من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)
الجفر والجامعة
قال المحقق السيد الشريف في بحث العلم من شرح المواقف: الجفر والجامعة كتابان لعلي كرم الله وجهه، قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم، وكان الأئمة المعرفون من ولده يعرفونهما، ويحكمون بهما وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه علي بن موسى الرضا ﵁ إلى المأمون إنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤك فقبلت منك ولاية العهد، إلا أن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم.
ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف، ينتسبون فيه إلى أهل البيت ورأيت بالشام نظماً أشير فيه بالرمز إلى ملوك مصر، وسمعت أنه مستخرج من ذينك الكتابين انتهى. للأمير أبو فراس
أراك عصي الدمع شيمتك الصبرأما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعةولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد النوىوأدللت دمعاً من خلايقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانحيإذا هي أذكتها الصبابة والهجر
معللتي بالوصل والموت دونهإذا مت عطشاناً فلا نزل القطر
بدوت وأهلي حاضرون لأننيأرى أن داراً لست من أهلها قفر
وحاربت أهلي في هواك وإنهموأياي لولا حبك الماء والخمر
وفيت وفي بعض الوفاء مذلةلإنسانة في الحي شيمتها الغدر
وقور وريعان الصبا يستفزهافتأرن أحياناً كما أرن المهر
فإن كان ما قال الوشاة ولم يكنفقد يهدم الإيمان ما شيد الكفر
تسائلني من أنت وهي عليمةوهل للفتى مثلي على حاله نكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوىقتيلك قالت أيهم وهم كثر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشقوأن يدي مما علقت به صفر
فلا تنكريني يا ابنة العم إننيليعرف ما أنكرته البدو والحضر
وقلبت أمري لا أرى لي راحةإذا البين أنساني ألح بي الهجر
فعدت إلى حكم الزمان وحكمهالها الذنب لا تجزي به ولي الغدر
وإني لحراب نزال بكل مخوفةكثير إلى نزالها النظر الشزر
فأظمأ حتى يرتوي البيض والقناوأسغب حتى يشبع الذئب والنسر
ويا رب دار لم تخفني منيعةطلعت عليها بالردى أنا والفجر
وحين ملكت الخيل حتى رددتههزيماً فردتني البراقع والخمر
وما حاجتي بالمال أبغي وفورهإذا لم أفر عرضي فلا وفر الوفر
أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغىولا فرسي مهر ولا ربه عمرو
ولكن إذا جم القضاء على امرىءفليس له برتقيه ولا بحر
هو الموت فاختر ما علالك ذكرهولم يمت الإنسان ما حيي الذكر
ولا خير في دفع الردى بذلةكما ردها يوماً بسوأته عمرو
فإن عشت فالطعن الذي يعرفونهوتلك القنا والبيض والضمر والشقر
وإن مت فالإنسان لابد ميتوإن طالت الأيام وانفسح العمر
تمنون أن خلوا ثيابي وإنماعلي ثياب من دمائهم حمر
وقائم سيفي فيهم دق نصلهوأعقاب رمحي منهم حطم الصدر
ستذكرني قومي إذا جد جدهاوفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
ولو سد غيري ما سددت اكتفوا بهوما كان يغلو التبر لو نفق الصفر
ونحن أناس لا توسط بيننالنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسناومن خطب الحسنان لم يغله المهر
هذا آخر ما اخترته منها وهي طويلة عذبة جيدة رائقة المعاني جزلة الألفاظ.
سمع بعض الحكماء رجلاً يقول: قلب الله الدنيا فقال: إذن تستوي لأنها مقلوبة.
ومن كلامهم: الابتلاء بمجنون كامل أهون من الابتلاء بنصف مجنون.
ومن كلامهم: عداوة العاقل أقل ضرراً من صداقة الأحمق.
قيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالاً قال: من بعدت همته واتسعت أمنيته وقصرت مقدرته وقد لمح هذا المعنى أبو الطيب فقال:
وأتعب خلق الله من زاد همهوقصر عما تشتهي النفس وجده
وقال أيضاً وإذا كانت النفوس كباراًتعبت في مرادها الأجسام
قال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب ونحن لا نتوب حتى نموت.
حكي أن بعض الزهاد نظر إلى رجل واقف على باب سلطان وفي وجهه سجادة كبيرة فقال له: مثل هذا الدرهم بين عينيك وأنت تقف هيهنا، وكان بعض الزهاد حاضراً فقال: يا هذا إنه ضرب على غير السكة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع