من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء الثامن (٦)
أضلّ أعرابيٌّ غلاماً له فنشده فقيل له: صفه، قال: في رجله جنف، وفي أيره قلف، وفي أنفه ذلف، وفي مشيه دلف.
وقالت أعرابيةٌ لخصيّ: اسكت فما لك حزم الرجال ولا رقّة النّساء.
باع أعرابيٌّ غلاماً له فجعل سقّاءً، فلقيه الأعرابيّ فقال له: كيف حالك؟ قال: أنا في سفرٍ لا ينقضي، وغديرٍ لا ينزح، وقومٍ لا يروون.
ونظرت امرأةٌ إلى زوجها يخضخض، فلما حضر العشاء اعتزلت، فقال: ما لك لا تتعشّين؟ قالت: أكره أن أزاحم ضرّتي على المائدة.
وقال المدائني لجعفر بن سليمان: لو قسم البلاء بين الناس بالحصص لم يصبنا أكثر ممّا أصابنا، بعثنا بشاتنا إلى التيّاس مع الجارية، فعادت الشاة حائلاً والجارية حاملاً.
كتب رجلٌ إلى هشام الواسطيّ أن اكتب إليّ بما أنت عليه، فإنّا نلقى من القدريّة والرّافضة شدّةً، فكتب إليه: إن كنت تحبّ أن تكون على ما كان عليه السّلف من أصحاب محمدٍ ﷺ فلا تكفّرنّ أحداً من هذه الأمّة بذنبٍ يكون منه، ومن زعم أنّه يكون في قدرة المخلوق ما لا يريد الخالق فقد عجّز الخالق، ومن تبرأ من أبي بكرٍ وعمر وعثمان فقد تبرّأ من عليٍّ، ومن تبرّأ من عليٍّ فقد تبرّأ من هؤلاء كلّهم، والبراء بدعةٌ، والولاية بدعةٌ، وذلك أن يقول الرجل: إنّي أتبرّأ من فلانٍ وأتولّى فلاناً، فإن حاجّك محاجٌّ ممّن حسن مذهبه وذهب عقله، فاتل عليه: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة " هذا موضع الرّضا عنهم فأين موضع السّخط؟ فإن كفر بهذا فقد كفر بالقرآن. وأخبرك بثلاثٍ لا يضرّهنّ عدل عادلٍ، ولا جور جائرٍ: الصّلاة خلف كلّ برٍّ وفاجر، والحجّ مع كلّ برٍّ وفاجر، والجهاد مع كلّ برٍّ وفاجر.
لو لم يؤخذ بهذا الحديث لعطّلت الأحكام.
لعمارة بن عقيل:
وما ينفكّ من سعدٍ إليناقطوع الرحم فارية الأديم
ونغفرها كأن لم يفعلوهاوبعض العفو أذرب للظّلوم
ورميك من رماك أخفّ ثقلاًعليك غداً وأمنع للحريم
قيل لأعرابيّ: كيف ابنك؟ قال: عذابٌ رعف به الدهر، فليتني قد أودعته القبر، فإنه بقاءٌ لا يقاومه الصبر، وفائدةٌ لا يجب فيها الشّكر.
رقّص أعرابيٌّ ابنه فقال:
أحبّه حبّ الشّحيح مالهقد ذاق طعم الفقر ثم ناله
إذا أراد بذله بدا له
آخر:
إذا رأيت ازوراراً من أخي ثقةٍضاقت عليّ برحب الأرض أوطاني
فإن صددت بوجهي كي أكافئهفالعين غضبى وقلبي غير غضبان
يقال: سلقى بناءه يسلقيه أي جعله مستلقياً ولم يجعله شكّاً، والشكّ: المستقيم.
جرى بين أي الصّقر بن بلبل وبين ابن ثوابة كلامٌ أربى فيه ابن ثوابة عليه، وكان أبو العيناء منقطعاً إلى أبي الصّقر، فقال لابن ثوابة منتصراً له: ما منع أبا الصّقر من كلامك إلاّ أنّه سهل عليه دمك أن يسفكه، وعاف لحمك أن يأكله، ولم يجد لك شرفاً فيهدمه، ولا فضلاً فيثلمه، فقال له ابن ثوابة: ما أنت والدخول بيني وبين هؤلاء يا مكدّي؟ فقال أبو العيناء: يحقّ لمن ذهب بصره، وضعفت قوّته، وجفاه سلطانه، ونقصت عمالته، أن يعود على إخوانه فيأخذ من أموالهم فيستعين بها على دهره، ولكن أسوأ حالاً منّي من يستنزل الماء من أصلاب الرّجال في بطنه فيعظّم إجرامهم، ويقطع أنسابهم، فقال ابن ثوابة: ما استبّ اثنان إلاّ غلب ألأمهما، فقال أبو العيناء: فبذلك غلبت أبا الصّقر.
شاعر:
ترحّل ما ليس بالقافلوأعقب ما ليس بالآفل
فلهفي على السّلف الراحلولهفي من الخلف النازل
أبكي على ذا وأبكي لذابكاء المولّهة الثّاكل
تبكّي من ابنٍ لها قاطعٍوتبكي على ابنٍ لها واصل
قال صالح بن عبد القدّوس: ليس شيءٌ إلاّ وفيه منفعة، فقال
له رجل: وأيّ منفعةٍ في أن يعلّق رجلٌ من إحدى يديه، فقال: سبحان الله، لا يعرق إبطه.
كان أبو خزيمة المديني يقول: اللهمّ ارزقني، فإن كنت لا ترزقني لكرامتي عليك فقد رزقت من هو خيرٌ مني سليمان بن داود، وإن كنت لا ترزقني لهواني عليك فقد رزقت من هو شرٌّ منّي وهو فرعون ذو الأوتاد.
وشكا أبو خزيمة يوماً نكبات الدهر فقال له رجل: هوّن فإنّ الله يدّخر لك ثوابها، فقال له أبو خزيمة: الآخرة خيرٌ أم الدّنيا؟ قال: بل الآخرة، قال: فإنّه ليس يعطيني من أبغضهما إليه، يعطيني من أكرمهما عليه؟! يقال في قوله تعالى: " مسوّمين " معلمين، من سيماء وسيمياء، ومن قال مسوّمين أراد مرسلين، مأخوذٌ من الإبل السّائمة المرسلة في مراعيها، فأمّا الحجارة فمسوّمةٌ لا غير أي معلّمةٌ.
دعا أعرابيٌّ على رجلٍ فقال: اللهمّ أبح ذماره، وعجّل بواره، وباعد داره.
وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: قد تقمّص الشّحناء، وادّرع البغضاء، وتسربل العوراء.
وصف أعرابيٌّ آخر فقال: هو أفعوان البلاد، وعقربان الصّلاد.
وصف أعرابيٌّ جيشاً فقال: تكتّب فرسانه، وتحرّب أقرانه، واستعدّ شبّانه.
وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: هو كالمخدر الأكّال، والذئب العسّال.
قال أعرابيّ: بالله تعالى واثق، وبنفسي سابق، وإلى المبادهة تائق.
قال بعض السّلف: العلم لا ينفد ولا يبيد، ولا يندم حامله، ولا يعطب من تمسّك به، ولا يفتضح من استند إليه، ولا تسقط منفعته، ولا يخسر جامعه.
تقول العرب في صفة الأعداء: زرق العيون، سود الأكباد، صهب السّبال.
قيل لأبي المدوّر السّعدي: لم لا تجتمع مع النّاس؟ قال: إنّه لا يزال منكم عبدٌ أحمق، محجوم القفا، معلم الكمّ، يكنى أبا إسماعيل وأبا إبراهيم وأبا إسحاق، يدلظني بمنكبه، أي يدفعني.
يقال: عنا يعنو إذا صار أسيراً، وأعنيته: استأسرته.
يقال: هلممت القوم أي دعوتهم.
قال بعض اللغويين: الوفرة ما لم يجز الأذن، والجمّة: ما جاوزت الأذن، واللّمّة: ما ألمّت بالمنكب، والذّوائب والغدائر: ما لحق الكتفين.
وقال العلماء: أيام الشهر ثلاثةٌ غرر، وثلاثةٌ نفل، وثلاثةٌ
تسع، وثلاثةٌ عشر، وثلاثةٌ بيضٌ، وثلاثةٌ دآدي، وثلاثةٌ حنادس، وثلاثةٌ سرار، وثلاثةٌ محاق؛ وأيّام الشّهر كنايةٌ عن الليالي، وإذا قلت الليالي قلت: ثلاثٌ غرر، وثلاث نفل، وقد يقال لها أيّام، ألا ترى أنّك تقول: صمت البيض، والصّوم لا يكون ليلاً.
بثّ رجلٌ في وجه أبي عبيدة مكروهاً فأنشأ يقول:
لو أنّ لحمي إذ وهى لعبت بهسباع حرامٍ أو ضباغٌ وأذؤب
لهوّن وجدي أو لسلّى مصيبتيولكنّما أودى بلحمي أكلب
قيل لبعض العلماء: كيف كانت بلاغة الأمين؟ قال: والله لقد أتته الخلافة في يوم جمعة، فما كان إلاّ ساعة حتى نودي الصلاة قائمة، فخرج ورقى المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيّها النّاس، وخصوصاً يا بني العبّاس، إنّ المنون مراصد ذوي الأنفاس، حتمٌ من الله لا يدفع حلوله، ولا ينكر نزوله، فارتجعوا قلوبكم الحزن على الماضي إلى السّرور بالباقي، تجزون ثواب الصّابرين، وأجور الشّاكرين. فتعجّب النّاس من جرأته، وبلّة ريقه، وجودة عارضته.
يقال: من علامة الرّشد أن تكون النّفس إلى بلدها توّاقة، وإلى مسقط رأسها مشتاقة.
وقال آخر: احفظ بلداً رشّحك غذاؤه، وأكنّك فناؤه.
وقال أعرابيّ: يحنّ الكريم إلى جنابه، كما يحنّ الأسد إلى غابه.
خطب الناس هاشم بن عبد مناف فقال: أيّها النّاس، الحلم شرف، والصبر خلف، والجود سؤدد، والمعروف كنز، والجهل سفه، والعجز ذلّة، والحرب خدعة، والظفر دول، والأيّام عبر، والمرء منسوبٌ إلى فعله، ومأخوذٌ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، واستشعروا الحمد تفوزوا به، ودعوا الفضول تجانبكم السّفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا عن الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يرفق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنّها رفعة، وإيّاكم والأخلاق الدنيّة فإنها تضع الشّرف وتهدم المحلّ.
شاعر:
عجباً لحفظي سرّها في غيبهاولمثل ذاك تعجّب المتعجّب
بكرت مشرّقةً ورحت مغرّباًشتّان بين مشرّقٍ ومغرّب
إنّي لآمل من حبيبي نظرةًوالقلب بين مصدّقٍ ومكذّب
آخر:
خلق المال واليسار لقومٍوأراني خلقت للإملاق
أنا فيما أرى بقيّة قومٍخلقوا بعد قسمة الأرزاق
قال الرّقاشيّ في قصصه: يا أهل الدّيار الموحشة التي نطق
بالخراب فناؤها، وشيّد في التراب بناؤها، فمحلّها مقترب، وساكنها مغترب، أهل محلّةٍ لا يتواصلون تواصل الإخوان، ولا يتزاورون تزاور الجيران، قد طحنهم الدّهر بكلكله، وأكلهم الثّرى بجندله، فعليهم منّا التّرحّم والسلام، ومن ربّهم العفو والإكرام.
قال فيلسوف: انتقم من حرصك باليأس، كما تنتقم من عدوّك بالقصاص.
وقال أعرابيّ: الجمال في الأنف، والملاحة في العينين، والظرف في الفم.
شاعر:
أتتني تؤنّبني بالبكاءفأهلاً بها وبتأنيبها
تقول وفي قولها حشمةٌأتبكي بعينٍ تراني بها
فقلت متى استحسنت غيركمأمرت الدموع بتأديبها
جاء مجنون إلى باب رئيس فقال:
عليك إذنٌ فإنّا قد تغدّينالسنا نعوذ لأنّا قد تعدّينا
يا أكلةً سلفت أبقت حرارتهاداءً بصدرك ما صمنا وصلّينا
قال الماهاني: دخلت مارستان بلدٍ فرأيت مجنوناً ظريفاً نظيفاً، فسألته أن ينشدني، فأنشدني في وردٍ يقطّع جسده:
أما ترى الورد في أكفّهميجتثّ للناظرين من ورقه
كالقلب نار الهوى تلذّعهوالقلب يهوى الهوى على حرقه
قال بعض السّلف: لا ترض قول أحدٍ حتى ترضى فعله، ولا ترض فعل أحدٍ حتّى ترضى قوله وعقله، ولا ترض عقل أحدٍ حتى ترضى حياءه.
قال: ابن آدم مطبوع على كرم ولؤم فإذا قوي الحياء قوي الكرم وإذا ضغف الحياء قوي اللؤم شاعر:
له قلبٌ تقلّبه اللياليعلى فرشٍ من السّفر البعيد
ونفسٌ ما تقرّ على دنيٍّمن العيش المصرّد والزّهيد
وهمٌّ لا يطيف به التّمنّيوعزمٌ نيط بالبأس الشديد
فتى الدّنيا إذا ما سيل عنهليوم كريهةٍ أو يوم جود
وكفٌّ ما تملّ من العطاياوقلبٌ ما يخاف من الوعيد
قال موسى بن عيسى أمير الكوفة لأبي شيبة قاضي الرّيّ: لم لا تغشانا فيمن يغشانا؟ فقال: لأني إن جئتك فقرّبتني فتنتني، وإن أقصيتني
حزنتني، وليس عندي ما أخافك عليه، ولا عندك ما أرجوك له، فلأيّ شيء أغشاك؟ فسكت موسى.
شاعر:
إذا لم تخش عاقبة اللياليولم تستحي فافعل ما تشاء
فلا والله ما في العيش خيرٌولا الدّنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا كريماًويبقى العود ما بقي اللّحاء
عزّى صالح المرّي رجلاً عن ابنه فقال: يا هذا إن كان مصيبتك بابنك لم تحدث لك موعظةً في نفسك، فمصيبتك جللٌ عند مصيبتك بنفسك، فإيّاها فابك.
قال فيلسوف: حدّ الفضيلة اعتياد فعلٍ ممدوحٍ يقتفى به أثر سلفٍ مرضيّ، وهي واسطة بين رذيلتين؛ قال: وإنّما قلت اعتياد فعلٍ لأنّه يمكن فعلها وفعل ضدّها، قال: فقلت: عدلٌ لأنه واسطة بين رذيلتين لفساد كلتا حاشيتيهما، أعني السّرف والتقصير.
وقال فيلسوف: كونوا من المسرّ المدغل أخوف منكم من المكاشف المعلن، فإنّ مداواة العلل الظّاهرة أهون من مداواة ما خفي وبطن.
وقال أرسطاطاليس: أعجب العجب ترك العجب من العجب.
قال أعرابيّ: عليك بالأدب، فلأن يذمّ بيانك خيرٌ من أن يعاب عيّك.
قال الباقر ﵁ في قوله تعالى: " ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتّقه " قال: يطع الله: فيوحّده، ورسوله: فيصدّقه، ويخشى الله: على ما سلف من ذنوبه، ويتّقه: فيما بقي من عمره، فأولئك هم الفائزون غداً بالجنّة.
قال سفيان بن عيينة: صحبت النّاس خمسين سنةً ما ستر أحدٌ لي عورةً، ولا ردّ عني غيبةً، ولا عفا لي عن مظلمةٍ، ولا قطعته فوصلني، وأخصّ إخواني لو خالفته في رمّانةٍ فقلت: حامضة، وقال: حلوة، لسعى فيّ حتى يشيط دمي.
أصابت إسماعيل بن يسار خصاصةٌ فطيّن على نفسه حتى مات هزلاً، ولم يسأل الناس.
قال أعرابيّ: إن أطعت الغضب أضعت الأدب.
قال بعض الحكماء: أوّل صناعة الكاتب كتمان السّرّ.
قال بعض المغفّلين في الطّواف: ربّ ارحم ترحم، واغفر ما تعلم وما لا تعلم.
قال عمر بن الخطّاب: بئس الجار الغنيّ، يأخذك ما لا يعطيك من نفسه، فإن أبيت لم يعذرك.
قال أمير المؤمنين عليٌّ ﵁: بئس الجار الغنيّ يبعث عليك ما لا يعينك عليه.
قال ابن مكرم لأبي العيناء: ألست عفيفاً؟ قال: أنت عفيف النّفس زاني الحرم، قال: إنّما صار هذا مذ تزوّجت أمّك.
قال بعض السّلف: من أطلق من عمله بصّر في عمله، ومن مدّ عينه إلى النّاس كثر غمّه وقلّ شكره، ومن أمن البلاء كان جزوعاً إذا نزل به، ومن عوّد نفسه أكل الشهوات مات قلبه، ومن لم يعزم على الصّبر لم يظفر بما يحبّ.
قال أرسطاطاليس: إنّا جدراء أن نتّخذ مرآةً من الحكمة مجلوّةً فنبدأ بالنّظر إلى الأمور فيها قبل اعتقاد شيءٍ منها واعتماله في همومنا، وذلك أنّا قد رأينا ناساً يفرّون من العيوب والجهالة، وقد يحتويهم الخسران، وقد يتعجّب، الحكماء من أمور هذا العالم ولا يدرون كيف يتأوّلون له، لأنّ أحاديثه ملتبسة، والبغية فيه مكتومة.
قال فيلسوف: العلماء يشهدون حيث يقال: مات فلانٌ وإنّ حكمته لم تمت.
قال أعرابيّ: من استضعف عدوّاً فقد اغترّ، ومن اغترّ فقد أمكن من نفسه.
قال بعض السلف: أمورٌ أبداً تبعٌ لأمور، فالمروءة تبعٌ للعقل، والعقل تبعٌ للمودّة، والعمل تبعٌ للعلم، والجدّ تبعٌ للتوفيق.
نظر أعرابيٌّ إلى خالد بن صفوان وهو يتكلّم فقال: كيف لم يسد هذا مع بيانه، فقال خالد: منعتهم مالي، وكرهت السّيف.
لابن دريد:
وقالوا تيمّم أرض حجرٍ تسد بهاوما أرض حجرٍ من سمائي ولا أرضي
ولكنّما أرض العراق التي بهاتملّيت عيشي الغضّ في الزّمن الغضّ
وأول أرضٍ مسّ جلدي ترابهاورنّق في عيني بها طارف الغمض
شاعر:
لك الحمد إمّا على نعمةٍوإمّا على نقمةٍ تصرف
تطاع لأنّك لا تستطاعوتعرف من حيث لا توصف
قال النّضر بن شميل في كتابٍ يسميه المنطق: تمضّ في كتابك: أي امض فيه، واستجدّ الناس السلطان أكالاً: أي يأكل أموالهم. وقالوا: جاءوا بأطعماتهم فتطاعموا، وبأعشياتهم فتعشّوا، وبأغدياتهم فتغدّوا، وقال: فلان طاعمٌ من طعامكم، وقال: رجلٌ شبعان، وامرأةٌ شبعى للأمة، والحرّة لا يقال لها ذاك؛ وقال النّضر: ما لك بهذا الأمر يدٌ: أي ما لك به ضباطةٌ ولا قوّةٌ؛ ويقال: رجلٌ ملوعٌ: أي أصابه غيظٌ كأنّه من اللّوعة؛ وقال: الهائع: الجائع.
وقال أبو عبيدة: ما يمكن أن يكون في الدّنيا مثل النّظّام، سألته وهو صبيٌّ عن عيب الزجاج، فقال: سريع الكسر، بطيء الجبر؛ ومدحوا
النّخلة عنده فقال: صعبة المرتقى، وبعيدة المهوى، خشنة المسّ، قليلة الظّلّ. وذكر الخليل عنده فقال: توحّد به العجب فأهلكه، وصوّر له الاستبداد صواب رأيه فتعاطى ما لا يحسنه ورام ما لا يناله، وفتنته دوائره التي لا يحتاج إليها غيره.
وقال المريسيّ لأبي الهذيل بحضرة المأمون بعد كلام جرى: كيف ترى هذه السّهام؟ فقال: ليّنة كالزّبد، حلوة كالشّهد، فكيف ترى سهامنا؟ قال: ما أحسست بها، قال: لأنّها صادفت جماداً.
شاعر:
أيا أخاً كان لي وكنت لهأشفق من والدٍ على ولد
حتّى إذا قارب الحوادث منخطوي وشدّ الزمان من عقدي
أحولّ عنّي وكان ينظر منعيني ويرمي بساعدي ويدي
قال رجل لمزبّد: من شجّك هاهنا - يعني استه -؟ قال: الذي شجّ أمّك في موضعين.
قالت امرأة الغاضري، وقد قطع لها قميصاً: ما أخشن هذا القميص!! قال لها: أهذا أخشن أم الطّلاق؟ قالت: بل الطلاق.
قال رجلٌ لعمر: أيضحّى بالضّبي، فقال له عمر: قل: الظّبي - بالظاء، قال: إنّها لغةٌ، قال: انقطع العتاب بيني وبينك.
قال رجلٌ للحسن البصري: يا أبا سعيد أنا أفسو في ثوبي وأصلّي، يجوز؟ قال: نعم لا كثّر الله في المسلمين مثلك.
أبو العتاهية:
الشّمس تنعى ساكن الدّنيا ويسعدها القمر
أين الذين عليهمركم الجنادل والمدر
أفناهم غلس العشيّ يهزّ أجنحة السّحر
ما للقلوب رقيقةًوكأنّ قلبك من حجر
ولقلّ ما تبقى وعودك كلّ يومٍ يعتصر
قال ابن الزّبير في جوابٍ لمعاوية: ربّ آكل عبيطٍ سيقدّ عليه، وشارب صفوٍ سيغصّ به. والقداد: داءٌ.
قال رجل لناجية المدائني لمّا مات أبوه: أجرك الله تعالى، فقال: رزقنا الله مكافأتك.
شاعر:
وربّ مدامةٍ كفتيت مسكٍتضوّع دنّها وسط الدّنان
كلون الجلّنار إذا أديرتوإن مزجت كلون الأرجوان
كخدّ حبيبةٍ همّت بأمرٍففاجأها الرّقيب على مكان
وبين الرّقّتين لنا ليالٍسرقناهنّ من ريب الزّمان
جعلناهنّ تاريخ اللياليوعنوان التذكّر والأماني
لابن غريض اليهوديّ:
يا ليت شعري حين أندب هالكاًماذا تؤبّنني به أنواحي
ولقد كففت عن العشيرة ريبتيولقد أخذت الحقّ غير ملاح
قد كنت شهماً في الحروب ومدرهاًوأكفّ من ذي الغرب بعد طماح
ولليلةٍ قد بتّ فيها ناعماًيغدى عليّ بقينةٍ وبراح
في فتيةٍ بيض الوجوه مساعرْما بين نشوانٍ وآخر صاح
إنّ امرءاً خاف الحوادث جاهلاًورجا الخلود كضاربٍ بقداح
خرج رجلٌ مرةً إلى الصحراء فرأى في زرعه فساداً من بردٍ فقال: يا ربّ أنت تنهى عن الفساد، فهذا حسن؟! قال بعض الأطباء: شرب النبيذ الحديث الصافي أوفق للكبد، والعتيق أوفق للمعدة، ومن شرب العتيق فليقطع فيه التّفاح والسفرجل.
يقال: في الخصيّ ثمان خصال: تلين بشرته، ويخشن قلبه، وتتّسع مقعدته، وتسترخي معدته، وتطول ساقاه، ويقصر أعلاه، ويسوء خلقه، وتذهب رحمته، وذلك أنه لم يدرك أباه فيعرف رحمة الآباء للأبناء، ولم يولد له فيعرف رقّة الآباء على الأبناء، وينتقل في عمره إلى ثلاث خصالٍ مذمومةٍ: في أوله ينكح، وفي أوسطه يزني، وفي آخره يقود.
قال أبو عبيدة كان أبو هريرة يقول: اللهمّ ارزقني ضرساً طحوناً، ومعدةً هضوماً، ودبراً نثوراً.
قيل لأبي مرّة: أيّ الطعام أحبّ إليك؟ قال: ثريدةٌ دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمّص، ذات حفافين من اللحم، لها جناحان من العراق؛ قيل: وكيف أكلك لها؟ قال: أصدع بهاتين - يعني السّبّابة والوسطى، وأشدّ بهذه - يعني الإبهام، وأجمع ما شذّ منها بهذه - يعني الخنصر، وأضرب فيها ضرب والي السّوء في مال اليتيم.
أخذ ملكٌ من العجم رجلاً وجد عليه فأمر بقتله، فقال الرجل: أيّها الملك إن قتلتني وأنا صادقٌ كثر عتبك، وإن تركتني وأنا كاذب قلّ وزرك، وأنت من وراء ما تريده، والعجلة يوكّل بها الزّلل، فعفا عنه.
أتي مصعب بن الزّبير برجلٍ من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه فقال: أيّها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطرافك وأقول: أي رّ سل مصعباً لماذا قتلني، فقال: أطلقوه، فقال: أيّها الأمير، اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض عيشٍ، فقال: أعطوه مائة ألف درهم، قال: أشهد الله تعالى أنّي جعلت لابن قيس الرّقيّات منها خمسين ألف درهم، قال: ولم؟ قال: لقوله:
إنّما مصعبٌ شهابٌ من اللهـ تجلّت عن وجهه الظّلماء
فضحك مصعبٌ وقال: فيك موضعٌ للصّنيعة، وأمره بملازمته ومؤانسته.
شاعر:
ومولىً لو أنّ السّمّ كان بكفّهسقاني من ذيفانه فقضاني
معنّىً ببغضي والأواصر بينناجزى الله عنه نفعه وجزاني
أليس يرى أنّا إلى وقت غايةٍوأنّ يدي من دونه ولساني
وأنّي وإن أمسيت رمساً بقفرةٍوأقبرت لم يسلم من الحدثان
قال القطامي من قصيدة:
لقد علمت كهولهم القدامىإذا قعدوا كأنّهم النّسار
وشقّ البحر عن أصحاب موسىوغرّقت الفراعنة الكفار
وقول المرء ينفذ بعد حينٍأماكن لا تجاوزها الإبار
تسمّع من نوازله صريفاًكما صاحت على الحدب الصّقار
قال: النّسار جمع نسر، والكفار جمع كافر، والإبار جمع إبرة، والصّقار: جمع صقر، ولهذا رويناه.
شاعر:
سأشرب كاسيك اللّتي أنت شاربٌوإن كانتا والله صاباً وعلقما
وأدخل كفّي إثر كفّك في الذيعناك ولو أدخلتها جحر أرقما
قال أعرابيٌّ لصاحبٍ له: أنت والله كالقمر الزّاهر عند الشّرب، والسّحاب الماطر لدى اللّزب، والأسد الخادر عند الحرب.
قيل لأبي عمرة: كيف امرأتك؟ قال: مسقاط اللّيل، معثار الذّيل.
يقال: الرّاحة للرجال غفلة وللنّساء غلمة.
ويقال: الشّيب خطام المنيّة، ووافد الحمام، وتاريخ الكتاب في عنوان العمر، وبريد الفناء، ورائد الموت، وتمهيد الهلاك، وأول مراحل الآخرة.
لهلال بن العلاء الرقّي:
لمّا عفوت ولم أحقد على أحدٍأرحت نفسي من غمّ العداوات
إنّي أحيّي عدوّي عند رؤيتهلأدفع الشرّ عنّي بالتّحيّات
وأظهر البشر للإنسان أبغضهكأنّه قد ملا قلبي محبّات
والنّاس داءٌ وداء النّاس قربهموفي الجفاء لهم قطع الأخوّات
فلست أسلم ممن لست أعرفهفكيف أسلم من أهل المودّات
لبعض المتكلّمين:
إذا أمر الله الورى ونهاهمبما لم يركّب فيهم علم ذلك
فلا بدّ عندي من دليلٍ يدلّهموإلاّ فلا عتبٌ على كلّ هالك
قيل للإسكندر: إنّ فلاناً يثلبك فلو عاقتبه، قال: هو عند العقاب أعذر.
لما فتح قتيبة سمرقند أفضى إلى أثاثٍ لم ير مثله وإلى آلاتٍ لم يسمع بمثلها، فأحبّ أن يرى الناس ذلك، فأمر بالفرش ففرش، وأحضر قدوراً يرتقى إليها بسلالم، ودخل عليه الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرّقاشيّ، فلمّا رآه عبد الله بن مسلم سأل قتيبة أن يأذن له في كلامه فقال: لا ترده فإنّه خبيث، فأبى عليه فأذن له، وكان عبد الله يضعّف، وكان قد تسوّر حائطاً إلى امرأةٍ قبل ذلك، فقال للحضين: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسنّ عمّك عن تسوّر الحيطان، قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائلٍ رأى مثلها، قال: لا ولا عيلان، ولو كان رآها سمّي شبعان ولم يسمّ عيلان، قال عبد الله: أتعرف الذي يقول:
عزلنا وولّينا وبكر بن وائلٍتجرّ خصاها تبتغي من تحالف
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول:
وخيبة من يخيب على غنيٍّوباهلة بن يعصر والرّكاب
قال له: أتعرف الذي يقول:
كأنّ فقاح الأزد حول ابن مسمعٍوقد عرقت أفواه بكر بن وائل
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول:
قومٌ قتيبة أمّهم وأبوهملولا قتيبة أصبحوا في مجهل
وحجز قتيبة بينهما.
قال قتادة بن مغرّب اليشكريّ:
رأيت عبد القيس لاقت ذلاّإذا تعشّوا بصلاً وخلاًّ
وجوفياً ومالحاً قد صلاّباتوا يسلّون الفساء سلاّ
سلّ النّبيط القصب المبتلاّ
قال النبيّ ﵌: " الخيل بطونها كنز، وظهورها عزٌّ ".
وقال ﵇ في النّخل: " الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل ".
وقال ﵇: " يغرس في أرضٍ خوّارة، ويشرب من عينٍ خرّارة ".
وقال ﵇: " إيّاكم والمشارّة فإنّها تيمت الغرّة، وتحيي العرّة.
اختصم بلال بن جرير وبكر بن الأحنف الحمّاني في ماء، فخشي بلالٌ أن يذكر أمّه وهي أمّ حكيم، وكانت أمةً للحجّاج فوهبها لجرير فولدت بلالاً ونوحاً، فقال بلال: إني لأعلم والله أنّك ستذكر أمّ حكيم، إنها لسبيئة زمام، وعطيّة ملك، وبنت دهقان، وزوج كريم، ليست كأمّك تغدو على أثر ضأنها بالمروت، والله أعلم بما وجد عليها فحلف ليهبنّها لألأم العرب، فلم جد ألأم من أبيك فوهبها له.
وجد في صندوقٍ لعبد الله بن الزّبير صحيفةٌ فيها مكتوب: إذا كان الحديث جلفاً، والميعاد خلفاً والمقيت إلفاً، والولد غيظاً، وغاص الكرام غيضاً، وفاض اللئام فيضاً، فأعنزٌ جفر، في بلدٍ قفر، خيرٌ من ملك بني النّضر.
قال العبّاس حين استسقى به عمر: اللهمّ إنّه لا ينزل بلاءٌ إلاّ بذنب، ولا يكشف إلاّ بتوبة، وقد توجّه بي القوم إليك لمكاني من نبيّك، وهذه أبداننا بالذّنوب، ونواصينا بالتّوبة، فاسقنا الغيث.
قال بعض قدماء العرب: أفضل النّساء أطولهنّ إذا قامت، وأعظمهنّ إذا نامت، وأصدقهنّ إذا قالت، التي إذا غضبت حلمت، وإذا ضحكت ابتسمت، وإذا صنعت جوّدت، التي تلزم بيتها، ولا تعصي بعلها
العزيزة في قومها، الذّليلة في نفسها.
قال بعض السّلف: لعليٍّ أربع خصالٍ ضوارس قواطع: سطةٌ في العشيرة، وصهرٌ بالرسول، وعلمٌ بالتأويل، وصبرٌ إذا دعيت نزال؛ سطةٌ من وسطة، كعدةٍ من وعدة، وصفةٍ من وصفة، وزنةٍ من وزنة.
شقيق بن السّليك الغاضري:
إذا ما نكحت فلا بالرّفاءوإمّا ابتنيت فلا بالبنينا
تزوّجت أصلع في غربةٍتجنّ الحليلة منه جنونا
إذا ما نقلت إلى بيتهأعدّ لجنبيك سوطاً أمينا
يشمّك أخبث أضراسهإذا ما دنوت لتستنشقينا
كأنّ المساويك في شدقهإذا هنّ أكرهن حمّلن طينا
كأنّ توالي أضراسهوبين ثناياه غسلاً لجينا
قال بعض السّلف: ما استنبط الصّواب بمثل المشورة، ولا حصّنت النّعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر.
أتي الهادي برجلٍ مذنبٍ فجعل يقرّعه فقال الرجل: يا أمير
المؤمنين، اعتذاري ممّا تقرّعني به ردٌّ عليك، وإقراري بما تعتدّ به عليّ يلزمني ذنباً، ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحةًفلا تزهدن عن المعافاة بالأجر
قدم عبد الصمد بن المفضّل الرّقاشي الرّيّ وخالد بن ديسم العربي على الديوان، فكتب إليه:
أخالد إنّ الرّيّ قد أجحفت بناوضاق علينا كسبها ومعاشها
وقد أطمعتنا منك يوماً سحابةٌأضاءت لنا برقاً وكفّ رشاشها
فلا غيمها يضحي فييأس طامعٌولا عيشها يأتي فتروي عطاشها
وقد طال إتعابي إليك مطيّتيفلم يبق إلاّ عظمها ومشاشها
ولو طاوعتني النّفس في بدو أمرهالألفيتها قد حدّ عنك انكماشها
فأقلل بها غنماً ونفعاً ونائلاًمواعيد لا يبدو عليّ رياشها
أيدفعني بالباب وهبٌ وعامرٌوقد ولدتني ذهلها ورقاشها
سأل أعرابيٌّ فقال: لقد جعت حتى أكلت النّوى المحرق، ومشيت حتى انتعلت الدّم، وحتّى سقط من رجلي نحض لحم، وتمنّيت أنّ وجهي حذاءٌ لقدمي، فهل من أخٍ يرحم؟ لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز بعث أهل بيت الحجّاج إلى الحارث بن عمرو الطائي، وكان على البلقاء، وكتب إليه: أما بعد، فإنّي قد
بعثت إليك بآل أبي عقيل، وبئس والله أهل البيت في دين الله تعالى وهلاك المسلمين، فأنزلهم بقدر هوانهم على الله تعالى وعلى أمير المؤمنين.
قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان فقالت ابنته عائشة: واأبتاه! فقال لها معاوية: يا بنت أخي، إنّ النّاس أعطونا طاعةً وأعطيناهم أماناً، وأظهرنا لهم حلماً تحته غضب، وأظهروا لنا طاعةً تحتها حقد، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، فلا يدري أعلينا يكون أم لنا، فلأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خيرٌ من أن تكوني امرأةً من المسلمين.
لما صافّ قتيبة بن مسلم التّرك وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع فقيل: هو في أقصى الميمنة جانحاً على سية قوسه، ينضنض بإصبعه نحو السماء، فقال قتيبة: لتلك الإصبع الفاردة خيرٌ من ألف سيفٍ شهيرٍ، وسهمٍ طرير.
قال بعض القدماء: إن كنت حافظاً للسّلطان في ولايتك، حذراً منه عند تقريبه، أميناً له إذا ائتمنك، تشكر له ولا تكلّفه الشكر لك، تعلّمه وكأنّك تتعلم منه، وتؤدّبه وكأنّه يؤدّبك، بصيراً بهواه، مؤثراً لمنفعته، ذليلاً إن ضامك، قانعاً إن حرمك، وإلاّ فابعد منه كلّ البعد.
اجتاز أبو الأسود الدّؤليّ بقومٍ فقال بعضهم: كأنّ غضون قفاه
فقاحٌ، فقال: هل تعرف فقحة أمّك يا فتى؟ فأخجله.
سأل كيسان خلفاً وكان به صمم فقال له: يا أبا محرز، علقمة بن عبدة جاهليٌّ أو من ضبّة؟ فقال له خلف: يا مجنون صحّح المسألة حتى يصحّ الجواب.
قال أعرابيّ: أصابنا مطرٌ دغر الأرض.
وقال أعرابيّ: النساء فرشٌ، وخيرهنّ أوثرهنّ.
كان أعشى همدان منقطعاً إلى عتّاب بن ورقاء التّميميّ، وكان ينادمه، فقال: يا أبا المصبّح، لئن أصبت إمرةً إنها لك خاصة، خاتمي في يدك تقضي في أمور النّاس؛ فاستعمل على أصفهان، فجاءه الأعشى فجفاه فقال:
تمنّيني إمارتها تميمٌوما أمّي بأمّ بني تميم
وكان أبو سليمانٍ خليليولكنّ الشّراك من الأديم
أتينا أصبهان فأهزلتناوكنّا قبل ذلك في نعيم
أتذكر يا خويلد إذ غزوناوأنت على بغيلك ذي الوشوم
ويركب رأسه في كلّ وعثٍويعثر في الطريق المستقيم
وليس عليك إلا طيلسانٌنصيبيٌّ وإلاّ سحق نيم
لما مات النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسمع بذلك نساءٌ من كندة وحضرموت، خضبن أيديهنّ وضربن بالدّفوف، فقال رجلٌ منهم:
أبلغ أبا بكرٍ إذا ما جئتهأنّ البغايا رمن كلّ مرام
أظهرن من موت النبيّ شماتةًوخضبن أيديهنّ بالعلاّم
فاقطع هديت أكفّهنّ بصارمٍكالبرق أومض في جفون غمام
شاعر:
ما من صديقٍ وإن تمّت صداقتهيوماً بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثّم بالمنديل منطلقاًلم يخش نبوة بوّابٍ ولا غلق
لا تكذبنّ فإنّ النّاس مذ خلقوالرغبةٍ يكرمون النّاس أو فرق
مرّ خالد بن صفوان على أبي الجهم وتحته حمار فقال: ما هذا يا ابن صفوان؟ فقال: عيرٌ من بنات الكداد، أصحر السّربال، محملج القوائم، يحمل الرّجلة، ويبلّغ المنزل، ويمنعني من أن أكون جباراً عنيداً.
بعث النعمان إلى الحارث بن أبي شمر جيشاً وقال: من يعرف عدوّنا الذي أنفذنا إليه جيشنا؟ فقال بعض بني عجل: أنا، فقال النّعمان: صفه، فقال: قطفٌ نطف، صلفٌ قصف، فقام الرّديم وهو عمرو بن ضرار فقال: أبيت اللّعن، أوطأك العشوة: هو والله حليم النّشوة، شديد السّطوة، قال: صدقت، كذا ينبغي أن يكون عدوّنا.
لورد بن عاصم المبرسم في الحسن بن زيد العلوي:
له حقٌّ وليس عليه حقٌّومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقاًعليه لأهلها وهو الرّسول
فطلبه فهرب منه، ثم لم يشعر يوماً إلاّ وهو بين يديه يقول:
ستأتي عذرتي الحسن بن زيدٍوتشهد لي بصفّين القبور
قبورٌ لو بأحمد أو عليٍّيكون مجيرها حفظ المجير
هما أبواك من وضعا فضعهوأنت برفع من رفعا جدير
فاستخفّ الحسن كرمه، فقام فبسط رداءه وأجلسه عليه وأمّنه.
قال بعض أهل اللغة: لببت الشيء ألبّه لبّاً إذا شددته بحبلٍ أو خيط؛ ونادى أعرابيٌّ غلامه فقال: لبّيك، فقال: لبّ الحبل جنبيك؛
هكذا قال أبو محمد الأندلسيّ، وكان كبيراً في اللغة، ورد بغداد وهو نحويٌّ، ولزم أبا سعيد السّيرافي، وأنشد لبعض أهل المغرب:
الجود والغول والعنقاء ثالثةٌأسماء أشياء لم تخلق ولم تكن
وأنشد لآخر منهم:
لو قضى الله للمنون بحتفٍصيّر البين للمنون منونا
وكان أشحّ النّاس، وهذه شيمة أهل المغرب، وكان ربّما قرض البيت، إلا أنّه كان ركيك الشّعر رديء النّثر سيّء العبارة، كثير الحفظ جيّد الإتقان، ومات ببغداد سنة خمسٍ وسبعين وثلاثمائة.
للوليد بن عقبة:
وكنّا إذا ما حيّةٌ أعيت الرّقىوكان زعافاً يقطر السّمّ نابها
دسسنا لها تحت الظلام ابن ملجمٍجريّاً إذا ما جاء نفساً حسابها
أبا حسنٍ ذقها على الرأس ضربةًبكفّ كريمٍ بعد وقتٍ ثوابها
أمات ابن عفّانٍ فلم تبق دمنةٌونحن موالي غمرةٍ لا نهابها
فألقى على المصريّ ثوب ظلامةٍكما سلخت شاةٌ فطار انكعابها
قال أعرابيّ: لا يكشف منسدل الهمّ إلاّ مشمّر الصّبر.
ب - قد سألت السّيرافيّ عن الانسدال والانشمار فقال: مسموعان.
قال بعض الفرس: الصّبر ربيع القلب.
وقال آخر: الصّبر يقلّم أظفار الخطوب.
كان أبو طالب نديماً لمسافر بن أبي عمرو، وهلك مسافرٌ فرثاه أبو طالب فقال:
ليت شعري مسافر بن أبي عمروٍ وليتٌ يقولها المحزون
رجع الرّكب سالمين جميعاًوخليلي في مرمسٍ مدفون
قال بعض أهل اللغة: في الفم اثنتان وثلاثون سنّاً، ثنيّتان من فوق وثنيّتان من تحت، ورباعيّتان من فوق ورباعيّتان من تحت، ونابان من فوق ونابان من تحت، وضاحكتان من فوق وضاحكتان من تحت، وثلاث أرحاءٍ من فوق وثلاث أرحاءٍ من تحت، وثلاث أرحاءٍ من فوق وثلاث أرحاءٍ من تحت، وناجذان من فوق وناجذان من تحت.
وقّع أبو صالح محمد بن يزداد إلى عاملٍ أخّر أمراً: جعلنا إهمالنا لك وتعطّفنا ورفقنا بك مطيّةً لمطلك، وسبباً لدفعك ما لزمك ووجب عليك، فامح ببدارك إساءتك، وبتعجيلك مدافعتك، وأحضر حسابك مفصّلاً في باقي أسبوعك، ولا تحوج إلى عنفٍ بك، واستقصاءٍ عليك، إن شاء الله.
وكتب إلى جعفر بن محمود: ما زلت - أيّدك الله - أذمّ الدهر بذمّه إياك، وأنتظر لنفسي لك عقباه، وأتمنّى زوال حال من لا ذنب له إلى رجاء عاقبةٍ محمودةٍ تكون لك بزوال حاله، وتركت الإعذار في الطّلب على اختلالٍ شديدٍ إليه، ضنّاً بالمعروف عندي إلاّ عن أهله، وحبساً لشكري إلاّ عن مستحقه.
فوقّع جعفر: لم أؤخّر ذكرك تناسياً لحقّك، ولا إغفالاً لواجبك، ولا إرجاءً لمهمّ أمرك، ولكني رجوت اتساع الحال بانفساح الأعمال، لأخصّك بأسناها خطراً، وأجلّها قدراً وأعودها بنفعٍ عليك، وأوفرها رزقاً لك، وأقربها مسافةً منك، وإذا كنت ممّن يحفزه الإعجال، ولا يتّسع له الإهمال، فسأختار لك خير ما يشير إليه، وأقدّم النظر فيه، وأجعله أول ما أمضيه، إنّ شاء الله.
خطب يزيد بدمشق فقال: أيّهاالناس، سافروا بأبصاركم في كرّ الجديدين، ثمّ ارجعوها كليلةً عن بلوغ الأمل، وإنّ الماضي عظةٌ للباقي، ولا تجعلوا الغرور سبيل العجز عن الجدّ فتنقطع حجتكم في موقفٍ الله تعالى سائلكم فيه ومحاسبكم على ما أسلفتم. أيّها النّاس، أمس شاهدٌ فاحذروه، واليوم مؤدّبٌ فاعرفوه، وغدٌ رسولٌ فأكرموه، وكونوا على حذرٍ من هجوم القدر، فإن أعمالكم مطيّات أبدانكم، والصّراط ميدان يكثر فيه العثار، والسالم ناجٍ والعاثر في النّار.
قال محمد بن العلاء السّجزي: لما ولي عبيد الله بن سليمان الوزارة، أوصلت إليه كتاباً من عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وفيه يقول:
أبى دهرنا إسعافنا في أمورناوأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمّهاودع أمرنا إنّ المهمّ المقدّم
ذكر أعرابيٌّ امرأةً فقال: إن دعت القلوب لم تبطء عنها، وإن قتلت لم يعد عليها.
قال الهيثم بن عديّ: قال جعفر بن معاوية لخالد بن صفوان: ما منعك أن يكون عندك امرأةٌ شريفةٌ من أشراف أهل البصرة؟ قال: فابغني امرأةً، قال: فأيّ النساء تريد؟ قال: ابغني امرأة بكراً كثيّبٍ وثيّباً كبكر، لا ضرعاً صغيرةً ولا عجوزاً كبيرة، عاشت في نعمةٍ وأدركتها حاجة، فخلق النّعمة معها وذلّ الحاجة فيها، وحسبي من حسبها أن تكون واسطةٌ في قومها، وحسبي من جمالها أن تكون فخمةً من بعيد، مليحةً من قريب، ترضى منّي بالسّنّة، وترفع عنّي المنّة، إن عشت أكرمتها، وإن متّ ورّثتها، لا ترفع رأسها إلى السماء رفعاً، ولا تضعه في الأرض وضعاً، أديبةً عاقلةً فصيحة. فقال جعفر: يا أبا صفوان، الناس في طلب هذه منذ زمانٍ حتى يبايعوها على الخلافة فلا يقدرون عليها، فاسل فإنّك حالم.
لمّا سيّر عليّ بن الجهم إلى خراسان كتب إلى بعض إخوانه على لسان غلامٍ له: أمّا بعد، فإنّ الله إذا أراد أمراً جعل له من قضائه سبباً يجري
بعلمه، وينتهي إلى قدره، ولا إله إلاّه، أحصى كلّ شيءٍ عدداً، وأحاط بكلّ شيءٍ علماً، وجعل لكلّ قدراً، ومن أسباب قدره أن سهّل لي بعدك من الشّعر ما أخاطب به الشاهد وأكاتب الغائب، وأجتدي به وأستزيد، وأبلغ ما أريد، وهو يؤنسني إذا أوحشت، ويطيعني إذا عصيت، ويصدع عنّي إذا شيت، بليغ الخطبة، جميل العشرة، كريم الصّحبة، يرد الأندية، ويلج الأخبية، سائراً في البلاد، مسافراً من غير زاد، راضياً إن رضيت، مؤذياً إن أوذيت، جازياً بما أوليت، باقياً إذا أفنيت، معترضاً في الأسمار، عالماً بالأخبار، ومعزّياً عن الأوتار، يحضر إن غبت، ويجسر إن هبت، ولا يحظر بالحظر، ولا يوزع بالزّجر، إذا قيّد رتك، وإذا أغمد بتك، وإذا جرّد فتك، يلقح به الغزل ويعلل به الشمل ويأنس به الوجل وقد أتحفتك منه ببعض ما يجدّد عندك ذكرنا، وتعرف به خبرنا، وهو شعرٌ قلته في مقامٍ واحدٍ لم أزل أعجب منه، وسأصف لك المقام لتحمد الله تعالى عليه: لمّا كان اليوم الذي وردنا نيسابور، وقصدنا باب الأمير، وقد احتشد لنا الناس وكان من قدّر ذلك يتوهّم مع الخبر الشائع الذي حملنا له أنّ الداعي علينا سيكثر، وأنّ الشّامت بنا سيظهر، إذ كنّا في حالٍ لم يحمل على مثلها بابك ولا المازيار، وما منهما إلاّ قد رأينا؛ فبينا الناس كذلك إذ اقبل به في محملٍ قليل الوطاء، مسلوب الغطاء، فلمّا توسطنا الجماعة، ونظروا إليه، فلم يكن في ظاهره ما يسمج، ولا في قديمه ما ينكر، ولا في مساعيه ما ينقم، ولا في قدر الذّنب الذي ذكر أنه فعله ما يبلغ به ذلك عند الناس، وجد الوليّ إلى الدّعاء له بالخير سبيلاً، وساعده من حضر، وارتجّ الجميع بالدعاء له، فصار ما نعي عليه
معونةً له، وأبى الله تعالى، المحسن إلينا، أن يسلبه السّتر الجميل، إذ سلبه الآدميّون الغطاء، وألاّ يزيل نعمه إذ زال كلّ ما كان فيه، وألا يجعل لأعدائه إلى الشّماتة به سبيلاً، والسلام.
قال عمر بن الخطّاب: ما رأيت صغير الهمّة إلاّ رأيته مذموم الأحدوثة.
جلد صهيبٌ المدينيّ في الشّراب، وكان جسيماً، وكان الجلاّد قصيراً قميئاً فقال له: تقاصر لينالك السّوط، فقال: ويلك، إلى أكل الفالوذج تدعوني؟! والله لوددت أنّي أطول من عوج، وأنت أقصر من يأجوج.
ضرب طويسٌ في الشّراب فقيل له: كيف كان جلدك على وقع السّياط؟ قال: بلغني أنّي كنت صبوراً.
شاعر:
لكلّ أديبٍ ترى همّةًوهدياً يدلّ على همّته
ولم ار مثل فتىً ماجدٍيداري الأمور على فطنته
يجازي الصّديق بإحسانهويرجي العدوّ إلى غفلته
ويلبس الدهر تبّانه ويخضع للقرد في دولته.
بلوت الرجال وجرّبتهمفكلٌّ يدور على لذّته
قال تميم بن نصر بن سيّار لأعرابيّ: هل أصابتك تخمةٌ قطّ؟
قال: أمّا من طعامك وطعام أبيك فلا.
شاعر:
ودّعته فتناولتعيناه من عيني دموعا
أسف الزمان عليّ أن نبقى كما كنا جميعا
وأحلّني في غربةٍوأحلّه البلد الشّسيعا
وما كنت أحسب أن يكون كذا تفرّقنا سريعا
قال أعرابيّ: قبحاً لدهرٍ لا تصفوا أيامه، ولا تنصف أحكامه، وأنشد:
فإن تك أحزانٌ وفائض عبرةٍأثرن دماً من داخل الجوف منقعا
تجرّعتها من عاصمٍ واحتسيتهاوأعظم منها ما احتسى من تجرّعا
فليت المنايا خلّفت لي عاصماًفعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا
قال أعرابيٌّ لرجل: إنّ فلاناً وإن ضحك إليك، فإنّ قلبه يضحك منك، ولئن أظهر شفقته عليك فإن عقاربه تسري إليك، فإن لم تتخذه عدوّا في علانيتك فلا تجعله صديقاً في سريرتك.
شاعر:
وكلت قلبي بالولوع وجفن عيني بالدّموع
إذ لا سبيل إلى الوصال ولا طريق إلى الرّجوع
أما ولوعات الفراق يشبّها بين الضّلوع
لا مال قلبي ما حييت من النّزاع إلى النّزوع
كلاّ ولا ذاقت جفوني بعده طيب الهجوع
قال أحمد بن الطّيب: نظر بعض الأفاضل إلى رجلين أحدهما قد حمل ديكاً ليقاتل به والآخر قد حمل محبرةً وورقاً ليستفيد أدباً فقال: إنّ سعيكما لشتّى.
لسلمان الفارسيّ:
أبي الإسلام لا أب لي سواهإذا افتخروا ببكرٍ أو تميم
بدعوى الجاهلية لم أجبهمولا يدعوا بها غير الأثيم
دعي القوم ينصر مدّعيهليلحقه بذي الحسب الصميم
قال سليمان التّميمي: دخلت على الأعمش وعنده نبيذٌ في إناء فقلت: ألا تغطّيه لئلا يقع فيه الذّباب؟ فقال: هذا أكرم من أين يقع الذّباب.
قال أبو هاشم: سمعت عمّي يقول: كان بين الأعمش وبين رقبة ابن مصقلة معارضةٌ، كتب إليه الأعمش كتاباً يتوعّده، فأجابه رقبة، أمّا بعد، يريبني منك أباً محمدٍ أنّك تضرع في وعيدك، وتستعين بأمثال غيرك، لو شئت لأضربنّ قذالك بتصريف المقال، ثم لأتبعنّها بنوافذ الأمثال؛ فوضع الأعمش يده على رأسه وقال: ما لنا ولخطباء عبد القيس.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع