من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)
الأقوال في المعاد
من كتاب تهافت الفلاسفة الأقوال الممكنة في أمر المعاد على خمسة، وقد ذهب إلى كل منها جماعة: الأول ثبوت المعاد الجسماني فقط وأن المعاد ليس إلا لهذا البدن وهو قول نفاة النفس الناطقة المجردة وهم أكثر أهل الإسلام، الثاني ثبوت المعاد الروحاني فقط، وهو قول الفلاسفة الإلهيين: الذي ذهبوا إلى أن الإنسان هو النفس الناطقة فقط وإنما البدن آلة تستعمل وتتصرف فيه لاستكمال جوهرها، الثالث ثبوت المعاد الروحاني والجسماني معاً وهو قول من أثبت النفس الناطقة المجردة من الإسلاميين كالإمام الغزالي والحكيم الراغب وكثير من المتصوفة، الرابع عدم ثبوت شيء منهما وهو قول القدماء والطبيعيين الذين لا يعتد بهم ولا بمذهبهم لا في الملة ولا في الفلسفة، الخامس التوقف وهو المنقول عن جالينوس، فقد نقل عنه أنه قال في مرضه الذي مات فيه إني ما علمت أن النفس هي المزاج فينعدم عند الموت فيستحيل إعادتها أو هي جوهر باق بعد فساد البدن فيمكن المعاد.
للشيخ الرئيس أبو علي بن سينا
هبطت إليك من المحل الأرفعورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارفوهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربماكرهت فراقك فهي ذات تفجع
أنفت وما أنست فلما واصلتألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهوداً بالحمىومنازلاً بفراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطهاعن ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحتبين المعالم والطاول الخضع
تبكي وقد ذكرت عهوداً بالحمىبمدامع تهوى ولم تتقطع
وتظل ساجعة على الدمن التيدرست بتكرار الرياح الأربع
إذ عاقها الشرك الكثيف وصدهاقفص عن الأوج الفسيح المربع
حتى إذا قرب المسير من الحمىودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت مفارقة لكل مخلفعنها حليف البرق غير مشيع
سجعت وقد كشف الغطا فأبصرتما ليس يدرك بالعيون الهجع
وغدت تغرد فوق ذروة شاهقوالعلم يرفع كل من لم يرفع
فلأي شيء أهبطت من شامخعالٍ إلى قعر الحضيض الأوسع
إن كان أهبطها الإله لحكمةٍطويت على الفذ اللبيب الأروع
وهبوطها إن كان ضربة لازبلتكون سامعة بما لم تسمع
وتعود عالمة بكل خفيةفي العالمين فخرقها لم يرقع
وهي التي قطع الزمان طريقهاحتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تألق بالحمىثم انطوى فكأنه لم يلمع
أنعم برد جواب ما أنا فاحصعنه فنار العلم ذات تشعشع
حاصل الأبيات الستة أنها لأي شيء تعلقت بالبدن إن كان لأمر غير تحصيل الكمال فهي حكمة خفية على الأذهان، وإن كان لتحصيل الكمال فلم ينقطع تعلقها به قبل حصول الكمال، فإن أكثر النفوس تفارق أبدانها من دون تحصيل كمال ولا تتعلق ببدن آخر لبطلان التناسخ.
للشيخ ابن الفارض
أرج النسيم سرى من الزوراءسحراً فأحيا ميت الأحياء
أهدى لنا أرواح نجد عرفهفالجو منه معنبر الأرجاء
ورى أحاديث الأحبة مسنداًعن أذخر بأذاخر وسحاء
فسكرت من ريا حواشي بردهوسرت حميا البرء في أدواء
يا راكب الوجنا بلغت المنىعج بالحمى إن جزت بالجرعاء
متيماً تلعات وادي ضارجمتيامناً عن قاعة الوعساء
فإذا صلت أثيل سلع فالنقىفالرقمتين فلعلع فشظاء
فكذا عن العلمين من شرقيةمل عادلاً للحلة الفيحاء
واقرا السلام أهيل ذياك اللوى ... من مغرم دنف كئيب نائي صب متى قفل الحجيج تصاعدت ... زفراته بتنفس الصعداء
كلم السهاد جفونه فتبادرتعبراته ممزوجة بدماء
يا ساكني البطحاء هل من عوذةأحيا بها يا ساكني البطحاء
إن ينقضي صبري فليس بمنقضوجدي القديم بكم ولا برحائي
ولئن جفا الوسمي ما حل تربكمفمدامعي تربو على الأنواء
واحسرتي ضاع الزمان ولم أفزمنكم أهيل مودتي بلقاء
ومتى يؤمل راحة من عمرهيومان يوم قلىً ويوم تنائي
وحياتكم يا أهل مكة وهي ليقسماً لقد كلفت بكم أحشائي
حبيبكم في الناس أضحى مذهبيوهواكم ديني وعقد ولائي
يا لايمي في حب من من أجلهقد جد بي وجدي وعز عزائي
هلا نهاك نهاك عن لوم امرىءٍلم يلف غير منعمٍ بشقائي
لو تدر فيم عذلتني لعذرتنيخفض عليك وخلني وبلائي
فلنازلي سرح المربع فالشبيكةفالثنية من شعاب كداء
ولحاضري البيت الحرام وعامريتلك الخيام تلفني وعنائي
ولفتية الحرم المريع وجيرةالحي المنيع وزائري الجثماء
وهم هم صدوا دنوا ودو جفواغدروا وفوا هجروا رثوا لضنائي
وهم عياذي حيث لم تغن الرقاوهم ملاذي إن عدت أعدائي
وهم بقلبي إن تنائت دارهمعني وسخطي فيهم ورضائي
وعلى مقامي بين ظهرانيهمبالأخشبين أطوف حول حمائي
وعلى اعتناقي للرفاق مسلماًعند استلام الركن بالإيماء
وعلى مقامي بالمقام أقام فيجسمي السقام ولات حين شفاء
وتذكري أجياد وردي في الضحىوتهجدي في الليلة الليلاء
سري ولو قلبت بطاح مسيلةقلباً لقلبي ري بالحصباء
أسعد أخي وغنني بحديث منحل الأباحط إن رعيت إخائي
وأعده عند مسامعي فالروح إنبعد المدى ترتاحللأنباء
وإذا عن عذب الورود بأرضهوأحاد عنه وفي نقاه بقائي
وإذا أذى ألم ألم بمهجتيفشذا أعيشاب الحجاز دوائي
أأذا دعن عذب الورود بأرضهوأحاد عنه؟ ففي بقاه بقائي
وربوعه إربي أجل وربيعهطربى والشصار أزمة اللأواء
وجباله لي مربع ورماله ليمرتع وظلاله أفيائي
وترابه ند الذكي وماؤهعذبي الروي وفي ثراه ثرائي
وشعابه لي جنة وقبابهلي جنة وعلى صفاه صفائي
حيا الحيا تلك المنازل والربىوسقى الولي مواطن اللألاء
وسقى المشاعر والمحصب من منىسحاً وجاد مواقف الأنضاء
ورعى الإله بها أصيحابي الأولىسامرتهم بمجامع الأهواء
ورعى ليالي الخيف ما كانت سوىحلم مضى مع يقظة الإغفاء
واهاً على ذاك الزمان وما حوىطيب المكان بغفلة الرقباء
أيام أرتع في ميادين النىجذلاً وأرفل في ذيول حبائي
ما أعجب الأيام توجب للفتىمحناً وتمنحه بسلب عطاء
يا هل لماضي عيشنا من أوبةيوماً وأسمح بعده ببقاء
هيهات خاب السعي وانفصمت عرىحبل المنى وانحل عقد رجائي
وكفى غراماً أن أبيت متيماًشوقي أمامي والقضاء ورائي
ولابن الفارض أيضا: ما بين معترك الأحداق والمهجأنا القتيل بلا إثم ولا حرج
ودعت قبل الهوى ولا نظرتعيناي من حسن ذاك المنظر البهج
لله أجفان عين فيك ساهرةشوقا إليك وقلب بالغرام شجى
وأضلع لجلت كادت لقوتهامن الجوى كبدي الحرا من العوج
وأدمع هملت لولا التنفس مننار الجوىلا لم أكد أنجو من اللجج
وحبذا فيك أسقام حفيت بهاعني تقوم بها عند الهوى حججي
أصبحت فيك كما أمسيت مكتئباولم أقل جزعا يا أزمة انفرجي
أهفو إلى كل قلب بالغرام لهشغل وكل لسان بالهوى لهج
وكل سمع عن اللاحي به صمموكل جفن عن الإغفاء لم يعج
لا كان وجد به الآماق جامدةولا غرام به الأشواق لم تهج
عذب بما شئت غير البعد عنك تجدأوفى محب بما يرضيك مبتهج
وخذ بقية ما أبقيت من رمقلا خير في الحب إن أبقي على المهج
من لي بإتلاف روحي في هوى رشأحلو الشمائل بالأرواح ممتزج
من مات غراما عاش مرتقياما بين أهل الهوى في أرفع الدرج
محجب لو سرى في مثل طرتهأغنته غرته الغرا عن السرج
وإن ظللت بليل من ذوائبهأهدى لعيني الهدى صبحا من البلح
وإن تنفس قال المسك معترفالعارفي طيبيه من نشره أرجى
أعوام إقباله كاليوم في قصرويوم إعراضه في الطول كالحجج
فإن نأى سائرا يا مهجتي ارتحليوإن دنا زائرا يا مقلتي ابتهجي
قل للذي لامني يفيه وعنفنيدعني وشأني واترك نصحي بذاك الحي لا تعج
فيه خلعت عذاري واطرحت بهقبول نصحي والمقبول من حججي
وابيض وجه غرامي في محبتهواسود وجه ملامي فيه بالحجج
تبارك الله ما أحلى شمائلهفكم أمات توأحيت فيه من مهج
يهوى لذكر اسمه من لج في عذليسمعي وإن كان عذلي فيه لم يلج
تراه إن غاب عني كل جارحةفي كل معنى لطيف رائق بهج
في نغمة العودج والناي الرخيم إذاتألفا بين ألحان من الهزج
ويفي مسارح غزلان الخمائل فيبرد الأصائل والإصباح في البلج
وفي مساقط أنداء الغمام علىبساط نور من الأزهار منتسج
وفي مساحب أذيال النسيم إذاأهدى إلى سحيرا أطيب الأرج
وفي التثامي ثغر الكأس مرتشفاوبق المدامة أين كنا غير منزعج
فالدار داري وحبي حاضري ومتىبدا فمنعرج العرجاء منعرجي
ليهن ركب سروا ليلا وأنت بهملسيرهم في صباح منك منبلج
فليصنع القوم ما شاءوا لأنفسهمهم أهل بدر فلا يخشون من حرج
بحق عصياني اللاحي عليك ومابأضلعي طاعة للوجد ةمن وهج
أنظر إلى كبد ذابت عليك أسىومقلة من نجيع الدمع للوجد من وهج
وارحم تعسر آمالي ومرتجعيإلى خداع تمني النفس بالفرج
واعطف على ذل أطماعي بهب وعسىوامنن علي بشرح الصدر من حرج
أهلا بما لم أكن أهلا لموقعهقول المبشر بعد اليأس بالفرج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقدذكرت ثم علي ما فيك من عوج
الصلاح الصفدي وفيه تورية:
أملت أن تتعطفوا بوصالكمفرأيت من هجرانكم ما لا يرى
وعلمت أن بعادكم لابد أنيجري له دمعي دماً وكذا جرى
وله في امرأة في يدها سلسلة:
زارت وفي معصمها إذا أتتسلسلة زادت غرامي وله
وبددت عقلي في نظمها ... فها أنا المجنون في السلسله ودخل أعرابي على النعمان بن المنذر وعنده وجوه العرب فأنشأ يقول:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤسويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيمطر يوم الجود من كفه الندىويمطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس فرغ كفهلبذل الندى لم يبق في الأرض معدم
ولو أن يوم الجود لم يثن كفهعلى الناس لم يصبح على الأرض مجرم
فأعطاه مائة بكرة وعشرة أفراس وعشرة جواري على رأس كل جارية كيساً مملؤاً ذهباً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع