تجاوز إلى المحتوى

من «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (ت ١٠٣١هـ)

الوقت باصطلاح الصوفية

، هي الحال الحاضرة التي يتصف السالك بها، فإن كان سروراً فالوقت يكون سروراً، وإن كان حزيناً، فيكون حزيناً، وهكذا، وقولهم: الصوفي ابن الوقت، يريدون به أنه لا يشتغل في كل وقت إلا بمقتضياته من غير التفات إلى ماض، أو مستقبل.

لا أدري

اديرت علينا بالمعارف قهوةيطوف بها من جوهر العقل خمار
فلما شربناها بأفواه فهمناأضاءت لنا منه شموس وأقمار
وكاشفنا حتى رأيناه جهرةبأبصار صدق لا تواريه أستار
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة
فغبنا به عنا فنلنا مرادناولم يبق عنا عند ذلك آثار

لبعضهم:

يا مالكا ليس لي سواه.. وكم له في الورى سوائي

وليس لي عنه من براحفي العسر واليسر والرجاء
ظهرت للكل لست تخفىوأنت أخفى من الخفاء
وكل شيء أراك فيهبلا جدال ولا مراء
فعن يميني وعن شماليومن أمامي ومن ورائي

مما ينسب إلى الشيخ العارف السهروردي:

ىيات قيامة الهوى لي ظهرتقبلي سترت وفي زماني اشتهرت
هذي كبدي إذا السماء انفطرتشوقا وكواكب الدموع انتثرت
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

لبعضهم:

من كلام العرافين: إن للعارف تحت كل لفظ نكتة، وفي ضمن كل قصة حصة، وفي أثناء كل إشارة، وفي طي كل حكاية كناية، ولذلك تراهم يستكثرون من الحكايات في تضاعيف محاوراتهم ليأخذ كل من السامعين ما يصيبه ويحظى بما هو نصيبه على حسب الاستعداد وقد علم كل انسان مشربهم وعلى هذا ورد: أن للقرآن، ظهراً وبطناُ إلى سبعة أبطن، فلا تظن أن المراد بالقصص والحكايات الواردة في القرآن العزيز محض القصة والحكايات لا غير، فإن كلام الحكيم يجل عن ذلك.

من كلامهم: أذ اعيد الحديث، ذهب رونقه. دخلت سودة بنت عمارة الهمدانية على معاوية، بعد موت أمير المؤمنين ﵇ فجعل يؤنبها على تحريضها عليه أيام صفين، وآل امره إلى ان قال، ما حاجتك؟ فقال: أن الله ماسائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقنا، ولا يزال يعدو علينا من قبلك من يسمو بمكانك، ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس الحرمل يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف، هذا بشر بن ارطأة قدم علينا، فقتل رجالنا، وأخذ أموالنا، ولولا طاعتك لكان فينا العز والمنعة، فإن عزلته عنا شكرناك، وإلا كفرناك فقال لها معاوية اياي تهددين بقومك؟ لقد هممت أن احملك على قبة اشرس فاردك فينفذ فيك حكمه، فاطرقت سودة ساعة، ثم قالت:

صلى الإله على جسم تضمنهاقبر فاصبح فيه العز مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلاًفصار بالحق والايمان مقرونا
للشاعر سَودَة الهمدانية، اقرأ القصيدة

فقال معاوية: من هذا يا سودة؟ قالت هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ والله لقد جئته في رجل كان ولاه صدقاتنا، فجار علينا، فصادفته قائماً يصلي فلما رآني انفتل من صلاته، ثم أقبل علي بوجهه ورفق ورأفة وتعطف، وقال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، فأخبرته الخبر، فبكى، وقال: اللهم انت الشاهد علي وعليهم، أنى لم آمرهم بظلم خلقك! ولا

بترك حقك، ثم اخرج قطعة جلد، فكتب فيها بسم الله الرحمن الريم قد جاءتكم بينة من ربك، فافوا الكل والميزان، ولا تبخسوا الناس اشياءهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها الخ "، فإذا قرأت كتابي هذا، فاحتفظ بما في يدك من علمنا حتى يقدم من يقبضه منك والسلام، ثم دفع الرقعة إلي فوالله ما ختمها بطين، ولا حزمها، فجئت بالرقعة إلى صاحبه، انصرف عنها معزولاً فقال معاوية: اكتبوا لها ما تريد، واصرفوها إلى بلدها غير شاكية.

من الكافي، أن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇ خرج من الحمام، فلقيه إنسان فقال: طاب استحمامك، فقال: يا لكع وما تصنع بالإست هاهنا؟ فقال: طاب حميمك، فقال: أما تعلم أن الحميم: العرق، قال طاب حمامك، فقال: وإذا طاب حمامي فأي شيء لي؟ قل طهر ما طاب منك، وطاب ما طهر منك.

وقيل لأمراة من الأعراب: من أين معاشكم؟ فقالت: لو لم نعش إلا من حيث نعلم لم نعش.

خفف أعرابي صلاته، فلاموه على ذلك، فقال: إن الغزيم كريم.

قال ابن السمالك لبعض الصوفية: إن كان لباسكم هذا موافقاً لسرايركم، فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كان مخالفاً لها فقد هلكتم.

في كتاب ما لا يحضره الفقيه، أن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇ خرج من الحمام، فلقيه إنسان فقال: طاب استحمامك، فقال: يا لكع وما تصنع بالإست هاهنا؟ فقال: طاب حميمك، فقال: أما تعلم أن الحميم: العرق، قال طاب حمامك، فقال: وإذا طاب حمامي فأي شيء لي؟ قل طهر ما طاب منك، وطاب ما طهر منك.

قال بعض الأمراء لمعلم ابنه: علمه السباحة قبل الكتابة فإنه يجد من يكتب له ولا يجد من يسبح عنه.

كانت العرب إذا أوفدت وافداُ، قالت له: إياك والهيبة، فإنها الخيبة، وعليك بالفرصة، فإنها مزيلة للغصة،

هذا آخر المجلد الثالث من الكشكول

ةعلى هذه المجلدات الثلاثة اقتصرت النسخة الأميرية

وقد وجدنا في بعض نسخ الكشكول زيادة كبيرة تشتمل على المجلد الرابع والخامس، فأحببنا إلحاقها بنسختنا لتمتاز بهذه الزيادة عن النسخ التي طبعت في مصر وبذلك تكون نسختنا اشتملت على المجلدات الخمسة التي هي كل ما اشتملت عليه نسخ الكشكول المختلفة.

وكان المؤلف ﵀ يعبر بكلمة المجلد عن الجزء.. وتبتدئ هذه الزيادة بالمجلد الرابع، وتنتهى بنهاية المجلد الخامس الذي هو آخر الجزء الثاني من نسختنا.

المجلد الرابع من كشكول الشيخ بهاء الدين بن محمد العاملي ﵀

أول الزيادات التي عثرنا عليها في نسخ الكشكول ولم تطبع قبل

صفحة فارغة

﷽

قال سيد المرسلين، وأشرف الأولين والآخرين صلوات الله عليه وآله أجمعين في خطبة خطبها وهو على ناقته العضباء.

أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق على غيرنا وجب، وكأن الذي يشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة، وأمنا كل حائجة، طوبى لمن أنفق ما اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالف أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن ذلت نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة.

قيل الإعرابية: ما الذل؟ قلت: وقوف الشريف بباب الدنئ ثم لا يؤذن له. قيل وما الشرف؟ قالت: عقد المنن في أعناق الرجال.

قيل لإياس القاضي: لا عيب فيك إلا أنك تعجل في القضاء من غير ترو فيما تحكم به، فرفع كفه وقال: كم إصبعا؟ فقالوا خمسة، قال: عجلتم، هلا قلتم واحد، اثنان، ثلاثة أربعة، خمسة فقالوا: لا نعد ما عرفناه، فقال: أنا لا أؤخر ما تبين لي الحكم فيه

قال رجل للأعمش: إنك تحب الدراهم، فقال إنما أحب الاستغناء عن السؤال.

من كلام بعض العارفين: الأخ الصالح خير لك من نفسك؛ لتن النفس أمارة بالسوء، والأخ الصالح لا يأمرك إلا بالخير.

قيل لأمير المؤمنين علي ﵇ وهو على بغلة له، وهو في بعض

الحروب -: لو اتخذت الخيل يا أمير المؤمنين، فقال: أنا لا أفر عمن كر، ولا أكر على من فر، والبغلة تكفيني.

لما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له: أوصنا، قال: إحملوني على حمار، فإنه لم يمت عليه كريم فلعلي لا أموت ثم أنشد:

لكل جديد لذة غير أننيوجدت جديد الموت غير لذيذ

من كلام الحكماء: إذا أردت أن تعذب عالماً، فاقرن معه جاهلاً.

غضب الرشيد على ثمامة بن أبرش وكان فاضلاً فسلمه إلى خادم له، يقال له: ياسر، وكان الخادم يتفقد ويحسن إليه فسمعه ثمامة يوماً يقرأ: " ويل للمكذبين " بفتح الذال فقال له ثمامة: ويك إن المكذبين هم الأنبياء، فقال الخادم: كان يقال إنك زنديق، وما كنت اصدق أن أشتم الانبياء يا ثمامة؟ فتركه وهجره، فما رضي عنه الرشيد ورده إلى مجلسه، سأله يوماً في أثناء محاورته: ما أشد الأشياء؟ فقال: عالم يجري عليه حكم جاهل.

قالت: امرأة مالك بن دينار له في أثناء مجادلة: يا مرائي فقال لها: لبيك هذا إسم ما عرفني به أحد إلا أنت

من كلام الحكماء: الصديق نسيب الروح، والقريب نسيب الجسم.

قيل لراع عابد وجدت الذئاب بين غنمه وهي لا تؤذيها: متى اصطلحت الذئاب مع غنمك؟ قال: منذ اصطلح الراعي مع الله.

عن زبن العابدين ﵇: الدنيا سبات، والآخرة يقظة، ونحن بينهما أضغاث.

وفي ربيع الأبرار: يقال: إن من لا يعلم إلا فنا واحد من العلم ينبغي أن يسمى خصي العلماء:

لبعضهم:

دافع الأيام بالتفكيرفي يوم الممات

وارض عن عيناك بالكسرة والماء الفرات

فهي تكفيك وتغنيعن جميع الشهوات

في ذم قوم:

قوم إذا اشتهرت للمرء بينهمفضيلة جعلوها من رذائله
يعنفون على المعروف باذلهويقدحون به في عقل فاعله

قال في ربيع الأبرار: كان المعتصم ثامن خلفاء العباسيين، وكان ملكه ثمان سنين وثمانية أشهر، وكان له من الأولاد ثمانية ذكورا، وثمانية إناثا، وفتح ثمانية حصون، وبنى ثمانية قصور، وخلف ثمانية آلاف درهم، وثمانية آلاف دينار.

قيل للبهلول: أتعد مجانين بلدك؟ قال: هذا شيء يطول، ولكن أعد عقلاءه.

قال رجل لفيلسوف: إن فلانا عابك بكذا وكذا، فقال الفيلسوف: لقد واجهتني أنت بما استحى الرجل من استقبالي به.

قال بعض الزهاد لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال آخر ما غمني إلا طلوع الفجر.

سمع بعضهم بكاء على ميت فقال: عجبا من قوم مسافرين يبكون على مسافر قد بلغ منزله.

قيل لواحد من الحكماء: هل تزوجت؟ قال لو قدرت لطلقت نفسي.

اختصم رجلان في مجلس المأمون فرفع أحدهما صوته، فقال المأمون: يا هذا، إنما الصواب في الأسد لا في الأشد.

من كلامهم: إذا أردت أن تفتضح فمر من لا يمتثل أمرك.

أبو نواس:

والله والله وحق الهوىوهو يمين ليس يرتاب
ما حطك الواشون من رتبةعندي ولا ضرك مغتاب
كأنما أثنوا ولم يعلنواعليك عندي بالذي عابوا

لبعضهم:

ولقد قصدتك حين جربت الورىفوجدت مثلك في الورى معدوما
وكذا الليالي صيرتني سائلالا تجعلني سائلا محروما

كتب هشام بن عبد الملك إلى ملك الروم: من هشام أمير المؤمنين إلى الملك الطاغية. فكتب في جوابه: ما كنت أظن أن الملوك يسب بعضها بعضا، وإلا لكنت أكتب إليك: من ملك الروم إلى الملك المذموم، وهشام الأحول المشئوم.

لبعضهم:

وقالوا في الهجاء عليك إثموليس الإثم إلا في المديح
لأني إن مدحت مدحت زوراوأهجو حين أهجو بالصحيح

قال رجل لأبي العيناء: يا مخنث، فقال وضرب لنا مثلا ونسي خلقه.

من كلامهم: الهدية ترد بلاء الدنيا، والصدقة ترد بلاء الآخرة.

فلس القاضي بمصر رجلا كثرت ديونه، فأركبه حمارا وطوف به في البلد ليحترز الناس من معاملته بعد ذلك، فلما أنزل عن الحمار قال له صاحب الحمار: أد الكراء، فقال: ففيم كنا طول النهار يا أبله؟ !

لكاتبه:

جاء البريد مبشرامن بعد ما طال المدا
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
بالله خبرني بماقد قال جيران الحمى
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
يا أيها الساقي أدركأس المدام فإنها
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
مفتاح أبواب الهنامشكاة أنوار الهدى
قد ذاب قلبي با بنيشوقا إلى أهل الحمى
هذا الربيع أتى أتىيا شيخ قل حتى متى
للشاعر بهاء الدين العاملي، اقرأ القصيدة
فالقلب ضيع رشدهومن المواعظ ما اهتدى

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكشكول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.