قال: لا بد من ذلك، قال: فإني أحكم أن أضرب رقبة الملك بمدقتي هذه ضربتين، قال له الملك: يا جاهل، لو حكمت علي بما يجدي على من تخلف كان أصلح، قال: ما أحكم إلا بضربة لرقبة الملك، فقال الملك لوزرائه: ما ترون فيما حكم هذا الجاهل؟ قالوا: نرى أن هذه سنة أنت سننتها، وأنت تعلم ما في نقض السنن من العار والبوار وعظيم الإثم، وأيضاً فإنك متى نقضت سنة نقضت أخرى، ثم يكون ذلك لمن بعدك، فتبطل السنن، قال: فاطلبوا إلى القصار أن يحكم بما شاء ويعفيني من هذه فإني أجيبه
إلى ذلك ولو بلغ شطر ملكي، فطلبوا إليه فأبى فقال: ما أحكم إلا بضربة في رقبته، فلما رأى الملك ما عزم عليه القصار قعد له مجلساً عاماً، وأحضر القصار فأبدى مدقته فضرب بها عنق الملك ضربة وخر الملك مغشياً عليه، فأقام وقيذاً ستة أشهر، وبلغت به العلة حداً كان يجرع فيها الماء بالقطن؛ فلما أفاق وتكلم وطعم وشرب سأل عن القصار، فقيل له إنه محبوس، فأمر بإحضاره وقال: قد بقيت لك خصلة فاحكم فإني قاتلك لا محالة، فقال القصار: فإذا كان لا بد من قتلي فإني أحكم أن أضرب الجانب الآخر من رقبة الملك ضربة أخرى، فلما سمع بذلك الملك خر على وجهه من الجزع فقال: ذهبت والله إذن نفسي، ثم قال للقصار: ويلك دع عنك ما لا ينفعك فإنه لا ينفعك ما مضى، فاحكم بغيره أنفذه لك كائناً ما كان، قال: ما أحكم إلا في ضربة أخرى، فقال الملك لوزرائه: ما ترون؟ قالوا: هذه السنة، قال: ويلكم، إنه والله إن ضرب الجانب الآخر لم أشرب البارد أبداً، لأني أعلم ما قد مر بي، قالوا: فما عندنا حيلة، فلما رأى ذلك قال القصار: أخبرني، ألم أكن سمعتك تقول يوم جاء بك الشرط إنك سجدت وإنهم كذبوا عليك؟ قال: قد كنت قلت ذلك فلم أصدق، قال: فكنت قد سجدت؟ قال: نعم، فوثب من مجلسه وقبل رأسه وقال: أشهد أنك أصدق من أولئك وأنهم كذبوا عليك، فانصرف راشداً، فحمل كارته ومضى.
فضحك المهدي حتى فحص برجليه وقال: أحسنت والله، ووصله وبره
قال يونس بن عبد الأعلى: قدم على الليث بن سعد منصور بن
عمار يسمع الحديث منه، فقال له: إني قد أتيت شيئاً أريد أن أعرضه عليك، فإن كان حسناً أمرتني أن أذيعه، وإن كان مما تكرهه انزجرت، قال: ما هو؟ قال: كلام الفقه ومواعظ القصاص، قال: ليس شيء غير القرآن والسنة، وما خالف ذلك فليس بشيء، قال: فتستمع وتتفضل، وكان عنده جماعة فأشاروا عليه بان يسمع منه، فابتدأ بمجلس القيامة، فلم يزل الليث يبكي ومن معه، وأمره يذيعه ولا يضمره، ولا يأخذ عليه أجراً، ووهب له ألف دينار.
يقال إن منصور بن عمار كان كاتباً لأبي عبيد الله كاتب المهدي.
قال الزبير بن بكار: كانت الخيزران كثيراً ما تكلم موسى في الحوائج، وكان يجيبها إلى كل شيء تسأل عنه، حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته فانثال الناس عليها وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها؛ قال: فكلمته يوماً في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلاً، فاعتل فيه بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فإني تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك، قال: فغضب موسى وقال: ويلي على ابن الزانية، وقد علمت أنه صاحبها، والله لقضيتها لك، قالت: إذن والله لا أسألك حاجة أبداً، قال: إذن والله لا أبالي، وغضب، وقامت مغضبة فقال: مكانك تستوعبي كلامي، والله، وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله ﷺ،
لئن بلغني انه وقف أحد من قوادي وخاصتي وخدمي على بابك لأضربن عنقه ولأقبضن ماله، فمن شاء فليرم ذلك من هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم؛ أما لك مغزل فيشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك، إياك ثم إياك ما فتحت فاك في حاجة لملي أو ذمي والسلام. قال: فانصرفت وما تعقل ما تطأ، ولم تنطق عنده بحلو ولا مر بعدها.
قال أبو العيناء: كتب زنقاح الهاشمي - وهو محمد بن أحمد بن علي بن المهدي - إلى طبيبه: والك يا يوحنا، وأتم نعمته عليك، قد شربت الدواء خمسين مقعداً، والمغص والتقطع يقتل بطني، والرأس فلا تسل عنه، مصدعاً بعصابة منذ بعد أمس، فلا تؤخر احتباسك عني، فسوف أعلم أني سأموت وتبقى أنت فلا أنا، فعلت موفقاً إن شاء الله.
قال أبو العيناء: وكتب زنقاح إلى صديق له يسأله بخوراً: شممت اليوم منك، وحق الله، أعزك الله، رائحة طيبة، وذلك، وحياتك، باطراح الحشمة، موفقاً إن شاء الله.
قال رجل لأبي العيناء: كان أبوك أكمل منك، قال أبو العيناء: إن أبي كنت به ولم يك بي، وهو أولى بالكمال مني.
قال أبو العيناء: وقف علي أعرابي ما أحسبه بلغ ولا قارب، وخرج لي غلام أسود من الماء وقد اغتسل وهو يرعد، وكان غلاماً خبيثاً، فقلت وأومأت إلى الأسود:
كأنه ذئب غضى أزل
أجزيا يا غلام أهب لك، فقال:
بات الندى يضربه والطل
فعجبت من بديهته ووهبت له دراهم.
قال أبو العيناء: أقبل جحظة ذات يوم يعظ عبادة المخنث، فقال له عبادة: مخنث مسلم مقر، خير من زنديق فاجر مصر.
قال أبو العيناء: قلت لمديني شكا سوء الحال إلي: أبشر فإن الله قد رزقك الإسلام والعافية، قال: أجل، ولكن بينهما جوع يقلقل الكبد.
قال المبرد: كان في أخلاق الحسن بن رجاء شراسة وفي كفه ضيق، فكتبت إليه: الناس أعز الله الأمير رجلان: حر وعبد، فثمن الحر الإكرام، وثمن العبد الإنعام. فأصلحه الله بهذا القول لي ولغيري مدة، ثم رجع إلى طبعه.
قال المبرد: إذا قال الرجل شعراً أو وضع كتاباً استهدف، فإن أحسن استشرف، وإن أساء استقذف.
وذكر أبو العباس يوماً النحو فقال: هو عيار الأشياء، وحلي الألسن، وجلاء الأسماع.
وقال المبرد: أحسن المراثي ما خلط مدحاً يتفجع، واشتكاء بفضيلة، لأنه يجمع إلى التشكي الموجع مدحاً، والمدح الباذخ اعتباراً، فإذا وقع نظم ذلك بكلام صحيح ولهجة معربة ونظم غير متفاوت، فهو الغاية من كلام المخلوقين.
قال اللحياني: العرب تقول: فلان نادم سادم، وندمان سدمان، والمرأة ندمى سدمى، وقوم ندامى سدامى، والسادم: المهموم.
وقال بعضهم: الحزين وحيد محيد؛ وسليخ مليخ: الذي لا طعم له وأنشد:
سليخ مليخ كلحم الحوارفلا أنت حلو ولا أنت مر
وفيه سلاخة وملاخة؛ ويقال مليه سليه.
قال: ويقال: بخ بخ وبه به إذا عظمت إنساناً، وعابس كابس؛ وحكي عن أعرابي: ما تصنع في ما كنك وسواك وغطاك وأرغمك وأدغمك؛ ويقال: رغماً دغماً شنغماً؛ ويقال: فعلت ذلك عن رغمه وشنغمه، ومعناه كله واحد؛ ويقال: إنه لفظ بظ؛ ويقال: له من فرقه أصيص وكصيص، أي انقباض وذعر؛ ويقال: يوم عك أك إذا كان شديد الحر، وليلة عكة أكة، وقد عكت تعك عكة، والعكة شدة الحر مع لثق واحتباس ريح؛ وهو لك أبداً سرمداً؛ وأنه لشكس لكس، أي عسر، ويقال للخب الخبيث: إنه لسملع هملع، وهو من نعت الذئب. هكذا قاله اللحياني.
وأنشد في كتاب الشدة:
ونوم كحسو الطير نازعت صحبتيعلى شعب الأكوار بين الحوارك
وشعث يشجون الفلا في رؤوسهإذا حولت أم النجوم الشوابك
إذا رجعوا وهناً كست حيث موتتمن الجهد أنفاس الرياح الحواشك
طعنت بهم أثباج ليل تخدرتبه القور يثني زمل القوم حالك
قال إبراهيم الخواص: العارف لا يكدره شيء، ويصفو به كدر كل شيء.
قال أبو حمزة: رأيت أبا جعفر الحداد في البادية، وقد انكسر ساقه وهو يتثنى ويجره فقلت له: جر البلاء جر، فإن البلاء ممدود، فالتفت إلي وقال: إنما تحمل بلاياه مطاياه.
وقال عيسى بن مريم ﵇: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة ليوم لم يره.
هلال بن العلاء:
تحمل إذا ما الدهر أولاك غلظةفإن الغنى في النفس لا في التمول
يزين لئيم القوم كثرة مالهوما زين الأخيار مثل التجمل
آخر:
تطاول الليل على من لم ينمواحتمت العين احتمام ذي السقم
لبشار:
لم يطل ليلي ولكن لم أنمونفى عني الكرى طيف ألم
الجهار: التراب الدقيق، والمسحول أيضاً. والعشار: جمع عشراء، وهي الناقة التي قد مضى لها عشرة أشهر من لقاحها، والعشر: ضرب من الشجر، والعشر: الإبل تبقى تسعة أيام لا تسقى ثم ترد اليوم العاشر.
وأنشد أيضاً فيه:
أجنوب لو أبصرتني وفوارسيبالشعب حين تبادر الأشرار
سعة الطريق مخافة أن يهلكواوالخيل تتبعهم وهم فرار
حاشا الغلام المازني فإنهيوم الكريهة خلفهم كرار
حوس الفؤاد إذا الكماة تقارعوالا طائش رعش ولا خوار
وكذاك كان أبوه في أعصارهيحمي إذا ما ضيع الإدبار
ويكر خلف الموجفين إذا دعواكر المنيح أعاده الأيسار
أخاذ ألوية الحفاظ بحقهاوبه يكون الورد والإصدار
في كل غمرة مأزق يصلى بها الفرسان لا كشف ولا أغمار
يدعون سواراً إذا احمر القناولكل يوم عظيمة سوار
فيجيب أروع في اللقاء بخيلهيحمى المضاف وتدرك الأوتار
حامي الحقيقة بالتراث مطلبللموت تحت لوائه صبار
إذ لا يزال مقلص عبل الشوىبجبينه ولبانه آثار
يدمين من وقع الأسنة والقناوعلى فوارسها الكرام وقار
في فيلق لجب يشب ضرامهزرق الأسنة والقنا الخطار
والمعلمون على شوازب ضمرقد لاحها التعداء والتكرار
شبه السيوف تسل من أغمادهالا يجبنون ولا هم غدار
ورثوا المكارم كابراً عن كابروإليهم بالصالحات يشار
قوم بهم منع الإله حماءهوبهم على الملك الغشوم يجار
هذه أبيات قرئت على السيرافي وأنا أسمع، من كتاب الشدة، ومد الحمى، وهو عند أصحابنا مقصور، والشعر عربي عليه فجاجة المحرمين وسيما العنجهيين، ولا يطرد على مثله اعتراض، بل الواجب أن يقتدي به ويرجع إليه؛ وفي الأبيات كلمات غريبة تقتضي التفسير، ولكن أكره التثقيل والتطويل، فإن الكتاب قد أسأم القارئ وأمل الناظر وخيب الطالب ومنع جانبه المستنسخ، والرأي فيما هذا حاله التخفيف والاسترسال، والأخذ بما أمكن في الحال، وعلى ذلك قد جرينا، وإليه انتهينا، والله المعين.
قال أبو العيناء في رجلين فسد ما بينهما: تنازعا ثوب العقوق حتى صدعاه صدع الزجاجة ما لها من جابر.
قال: وقيل لأعرابي وهو على ركية ماء ملح: كيف هذا الماء؟ فقال: يخطئ الفؤاد ويصيب الأست.
قيل لأعرابي: ما تقول في الجري؟ قال: تمرة وسنانة غراء الطرف، صفراء السائر، عليها مثلها من الزبد أحب إلي منه، وما أحرمه.
قال أعرابي: بأبي وأمي رسول رب العالمين، ختمت به الدنيا وفتحت الآخرة.
قال يوسف بن أسباط لعلي النسائي: يا أبا الحسن، أتدري لم
اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال: لا، قال: قال الله تعالى: يا إبراهيم تدري لم اتخذتك خليلاً قال: لا، قال: لأنك تأخذ وتعطي.
قيل لأعرابي: لا أقل من الرجاء، قال: بلى والله، اليأس الصريح.
قال بعض أهل اللغة: المنسر: ما بين الأربعين إلى السبعين، والرعلة: ما بين السبعين إلى المائة، والمقنب: من المائة إلى المائتين، والخميس: الخمسمائة، والفيلق: الألف، والجحفل: أربعة آلاف.
شاعر:
إذا ما كنت ذا مالولم تبن به مجدا
ولم تحي به ذكراًولم تور به زندا
ولم تحرز به أجراًولم تكسب به حمدا
فإن شئت فكن كلباًوإن شئت فكن قردا
وإن شئت فخنزيراًترى أسنانه دردا
وإن شئت فكن هزلاًوإن شئت فكن جداً
وإن شئت فكن سلحاًإلى مخرأة يهدي
قال ابن عمار: تذاكرنا ضيق المنازل، فقال الجماز: كنا على نبيذ لنا، فكان أحدنا إذا دخل الكنيف وجاءه القدح مد يده إلى الساقي فناوله إياه.
قال الفزاري: رأيت مجنوناً يسوي رأس سكران ويقول: توبوا، والله لا أفلحت أبداً.
دخل لص دار قوم فلم يجد فيها شيئاً إلا دواة، فكتب على الحائط: عز علي فقركم وغناي.
لبعض الأشراف يصف كتاباً ورد عليه:
صدف شق عن لآل ودرأم كتاب قد فض عن نظم شعر
وقواف مقومات لدى الألباب موزونة بقسطاس فكر
أنشد لابن النقاش:
قلت لها لا تكثريخذي فؤادي أو ذري
حبك ما فارقنيفي سفري أو حضري
فليت شعري ما الذيعندك لي قالت حري
قلت: فهاتيه إذاًقالت: نعم في السحر
فلم أزل في ليلتيمغتبطاً بالنظر
حر كبير أملسفي حسن وجه الخزر
مشاكل منظرهلما أتى في الخبر
كأنه الأرنب فيمجثمه للكبر
لم تر عيني مثلهإلا حر أم البحتري
قال أعرابي لرجل: كن حلو الصبر عند مر النازلة.
سمعت أبا حامد يقول: قرأ عبد الله بن أحمد بن حنبل في الصلاة: اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقيل له: أنت وأبوك على طرفي نقيض، زعم أبوك أن القرآن ليس بمخلوق، وأنت تزعم أن الرب مخلوق.
وحكى أيضاً أن المحاملي المحدث قرأ: وفاكهة وإباً، فقيل له: الألف مفتوحة، فقال: هو في كتابي مضبوط.
حكي أن ابن أبي حاتم الرازي قرأ: فصيام ثلاثة أيام في الحج وتسعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة، فقيل: ما أقل بصرك بالحساب.
قال أعرابي: اجتناب أفعاله العامة من المروءة التامة.
نظر مزبد إلى امرأته تصعد في درجة، فقال لها: أنت طالق إن صعدت أو وقفت أو نزلت، فرمت بنفسها من حيث بلغت فقال: فداك أبي وأمي، إن مات مالك احتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم.
وأنشد في سعد صاحب عبيد الله:
يا سعد إنك قد خدمت ثلاثةكل عليه منك وسم لائح
وبدأت تخدم رابعاً لتبيرهرفقاً به فالشيخ شيخ صالح
يا حاجب الوزراء إنك عندهمسعد ولكن أنت سعد الذابح
قال ابن أبي حية: كان عندنا شيخ من الشيعة يتأله، فرأى ابنه يوماً وقد أدخل غلاماً ليعبث به فقال: ما هذا يا فاسق؟ قال: إنه ناصي، قال: فادخل عليه ابن الفاجرة.
دعا محمد المخلوع عبد الله بن أبي عفان ليصطبح فأبطأ عنه، فلما جاء قال: أظنك أكلت؟ قال: لا والله، قال: أتصدق؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فدعا بحكاك فحك أضراسه السفلى، فلما ذهب ليحك العليا قال: يا أمير المؤمنين دعها لغضبة أخرى.
قال أبو مسعود الكسائي: دخلت طاقات العلز فوطئت في شيء حار، فمسسته فإذا هو لين، فشممته فإذا هو منتن، فذقته فإذا هو مر، فنظرت إليه في السراج فإذا هو أصفر، فأريته أبا الشيص فإذا هو خرا، وأنا لا أعرفه.
قال أهل اللغة: التمتمة: الترديد في التاء، والفأفاة: في الفاء، والعقلة: التواء اللسان عند إرادة الكلام، والحبسة: تعذر الكلام، واللفف: إدخال حرف على حرف، والرتة: كالرتج يمنع منه، واللكنة: اللغة الأعجمية، واللثغة: عدل حرف إلى حرف.
قال أعرابي: العذر الجميل أحسن من المطل الطويل، فإن
أردت الإنعام فأنجح، وإن تعذرت الحاجة فأفصح.
لجعيفران الموسوس:
يا سيدس وأليفيومؤنسي وحليفي
أيست من كل خيرعند ابن سعد الوصيفي
خرجت لا بطفيفولا بغير طفيف
إلا طعاماً يسيراًخلفته في الكنيف
أبو العنبس:
أنا أفديك من بطنوثلثاك حر تحتي
وشفران غليظانقويان على النحت
أنا أدفع من فوقوهي تدفع من تحت
أعرابي:
جارية إحدى بنات الفرستحمل معشوقاً وطيء الجس
يطلى بمسك أذفر وورسأولجت فيه أعجراً كالقلس
يشبه في العين بني عرس
أعرابي:
جارية من شعب ذي رعينقد خرجت من أهلها بعيني
يا قوم خلوا بينها وبينيأشد ما خلي بين اثنين
آخر:
جارية من مالك بن مالكعزت عن الحسن ولم تشارك
ويحك يا أختي لم بدا لكإن تفعلي الخير فقد أنى لك
والله ما أمدح من نوالكولا عطاء من جزيل مالك
بيدك اليمنة ولا شمالكإلا امتلاء العين من جمالك
ويلي عليك وعلى أمثالك
أعرابي:
جارية إحدى بنات الحيرهترفل بالعجيزة الكبيره
تأتي الذي تأتيه بالبصيرهبالركب الوافر ذي الوثيره
تربو لدى النائك كالخميرهطيبة الخلوة والسريره
تنبأ رجل أيام المأمون فقال: أنا أحمد النبي، فحمل إليه فقال له: أمظلوم أنت فتنصف؟ فقال له: ظلمت في ضيعتي، فتقدم بإنصافه، ثم قال: ما تقول؟ قال: أنا أحمد النبي، فهل تذمه أنت؟ سئل إبراهيم النخعي عن رجل يحيل صاحبه في حقه على رجل آخر، فقال، قال شريح: هو كابن الظئرين يرضع من أيهما شاء.
أتى رجل إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: إن هذا زعم أنه احتلم على أمي، قال: أقمه في الشمس واضرب ظله.
وسئل الشعبي عن رجل مر بغنم فعقره كلبها فقال: إن كان هو الداخل على الغنم فلا ضمان على صاحب الغنم، وإن لم يكن داخلاً عليها فعقره الكلب فصاحب الكلب ضامن.
أسماء مكة: مكة وبكة والنساسة وأم رحم وأم القرى ومعاد والحاطمة؛ ومن أسماء المدينة: طيبة ويثرب.
قيل: العلم يمنح ممتهن نفسه في طلبه صبابة لا إذالة معها، ويصفيه نعمة لا إحالة لها.
قال اللحياني: ويقال إنه أحمق بلغ ملغ - بالكسر فيهما جميعاً، والملغ النذل؛ وإنه لمعفت ملفت إذا كان يعفت كل شيء ويلفته أي يدقه؛ وإنه لسغل وغل، وساغل واغل بين السغولة والوغولة؛ ويقال: ما عنده تعريج على أصحابه ولا تعريج أي إقامة؛ وإنه حقير نقير، وحقر نقر؛ وإنه لعفريت نفريت، وعفرية نفرية.
ويقال: تركتهم في حيص بيص وكصيصة الظبي، وفي حيص بيص أي تركتهم في ضيق، وحكي: تركتهم في حيص بيص؛ وكصيصة الظبي وكصيصه: موضعه الذي يكون فيه.
قال ملك من ملوك الأعاجم: قد خفت أن يكون المظلوم يحجب عني، فجعل لبعض بيوته باباً إلى الطريق، ثم نادى مناديه: من ظلم فليقف حيال هذا الباب إلى الطريق مرة في كل يوم، فمن رآه واقفاً بحياله دعاه فنظر في أمره؛ وكان ذلك الباب يسمى: درسيو ميدان.
قال أنوشروان: قد خفت أن يحجب عني المظلوم، فعلق على أقرب البيوت إلى بيته ستراً، وعلق عليه الأجراس، ونادى مناديه: من ظلم فليحرك هذا الستر حتى أسمع صوت الأجراس فأدعو به.
قال يعقوب: أغرت على العدو إغارة وغارة، ومثلها: أجبته إجابة وجابة، وأجرته أجيره إجاره وجاره، وأعرته عارة وإعارة، وأطفته إطافة وطافة، وأطعته إطاعة وطاعة.
شاعر:
أحن إليكم إن غبت عنكموما أنا إن دنوت بمستريح
وآتيكم على علم بأنيأؤوب بحسرة القلب القريح
قال عبد الصمد بن المعذل: هذه القصيدة مما ظلم صاحبها وأخمل ذكره، وصيرها شاذة لا يعرف قائلها، ولولا كراهتي ظلم الأدب لادعيتها، وهي:
ولقد قضيت من المدامة والصباوطراً ولاعبت الغزال الأكحلا
ومججت في فيه العقار ومجهفي في ثم غمزته فتدللا
وأتيت أخرى فانثني متمايلاًفلثمت خداً وارتشفت مقبلاً
وأباحني من ريقه بلسانهعذباً يراح له الفؤاد معسلا
ولويت معصمه فصد بوجههخجلاً ومال وساءني أن يخجلا
كمطوقين تدانيا فتقابلاحتى إذا خافا الأنيس تزيلا
فعففت عنه وقد قدرت ولم أزلآتى الأعف من الأمور الأجملا
ولقد أروح إلى الندامى لاحفاًللأرض هداب الإزار مرجلا
ولقد أنازعها على علاتهامتراخياً سبط البنان مرفلا
مستهلكاً للمال في لذاتهيمضي للذته ويعصي العذلا
وإذا لحاه العاذلون وأكثرواولى وقال رؤوسكم والجندلا
عاطيته مما تعتق بابلصهباء أرخت عظمه والمفصلا
جريالة تحذي اللسان كأنماذرت مرارتها عليها الفلفلا
طبخت بنار الشعريين ومسهابرد الشمال فباخ منها ما علا
ومضت لها حجج فمدت دونهاستراً بنته العنكبوت مهلهلا
حتى إذا فضت تضوع ريحهاوكأن تفاحاً بها وسفرجلا
وكأن نكهتها إذا هي صفقتمسك يخالط عنبراً وقرنفلا
طابت وأدمنها فأرخت طرفهفيخال أحول وهو ليس بأحولا
وأقول: ها خذها إليك وعاطنيفيقول: هات وكان قبل يقول: لا
ما زلت أعدل بالزجاجة ميلهحتى تقوم ميله فتعدلا
وإذا الزجاجة عقدت من صعبهناولته أخرى بها فتحللا
داويته منها بها فشفيتهوشحذت منه بالأخير الأولا
وجرت مجاريها الشمول فسهلتمن طبعه ما خفت أن لا يسهلا
فكأنه والتاج فوق جبينهقمر تراءته العيون مكللا
ولقد شربت بكاسها وبطاسهاوعدلت بالقاقوزنين القنقلا
وشفيت منها واشتفيت ولم أدعفي لذة لي بعدها متعللا
يا صاحبي قفا نحي المنزلاوتلبثا لي ساعة لا تعجلا
إني تذكرني المنازل أهلهافيشوقني ألا أعوج فأسألا
قال القاسم بن عبد الرحمن: اشترى رجل من رجل شاة فوجدها تأكل الذبان، فخاصمه إلى شريح فقال شريح: لبن طيب وعلف مجان.
وقال الحسن البصري: ما أحرزت أم الولد في حياة سيدها فهو لها.
قال الشعبي: من ربط دابة على طريق من طرق المسلمين فهو ضامن.
قال قتادة في الطبيب إذا بط فقتل: هو ضامن إذا أخذ أجراً.
قال حمزة الزيات عن حمران بن أعين: إن رجلاً من أهل
البادية أتى النبي ﷺ فقال: السلام عليه يا نبيء الله، وهمز، فقال النبي ﷺ: لست بنبيء الله ولكن نبي الله.
قال بعض العلماء: أفما ترى إلى إنكار رسول الله ﷺ الهمز، لأنه لم يجعله من أنبأتك بالأمر، ولا يجوز أن يكون ذهب إلى ترك الحجازيين للهمز، لأنه لو ذهب إلى ذلك كان نبي الله إذا أعطى الحرف حقه، ونبييء الله إذا خفف، فكيف يقول: لست بنبيء الله، وقوله الحق.
قال الأصمعي: سمعت مولى لآل عمر بن الخطاب يقول: أخذ عبد الملك رجلاً كان يرى رأي الخوارج فقال: ألست القائل:
ومنا سويد والبطين وقعنبومنا أمير المؤمنين شبيب
فقال الرجل: إنما قلت: ومنا - أمير المؤمنين - شبيب - بالنصب - أي يا أمير المؤمنين، فخلى سبيله؛ قال ابن قتيبة: أما ترى تيقظه ونقله الكلام بالإعراب عن سبيل هلكته إلى سبيل تجاته؟ وهل يجوز لذي تمييز ولب أن يقول إن هذا لا يعرف المعنى الذي فرق بين الإعرابين؟ وبلغني أن أعرابياً سمع مؤذناً يقول: أشهد أن محمداً رسول الله - بالنصب -، فقال: ويحك! يفعل ماذا؟ لأنه إذا رفع كان خبراً، وإذا نصب كان وصفاً فاحتاج الكلام إلى خبر، قال: ومثل هذا في الكلام الذي يتم وينقص بالإعراب قولك: كان عبد الله أخانا، هذا كلام تام، فإنك رفعت الأخ نقص الكلام فاحتاج إلى الخبر.
وأم الحجاج قوماً فقرأ: " والعاديات ضبحاً " العاديات:، فقال في آخرها " أنَّ ربَّهم " - بالنصب - ثم تنبه على اللام في لخبير، وأن إن قبلها لا تكون إلا مكسورة فحذف اللام فقال: خبير، فكان نقص الكلام أسهل عليه من اللحن.
قال رجل لأعرابي: كيف أهلك؟ فقال الأعرابي: صلباً، ظن أنه سأل عن هلكته كيف تكون، وإنما سأله عن أهله.
قال: وهذا وأشباهه يدلك على معرفة العرب بالمعاني التي اختلف لها الإعراب، وتلك المعاني هي العلل.
وقالت بنت لأبي الأسود لأبيها: ما أطيب الرطب؟ فقال: جنس كذا، أرادت التعجب وذهب هو إلى الاستفهام.
فأما الرفع والنصب والخفض والهمز والإدغام والإمالة وأشباه ذلك فألقاب وضعها النحويون للمتعلمين من العجم والمنطيقيين ليقربوا بها عليهم البعيد ويجمعوا الشتيت، فإذا قال المعلم للمتعلم: حركة كذا رفع، وكل فاعل رفع، وحركة كذا نصب، وكل مفعول به نصب، وحركة كذا جر، وكل مضاف مجرور، وكذا ظرف، والظرف منصوب، وكذا حال، والحال منصوب، كفاه بهذه الجمل على كثرته واعتبار بعضه ببعض؛ وأما العرب فإنها لا تعرف مواضع هذه الألقاب: قيل لأعرابي: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذن لرجل سوء.
وقيل لآخر: أتجر فلسطين؟ قال: إني إذن لقوي.
وقيل لآخر: أتهمز الفارة؟ قال: الهرة تهمزها.
فكلاهما عرف موضع الهمز، إلا أنه لم يعلم الموضع الذي وضعه النحويون.
ولم يؤت المبطلون للعلل في غلطهم على العرب إلا من جهة الألقاب، لأنهم رأوا التحويين يقولون: رفعت العرب كذا بكذا، ورأوا العرب لا تعرف الرفع ولا النصب ولا الجر، فقضوا عليهم بالكذب وعلى عللهم بالبطلان، ولو أنعموا النظر لميزوا بين المعنيين، ومثل هذا كمن يحيل على العرب بالاستدلال من غير سماع منها لاشتقاق في الجوارح أنها اليدان والرجلان، لأن الاجتراح الاكتساب، وهي الكواسب، وكذلك الجراح في البدن هي الجنايات؛ وتقول في جلده الحد إنه إصابة الجلد بالضرب، لما سمعنا العرب تقول: رأسه وبطنه، قلنا كذا جلده، أي أصاب جلده.
قال بعض السلف: إذا عشت عيش السفهاء ومت موت الجهال، فماذا ينفعني ما جمعت من غرائب العلم؟ مدح أعرابي قوماً فقال: أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغرهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي قطع به الناس مسافة آجالهم، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال.
دخل أبو حفص الكرماني على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في المداعبة؟ فقال: وهل العيش إلا فيها، قال: يا أمير المؤمنين، ظلمتني وظلمت غسان بن عباد، قال: ويلك، وكيف ذلك؟ قال: رفعت غسان فوق قدره، ووضعتني دون قدري، إلا أنك لغسان أشد ظلماً، قال: وكيف؟ قال: لأنك أقمته مقام هزؤ وأقمتني مقام رحمة، فقال المأمون: قاتلك الله ما أهجاك.
قيل لأعرابي: ما وقفك ها هنا؟ قال: وقفت مع أخ لي يقول بلا علم، ويأخذ بلا شكر، ويرد حشمة.
قال الأصمعي: وصف رجل طعاماً علمه، فقال له أعرابي: هل دعوت عليه أحداً من جيرانك؟ قال: لا، قال: فهل أطعمت يتيماً؟ قال: لا، قال: فجعله الله في بطنك حشاً وقذاذاً.
قال عدي بن حاتم لابن أقيصر: كيف ترى فرسي هذا؟ قال: ما أرى به بأساً إلا انه يعثر، قال: وما يدريك؟ قال: شعرته ميتة لم ينضجها الرحم، فكان كما قال.
قال أبو حاتم: قيل لميمون بن مهران: إن رقية امرأة هشام ماتت فأعتقت كل مملوك لها، قال ميمون: يعصون الله مرتين، يتجملون به
وهو في أيديهم بغير حق، فإذا صار لغيرهم أسرفوا فيه.
وأنشد:
عندي لراجي من ثنتين واحدةرد جميل وإرفاق بما أجد
معجل ذاك أو هذا فلا تعبولا عناء ولا من ولا نكد
قال العتبي: خطب زياد الناس فقال: الأمور جارية بأقدار الله، والناس متصرفون بمشيئة الله، وهم بين متسخط وراض، وكل يجري إلى اجل وكتاب، ويصير إلى ثواب وعقاب، ألا رب مسرور لا نسره، وخائف من ضرنا لا نضره.
قال الرياشي: مدح أعرابي رجلاً فقال: كان يفتح ببياته مغلق الحجة، ويسد على خصمه سواء المحجة، ويقبل من العار وجوهاً مسودة، ويفتح للبر أبواباً منسدة.
أنشد أبو عمرو بن العلاء لنهار بن توسعة:
أمية يعطيك اللها ما سألتهوإن أنت لم تسأل أمية أضعفا
ويعطيك ما أعطاك جذلان ضاحكاًإذا عبس الكز اليدين وقفقفا
هنيئاً مريئاً جود كف ابن خالدإذا الممسك الرعديد أعطى تكلفا
قيل لعلي بن أبي طالب: ما بين الخلج وبين قريش؟ فقال: ما بين جحفلة الحمار وخرطوم الخنزير.
قال أبو عثمان النهدي: كان عمر ميزاناً لا يقول هكذا ولا هكذا.
قال الشعبي: دعا عمر حجاماً ليأخذ من شعره، فتنحنح عمر فضرط الحجام، فأعطاه أربعين درهماً.
قال أبو عمران الجوني: جاء يهودي إلى عمر بالشام فقال: يا أمير المؤمنين، أهذا في العدل؟ أخذتم كسبي وأنا قوي، حتى إذا ما كبرت سني، وضعف ركني، تركتموني أهلك ضيعة؟! فقال عمر: ما أنصفناك، ففرض له فريضة وأمر عامله أن شهراً بشهر.
قال ابن عباس: خطب عمر فقال: إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة مفسدة للجسم مؤدية إلى السقم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد من السرف وأصح للبدن وأقوى على العبادة، وإن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
ابن المعتز:
إذا ما المرء خلف أطيبيهوأخلق بعد ملبوس جديد
تعذرت الحياة عليه إلاحشاشات تردد في الوريد
ويمشي حين يمشي من قريبوينظر حين ينظر من بعيد
قال ابن المعتز: ذكرت العراق لمخنث من أهل حمص فقال:
لعن الله العراق، لا يشرب ماؤها أو يصلب، ولا يشرب نبيذها أو يضرب.
وقال الصوفي: هي الشميطاء الخرفة، والعجوز المتدللة، والعمياء المكتحلة، والشلاء المختضبة، هواؤها دخان، ونسيمها ضرام، تنقبض فيها أنفس المستغنين، وتصغر فيها أنفس المفضلين، تجارها أسد مفترسون، وصناعها لصوص مختلسون، وهمجها أعفار متسرعون، وجارها حاسد، وهواؤها فاسد.
وقال الصوفي: في عرق أهل بغداد زيت.
لما بنى محمد بن عمران اليزيدي قصره حيال قصر المأمون قيل له: يا أمير المؤمنين باراك وباهاك، فدعاه وقال له: لم بنبت هذا القصر حذائي؟ قال: يا أمير المؤمنين، أحببت أن ترى أثر نعمتك علي غدوة وعشية فجعلتها نصب عينيك، فاستحسن قوله وأجزل عطيته.
لما بنى الحجاج قصره قال له رستم الدهقان: اكسه وحله، قال: بماذا؟ قال: اكسه بالجص وحله بالنقش، ففعل.
وقال الحجاج لإسماعيل بن الأشعث، وكان يحمق: كيف ترى قصري؟ قال: أرى قصراً أستعظم المؤونة على من أراد هدمه، قال: قبحك الله، ويلك، ما خالف بك إلى ذكر الهدم؟! قال أعرابي: أعطت الدنيا ثم استرجعت، والدنيا لئيمة الاقتضاء.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع