من «النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية» لعمارة اليمني (ت ٥٦٩هـ)
النكت العصرية (٣)
واجتمع الصالح وأخوه وأبناه في مجلس في بعض الولائم فأمرني عز الدين أن ارتحل فيهم فقلت ارتجالاً.
إذا نزلتْ أبناءُ رزيكَ منزلاًتبتسم عن ثغر النباهة خاملُهُ
وخيّم في أرجائه المجدُ والعلىوجاد به طلُّ السماح ووابلُهْ
ملوكٌ لهم فضل بأبلج منهممحافله تُزهى به وجحافلُهْ
تزرُّ على الليث الغضنفَر درعُهوتُلوى على الطود المنيف حمائلُهْ
يفيضُ علينا كل يوم وليلةبلا سبب إفضالُه وفضائلُهْ
يُثيب على أقوالنا متبرعاًعلى أنها من بعض ما هو قائلهْ
بكم شرفَ الإسلامُ وانتصر الهدىوقامت قناة الدين واشتد كاهلُهْ
وأصبح منكم مجدُه وجلالهوفارسه يوم الهياج وكافلُهْ
يتلوه أخباري مع عمه فارس المسلمين أخبار بدر بن
رزيك فارس المسلمين أخي الملك الصالح اختصني بأنسه، واصطفاني لنفسه، واستغنى بي عمن ألفه، وسلا بي عمن عرفه، وساهمني في جميع أسراره، وغوامض أخباره، وكانت حاشيته تلوذ بي فيما يرجونه ويخشونه منه ووجدته سليم الصدر، من كدر الغدر، حمل إلي مهراً كميتاً بعدته فشكرته بقصيدة منها:
فدى لبنى رزيكَ قومٌ رفعتُهمبمدحي ولما يرفعوا لثنا قدرا
لقد زهدتني في رجالا صلاتكمومن شام نور الشمس لم يحمد الفجرَا
بعثتَ بطرفٍ يسبق الطرفَ عفوهُوتغدو الرياح الهوجُ من خلفه حسرَى
حكى الوردَ والياقوتَ حسناً وحمرةًوتاهَ فلم يرضَ العقيقَ ولا الجمرا
وأرسلتُه في الحسن وثراً كأننيأطالب عند النائبات به وِثرا
نذِرْتُ ركوب البرق قبل وصولهفوفيتُ لما جاءني ذلك النَّذرا
زففتُ القوافي في عُلاك عرائساًفساق لها الإحسانُ في مهرها مهراً
ولما قتل لصالح هاجت، القاهرة وماجت، وذل الجرى، وخاف البري، فلم أشعر حتى وصلني أحد غلمانه بخمسين ديناراً وقال إنه قد جاءنا من هذا الأمر ما يشغلنا عنك وإنا لا ندري ما تكون العاقبة فانقل أهلك إلى مصر ورتب أحوالهم بهذا الذهب فانتقلت إلى مصر وصعدت إليه فوجدته في قاعة البحر وهو لا يوصل إليه لفرط الزحام عليه ثم بصر بي فأومى لي بيده أن أدور من ناحية أخرى ففتح الخريطة وقبض لي منها قبضة بلا عدد زادت على الثلاثين وقال اشترِ بهذه الدنانير على وجه العيد ما يحتاجه أهلك فإنا عنك مشاغيل فقلت من قصيدة أشكره على ذلك.
وفي كل يوم لا تزال صلاتُكمإلى منزلي تُبدي الندى وتعيدُ
وأعجبُ ما شاهدتُ إحسانُ كفّهإلى وقد عضَّ الحديدَ حديدُ
ولم تُلْهِه عن عادة الود مِخنةٌبها الرمح غاوٍ والحسامُ رشيدُ
رآني لو رأت يابسَ الثرىلأينعَ مخضرٌ وورقَ عودُ
وما الجود إلا فطنةٌ وتيقُّظوما البُخل إلا حيرةٌ وجمودُ
وأحسنُ من نُعماه عندي كرامةًصديقي عليها كاشحٌ وحسودُ
وخلع علي يوماً وحملني على حجر فقلت أشكره من قصيدة:
قد كثَّرتْ عدد الحُسّاد أنعمهعندي وما كثَّر الحسادَ كالنِعَمِ
كم رحتُ عنه أجرُّ الذيل من خلعٍأعلامُها كرياض الحزن والسلَمِ
إن كنتَ أحسنتَ فالإحسانُ أنطقنيوالشكرُ من نفحات الروض للديمِ
سكرُ لقوافي على مقدار ما شربتْمن خمرة عُصرتْ من كرمة الكَرَمِ
وقال من قصيدة يذكر حريق منظرته على الخليج بعد نصف الليل ويذكر داره الأخرى وما فيها من الستور وتصاويرها وقاطعها.
وأرى السعودَ لها عليك وفادةٌتصل الهواجرَ والمدياجرهَ والسُّرَى
فلو اقترحتَ على الزمانِ شبيبةًسلفَتْ أتاك بها المشيبُ مبشراً
لم تحترق دارُ الخليج وإنماشبتْ لمن يسرى بها نارَ القِرَى
طلبتْ يفاعَ الأرض دون وهادهافتوقدت في رأي شامخة الذرى
أو هل تزور النارُ ساحةَ جنةٍأجريتَ فيها من نداك الكوثراَ
أنشأتَ فيها للعيون بدائعاًزفتْ فأذهل حُسنُها من أبصرا
فمن الرُّخام مسيَّراً ومسهَّماًومنمنَماً ومدرْهَماً ومدنَراً
والعاجَ بين الآبنوس كأنهأرضٌ منالكافور تُنبت عنبراً
قد كان منظرها بهياً رائقاًفجعلتها بالوشى أبهى منظرَا
وكذاك جيدُ الظبي يُحسن عاطلاًويرقك البيتُ الحرامُ مستَرَا
ألبستها بيضَ الستور وحمرَهافأتت كزهر الورد أبيضَ أحمراَ
فمجالسٌ كسيت رقيماً أبيضاًومجالسٌ كسيتْ طميماً أصفرَا
لم يبقَ نوعٌ صامتٌ أو ناطقٌإلا غدا فيها الجميعُ مصوَّرَا
فيها حدائقُ لم تجدها ديمةٌأبداً ولا نبتت على وجه الثَّرَى
والطيرُ مذ وقعتْ على غصانهاوثمارها لم تستطع أن تنفرَا
لا تعدمُ الأبصارُ بين مروجهاليثاً ولا ظبياً بوجرةِ أعْفَرَا
أِنستْ نوافر وحشها بسباعهافظباؤها لا تتقي أسدَ الشرَى
وبها زرافاتٌ كأن رقابهافي الطول ألويةٌ تؤمُّ العسكرا
نوبيةُ المنشى تُريك من المهارَوْقا ومن بزل المهاري مشفَرَا
جُبلتْ على الإقعاء من إعجابهافتخالها للتيه تمشى القهقَرَا
يا أيها الملك الذي اعتصمتْ يديمنه بحبل غير منفصم العُرَى
اسمع جواهر خاطرٍ لو لم يَغُضْفي بحر جودك لم يقلْ ذا الجوهرَا
روَّى منابتَ كرْمها الكرَمُ الذيأضحى بينبوع النَّدى متفجرَا
واتفق حضوره ليلةً مجلس أخيه الصالح والشعراء تنشد المدائح في مجد الإسلام بسبب نوبة بهرام وليس له فيها ذكر وكان الفتح له ولضرغام وكنت لا أقدر أن أذكره في القصيدة خوفاً من رزيك لأن كل من كان من أصاب رزيك أخذ الإنعام ومن كان مع فارس المسلمين حرم حتى أن الأمر بلغ به أن سيرني إلى ضرغام أخطب واحدة من بنات أخويه ملهم أو همام لولده
العماد قصدا منه في الاعتضاد بهم وعمل القاضي الأعز في القضية شيئاً يظن قوم أنه شعر ذكر فارس المسلمين فيه فلما زرته من الغد قال فتحتي ولا أنت وأنت صاحبي قلت فأنى يمكنني أن أجعلك إضافةً في مديح غيرك قال فهاتِ ما عملت لي على الانفراد فلعله أن يزيل ما عندي من العتب عليك ولم أكن عملت شيئاً قلت له في غدٍ إن شاء الله ثم بت ساهراً ليلي كله حتى غدوت عليه بقصيدة أولا:
نسيبٌ ولكن بالقنا والصوارمومدحٌ ولكن للعلى والمكارمِ
ومقتضباتٌ من قوافٍ كأنهاجواهرُ لم تعبث بها كفُّ ناظمِ
شغلتَ بأوصاف لمظفَّر خاطرايرى مدحه إحدى الفروض اللوازم
إذا عرضتْ لي مقرباتُ جيادهنسيتُ بها سرب الظباء النواعمِ
وإن بسمتْ يوماً بروقُ سيوفهذهلتُ بها عن بارقات لمباسمِ
أراك إذا قارءتَ يا بدرُ خطةًمن الدهر لم تقرع لها سنَّ نادمِ
ولله عزمٌ ليلةَ السبت أسفرتْصبيحتُه عن مُسفِر الوجه باسِمِ
طويَ بساط الأرض في نصف ليلةكأنك طيفٌ زار أجفانَ نائمِ
كتمتَ السرَى حتى كأنك في الدُّجىخيالٌ ملمٌ أو سريرةُ كاتمِ
تخوفتَ منها أن تنمَ إليهمْبمسراكما والريح أمُّ النمائمِ
توهم بهرامٌ أو يوسفُ ضلةَمن الرأي لم تخطر على وهم واهمِ
لقد قسم الرحمنُ بينهما البلابما فعلا والله أعدلُ قاسمِ
فهذا له بالأسر فقرُ وذلّةوهذا له بالقتل حزُّ الغلاصمِ
ولم أورد منها هذه الأبيات إلا شاهداً للحال الجارية فرضى وتضاعف إكرامه وإنعامه واجتمع هو والصالح ورزيك في وليمة عنده وفيها عقدٌ للعماد ابنه بتقدمة زمّ أو شيءٍ أنسيته
قلت من قصيدة كلها جيدةٍ؛
فمن عثرتُ به قدمٌ فإنيبمصرٍ قد عثرتُ على المرادِ
حللتُ بنيلها فوجدتُّ نيلاًكفاني منةَ الوَشْل الثِمادِ
ولما زاف عندي كلُّ نقدوميَّزْ بهرجَ الناس انتقادي
جعلت إلى بني رزيك قصديفأولوني الجميلَ بلا اقتصادِ
بذلتُ لمجدهم غُرَّ القوافيبما بذلوه من غُرّ الأيادي
همُ جعلوا لساني بالعطاياخطيبَ نداهمُ في كل نادِ
منها في الصالح:
مطاعُ الأمر تقسَم من يديهعلى الآمال أرزاقُ العبادِ
واذكر يوماً أني كتبت غليه هذه الأبيات أسئلة أن يجعل جاريَّ فيما يستخلصه غلامه صابر الدولة من راتبه والشريف الجليس
يومئذ ناظر مع ابن دخان في الديوان وهي:
قل لأبي النجم الذي منُّهكمنّة النجم على الساري
وحقِ نعمائك وهي التيأعدُّها من نعمة الباري
ما يَملك الخادم في وته الحاضر شيئاً غير دينارِ
والويل للشعر إذا لم يصلوأنت لي عونٌ إلى الجاري
وصابر الدولة أقوى على العُصفور من ظفري ومنقاري
فوزن المبلغ من خريطته وأمر صابر الدولة باستخراجه وكنت قد شرعت في مرمة دار سعدٍ الافتخاري فكتبت ليه:
يا سيدا أوصفُهدرجُ المديح إلى الفخارِ
اسمعْ فديتُك قصتيمتفضِلاً وأقلْ عِثاري
هي قصة نتفتْ سبالَ الشعر بل سلبتْ شِعاري
لا أستجير حديثَهاإلا بحُكم الاضطرارِ
أوقعتُ نفسي جاهلاًفي دار سعدِ الافتخارِي
غلطتُ فيها غلظةُأزرتْ بقدري واقتداري
ضرب الظَّهيرُ ببذلهامنّى الفقارَ بذي الفقارِ
وظننتُ شرَ بليتيفيها يؤول إلى اختصارِ
وإذا العِمارة لا يليقبغير أرباب اليسارِ
وكفاك شراً أننيبِعتُ المُوطَأَ والبُخارِي
لم أدرِ أني عندهاكمبحَّر في ألف خارِ
لما كشفتُ عيوبهاأكسلتُ بعد الانتشارِ
دارٌ هممتُ بتركهاولو أنها دار القرارِ
وعلى نداك معونتيفيها فقد وقفتْ حمارِي
وتسابق فرس صالحي وفرس فارسي فسبق الفارسي فعز ذلك على الصالح وعلى ابنه ولما كان بالليل مجلس الأنس أعاد الجماعة
ذكر السبق فقلتُ ارتجالاً في المجلس.
سأحكم في أمر السباق حكومةًتُبرهن عن فصل الخطاب وتنطقُ
رأيتُ الجواد الفارسيَّ وقد أتىأمام الجواد الصالحي يُحلّقُ
فقلتُ لقوم لا تظنوه سابقُفما هو إلا حاجبٌ ومُطرِّقُ
جوادان كلٌّ منهما في رهانهبأخلاق مولاه غدا يتخلقُ
فقال الجماعة فتحت لنا باب لعذر بقولك حاجب ومطرق ثم اجتمعت بفارس المسلمين فأشرت عليه بحمل الفرس إلى أخيه ومحاسن المديح فيه تخجل من إحسانه أخبار الأمير عز الدين حسام وهو يضرب من خؤولة الصالح لأمة بسهم أغنته شهرته عن أبيه وعمه همته عصامية، وراحته غمامية، أول معرفتي به أني في سنة إحدى وخمسين أقبتُ رسولاً من أمير الحرمين ووجدته والياً بعض مراكز الصعيد وقد سمع بخبري عند ناصر الدولة بقوص فأعد لي ضيافة على ساحل النيل وصلت معي لكثرتها إلى القاهرة ثم لم يلبث أن صرف فتأكدت المعرفة والصحبة وحين قدمت في الطريق
الثانية أرسل إلى منزلي ذهباً وغلة وغنماً ثم اتصل افتقاده وكسواته ولما ولى لحبرة استدعاني بكتاب واستأذن الصالح في انحداري إليه فوصلني بعين وثياب وغلة وغنام ودواب وفرس تزيد قيمة الصلة عل خمس مائة دينار ولم أقم عنده سوى ليال ثلاث وهو بكوم شريكٍ وعمل شعرا في الصالح يسئل الصرف وسيره على يدي وتكدر صفوه وتقاصر بره بميلي إلى فارس المسلمين وبسبب بعض أهل الأدب كان تغيره علي ولما بعد قدومه من دلجة وراح شاور إلى الواحات استأذنت الناصر رزيك في السلام عليه فقال والي الآن لم تسلم عليه وله في جزيرة الذهب ثلاثة أيام فمضيت إليه وعاتبني على انقباضي عنه ثم قال ما الذي أعددت لي من ضيافة قلت حسن الظن فيك وأليقه بكرمك فقال تناول ما تحت المخدة فوجدت خمسين ديناراً ثم قال
لي إني كنت سيرت إلى كل واحد من الجلساء على يد وكيلي بصلة وأغفلتك قاصداً لعتبي عليك في انقطاع مديحك عني ثمانية عشر شهراً قلت له لم أزرك إلى البحيرة إلا بكتابك فلو فعلت ذلك زرتك قال حديثنا في غير هذا ثم أتيت إليه بعد دخول القاهرة بقصيدة فقال أوقفني عليها قبل أن يسمعها غيري فإن كانت جيدة فقد أعددت لها جائزة جيدة قلت لا تسمعها إلا مني ثم أنشدته قول البحتري:
اسمعه من قوالةٍ تزددْ بهعجباً فحسنُ الورد في أغصانه
ثم أنشدته القصيدة فملأ يدي ذهباً ولم تلبث أيامهم أن زالت ولما عاد من دمنهور في نوبة طرخان تذاكرنا أحوال من تسمو نفسه إلى الوزارة فقال لي ما أخاف على ملكنا إلا من شاور لا غير وكانت دعابته كثيرة الودك لا يغسلها الاعتذار وكانت نفسه ملوكية الرئاسة تنمو وتسمو تهب الكثير وتحتقره
يحذو على مثال الصالح في ارتياض النفس بالمعارف ومحبة أهلها فما قلت فيه أشكره
يا سائلي عن فروض الجود أو سننهْوعن مناقب من يمشي على سننهْ
إن المظفَّر عزّ الدين أكرمُ منعرفتُ في الزمن الماضي وفي زمنِهْ
وما مدحتُ أنا الماضي مجازفةًلكن شهدتُّ بما شاهجتُّ من مننِهْ
لم يستفد عاذلوه بالملام لهفأطلقوا جودَه يمشي على رسنهْ
تفيض بالبذل عند العذل راحتُهكأنّ راحته تصغي إلى أذُنِهْ
وقت أشكره:
إني غنيتُ بعزّ الدين عن نفرٍخطي المديح إليهم من خطاياهُ
أغرَّ تندى قوافي الشعر إن ذكرتْأخلاقه الغُرُّ فيها أو عطاياهُ
فلو لمستَ القوافي أو أشرتَ إلىألفاظها قطرتْ منها سجاياهُ
ولما ثار طرخان من الإسكندرية يطلب الوزارة ندبه الصالح وورداً غلام الصالح ليهجما عليه في البحيرة قبل أن يعدى إلى الغربية في غلمانهما فسارا من البحيرة صلوة العصر أو بعيدها وهما على طرخان بدمنهور في زقت صلوة العصر من اليوم الثاني فكسراه وهرب تحت الليل فقلت أمدحه وأذكر الحال من قصيدة أولها
بهرت مناقب مجدك الأوهاماواستبعدت حسناتك الأفهاما
ونصرت ألوية الهدى بوقائعٍأصبحت فيها يا حسامُ حساما
ألونْ بطرخانٍ بوادرك التيسبقت غليه الظنَّ والأوهاما
لولا الفرار وساتر من ظلمةقسماته منها أشد ظلاما
لجعلته للبيض أول مغنموقسمته بشفارها أقساما
وخلقت من صمّ الصعاد لرأسهجسما يزيد على الجسوم تماماً
رام الوزارة خاطباً فأجبتهبفوارس أسلته عما راما
قد كان هام بها فلما عقتهعن وصلها ركبَ الفرار وهاما
ولقيته حين استدعاني إلى البحيرة بقصيدة أولها
أنسيم عرفك أم شميم عرارِوسقيم طرفك أم سفيحُ غرارِ
جادت محلك بالغميم غمامةٌتخلى بوادر دمعي المدرارِ
لا تبعثي طيف الخيال مذكراًفهواك يغنيني عن التذكارِ
منها:
وإلى البحيرة لا إلى صوب الحياطارت بنا العزمات كل مطارِ
لبيك من داعٍ أتيتُ ملبياًلما دعا والثغر فيه شعاري
وردتْ أوامره على فمذ اتا ني أمرهُ لم يستقرَّ قراري
فارقتُ في قصدي لبابك حضرةًشرفتْ بها مصر على الأمصارِ
متيقنا أني بقصدك لم أغبعنها ولا عن مجلس السمارِ
لك من بني رزيك بيتٌ خلقتْأقداره بقوادم الأقدارِ
إن أيدوك وأيدوا بك ملكهمفلكم يمين أيدت بيسار
لما غدوتَ أبا المهند عندهمسِرَّ الضمير وفارس المضمارِ
عقدوا عليك خناصرَ الثقة التيتزهتَ صافيها عن الأكدارِ
منها
لنا وليتَ على البحيرة أصبحتحرماً رخيص الأمنْ والأسعارِ
أمنتها حتى توهمَ أهلهاأن لا يروعَ ليلهم بنهارِ
وحميت قطريها فليس بجوهاريحٌ تهبّ ولا خيالٌ سارِ
من مبلغٌ عني العواذلَ أننيضيفٌ لرحب الباعِ رحبِ الدارِ
ملكٌ عيبَ عيبَ بأنهعاري المناكب من ثيابٌّ العارِ
قد قلتُ من حسن الثناءِ قصائدٌركبتْ إلى التيار في التيارِ
قد قلتُ إذ قالوا أجدت مديحهشكرُ الرياض يقلُّ للأمطارِ
مختارُ قيسٍ حاز مختارَ الثناما أحسنَ المختارَ في المختارِ
وهي طويلة فخلع على بدلة مذهبة ووصلني بمال وناب عني وقد جرى ذكري فقال خيراً وأخبرني الشيخ الجليس أبو المعالي ابن الحباب بذلك فقلت أمدحه وأشكره من قصيدة طويلة منها
وقدمك السعيُ الحميدُ إلى العُلىومن لم تقدمه المساعي تأخراً
أقول لمن أطرى على الجود حاتماًوكعبا ويوم البأس عمراً وعنتراً
أما وأبي الماضي لقد قال مجدهدعِ الخبر الماضي وحدث بما ترى
لئن أحسنتْ فيه القوافي فإنهرآني بعين لا يراني بها الورى
أضاف إلى الجود الكرامة واستوتنيابته عني مغيباً ومخضراً
وألبسني الموشى من حبراتهفألبسته وشى الثناءِ محبراً
وحالفني فالجود منه مكررومني له المدح الذي ما تكررا
وإني وإن أهديتُ من حسناتهإلى سمعه القول الذي ليس يفترا
أذمُّ إليه خاطراً كلما جرىإلى شكر ما أولى من الجود قصراً
ولو بلغتني ما أريد بلاغتينظمت له نثر الكواكب جوهراً
ولما خيم على جزيرة الذهب من الجيزة بعد نوبة ولجة ورجوع شاور إلى واحات عديت إليه بعد العشاء الأخرة والمشاعل قد كشفت الأشخاص من بعد والناس عنده على السماط فقالوا له هذا شخص واصل من المعادي فقال ما زيه قالوا زي القضاة قال هو فلان لأنه لم يبق أحد ن أهل القاهرة ومصر حتى جاءني إلا هو قالوا هوهو ثم قال لورد عش الناس وقام من السماط إلى الخيمة فجلس لي حتى سلمت عليه وكان أبوه نائماً في الخيمة فقال له ادع لنا الخيمة نتفسح أنا وفلان ثم قال هات حدثني بأي عين عندكم ولا تجاملني قلت له أنت الأمير عز الدين حسام قال لا غير قلت لا غير وكأنه أراد مني أكثر من ذلك فقال الله ولولا أنا ودفاعي لشاور لعز على صاحبك فارس المسلمين شرب النبيذ على الأغاني في مناظر الخليج ثم قال لي ما ألفت من مناصحتك في المشورة فإني
أشكر لك مشورات كثيرة قلت كم في ركابك من الغلمان قال خلق كثير قلت ومن السودان الذين يحملون السلاح قال جماعة فيها كثيرة قلت فإني أرى لك ألا تركب ومعك من السودان ا؛ د ولا من الركابية أكثر من عشرة ولا تتشبه بخالك إلى نزق الشبيبة عزة الملك وسوء التخيل منك والأجلان بدر وحسين جليساه وبينك وبينهم ما تعلم والشاعر يقول:
متى يفلحُ الإنسانُ فيما يرومهوأعداؤه عند الأمير جلوسُ
قال نصحتني ولم يلبث أن دخل القاهرة فأنشدته قصيدة أعاتبه فيها وأمدحه أولها:
قليل لك المدحُ الذي أنت فخرهُولو كان من نظم الكواكب نثرهُ
فسامحْ فما في مادحيك بأسرهمفتىً فكَّ من ربقِ انتقادك أسرهُ
فأنت الذي أغنى عن المسك نشرهُثناءً وأحيا ميتَ الجود نشرهُ
منها العتاب والاستماحة
فيا بحرَ جود طبق الأرض مدُّهولم يك إلا دون أرضي جزرهُ
ويا وابلا بم يحظَ روضى بطلهوقد عمَّ أقطارَ البسيطة قطرهُ
فأنعمْ بما عودتني من كرامةفوجهك معروفٌ نداه زبشرهُ
وليس بمثلي ثروةٌ تستفيدهاولكن به بعد الكرامة حقرهُ
ولي سابقاتٌ من وداد وخدمةيسرك سرُّ العبد فيها وجهرهُ
عمارتكم عمارُ بيتكمُ الذيبه طل باعُ للثناء وعمرهُ
تخيركم دون الملوك فقد غداإلى جودكم يعزى غناه وفقرهُ
وأنت الذي لا يعتريني نقيصةًإذا مر ذكري في القوافي وذكرهُ
وعندي من الشعر الملوكيّ ينتقىمن اللؤلؤ المكنون باسمك درهُ
ومنها في ذكر رجوعه إلى الصعيد
وما الدهرُ شيء غيرُ ما أنت فاعلوإلا فما الليل البهيم وفجرهُ
فأوصِ بنا صرفيه خيراً فإنهإليك انتهى نهُى الزمان وأمرهُ
فإن يفعل الحسنى فأنت دللتهعليها وإن يذنبْ فإنك عذرهُ
فقال لي أحسنت ولكن القصيدة ما يتوجه فيه الانتقاد على حزمك وعلى أدبك فأما الحزم فلو وقعت القصيدة في يد عدو لك آنذاك عند زريك وأما الطعن عليك من حيث الأدب فإنك أفرغت وسعك في المدح ولم تترك بيني وبين الخليفة والوزير غاية ترقيني إليها قلت أما التعرض للخطر مع السلطان فأنا واثق بك أنها لا تصل إليه وأما قولك أني لم أترك للخلافة والوزارة غاية من المدح إلا وقد مدحتني بها فدعني من قولك والله لو نثرت عليك عقد الجوزاء لاعتقدت أن حقك فوق ذلك فضحك وكان هذا آخر شعر لقيته به لأنه لم يبلغ إلى الصعيد إلا وقد توجه شاور من واحات يطلب البحيرة فذكر الله أيامهم بحمد لا يكل نشاطه، ولا يطوى بساطه، فقد وجدت فقدهم، وهنت بعدهم.
وممن يرتفع عن الأمراء بأبوة الوزراء حسان الدين محمود بن المأمون وإني لم أشعر في غداة عيد الفطر سنة إحدى وخمسين حتى وصلتني منه بدلة من ثياب الملوك وخاصة ما يستعمل لهم ويلبسونه في المواسم من غير معرفة لي به ولا مكاثرة له ولا معاشرة ومع الغلام الواصل بها رقعة منه كتبت
على ظهرها ارتجالاً مع رسوله
قد آتتني تلك اليد البيضاءوالأماني مصونةُ والرجاءُ
منة لا يلوح منُّ عليهاوابتداءُ لا ينتديه ابتداء
فتقبلتها وقبلت منهاموضعا مسَّه الندى والسخاء
وتخيرت في المكافاة عنهافإذا خيرُ ما ملكتُ الثناءُ
فبعثتُ المديح يشكر عنّيمنةً تركُ شُكرها فخشاءُ
وعلى أنني وإن كنتُ متنتتحلَّى بشعره الجوزاءُ
فيدُ الشكر والمحامد أرضٌويدُ الفضل والجميل سَماءُ
ومن آل رزيك الأجل سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح كانت الأخبار قد ترامي إليه بخبر وصولي إلى عيذابَ وقوصَ فلما وصلت إلى العدوية تركت العشارى بها وركبت حماراً وأتيت على بئر الدرج والقرافة واجتمعت به في خزانته من دار الوزارة عند المغرب وأنا ضاربٌ لثاما ومخففٌ عمامتي ومجرس صوتي فقلت له أنا رسول الرسول إليك وجميع حاجته أن تحمل عنه مؤونة السجود عند السلام
على الخليفة والوزير فقال أما السجود للوزير فأنا أحمله عنه وأما الخليفة فأنا أجتهد في تخفيف الحال وأما رفعها بالجملة فلا أقدر ثم قال لي وما الذي يحسن هذا الرجل قلت هو فقيه وعنده طرف من الأدب فقال تعني شاعراً قلت نعم قال هذه نقيصة في حقه ثم دعته وركبت الحمار وخرجت من القاهرة ليلاً فبت مصر ولما اجتمعت بسيف الدين في اليوم الثاني قال لي اجتمع بي كاتبك البارحة فأما السلام على السلطان فيكون في هذه الساعة فلما استدعى للغذاء عند السلطان قال عندي رسول صاحب مكة وكنت أظنه عاقلاً وإذا هو ناقص قال له الصالح وبأي شيء عرفت نقصه قال لكونه يحسن شيئاً من هذا السُّحت الذي تعلمته أنت والجليس وابن الزبير قال الصالح لعله شاعر قال نعم قال الصالح هاته هاتِ الرجل ثم انشد الصالحُ
إن الذي تكرهون منهذاك الذي يشتهيه قلبي
وبالغ سيف الدين في إكرامي وقضاء حوائجي ومن مجلسه عرفت أعيان الأمراء وتوجهت إلى الحجاز واليمن وأنا من أشكر الناس له وأكثرهم ثناءً عليه ولمّا حججت سنة وهمسن لقيت بمكة قوماً من أصحابه في المذهب ولا علم لي بهم فجرى بيني وبين رجال منهم مذاكرة في مسألة كنت فيها مستظهراً عليه وخرجت من مكة إلى اليمن وعاد ذلك الرجل إلى سيف الدين فنسبوا إلى القول في مذهبهم ما غير نية سيف الدين ورجعت إلى مكة حاجاً في الموسم الثاني فوجهني أمير الحرمين ثانيةً إلى الصالح أعتذر عنه في مال تناوله خدمةً من التجار فلما قدمت قوصَ كتب سيف الدين ملطفاً إلى عز الدين طرخان وإلى الصعيد الأعلى بأن يعوقني عن الانحدار وعن الرجوع إلى اليمن والحجاز وأن يقطع عني رسم الضيافة حتى يرد أمير الحرمين ما أخذ من أموال التجار ولما وصلت إلى مصر كتبت إلى الصالح بخبر قدومي فاعترض سيف الدين
وتقدم إلى أصحاب الديوان ودار الضيافة أن لا ينزلوني ولا يطلقوا لي رسم الضيافة ومرضت شهراً ثم عوفيت فلقيت سيف الدين بقصيدة زال بها ما عنده وعاد إلى أفضل عاداته وضاعت القصيدة فيما نهب لي عند حريق القاهرة وقتل ضرغام ثم قلت فيه قصيدة أخرى أشكره على ما تجدد من جميل رأيه أولها وعرضت به في الغزل.
تيقنوا أن قلبي منهم يجبفاستعذبوا من عذابي فوق ما يجب
وأعرضوا ووجوه الودّ مقبلةٌوللمكلَّفٌّ قلبٌ ليس ينقلبُ
ولو قدرتُ لاسلاني عقوقهموكم عقوقٍ سلتْ أمٌ به وأبُ
إن م يكن ذلك الإعراضُ عم مللٍفسوف ترضيهم العتبى إذا عتبوا
وإن تكدّر صافٍ من مودتهمفالشمس تشرق أحياناً وتحتجبُ
منها:
لم ترضَ عيذابُ أني مسني نصبُمن أهلها وجرى لي منهم شغبُ
حتى لقيتُ بقوصٍ لا سقتْ أبداًأكنلفَ قوصٍ ولا من حلَّها السحتُ
عوارضاً كشفَ المريخُ صفحتهفيهمنَ والمشتري عنهن مختجبٌ
وكان إعراض سيف الدين أكبرَ مالقيتُ والبحرُ تنسى عنده القلبُ
أتيتُ من مأمني فيه وفاجأنيما لم تكن أعينُ الآمال ترتقبُ
وأرجف الناس حتى قال قائلهميا رائد الحيّ لا ماءٌ ولا عشبُ
فقلت هل أقفر الوادي أم افترق السنادي أم انحلّ ذاك العقدُ والكربُ
فقيل بل جملةُ الأحوال حاليةومعقلُ العزّ معمورُ القنا أشبُ
وإنما المجلسُ السيفيُّ منحرففإن تعذَّر مأمولٌ فلا عجبُ
وكيف لا تعرضُ الدنيا متابعةًلرأيه وهو في إقبالها السبُ
لولا شفاعته الحسنى ونائله الأسنس لما أنجح المسعى ولا الطلبُ
يا جامع العزّ والتقوى وبينهمابونٌ بعيدُ المرامي ليس يقتربُ
قد بان لي منك أمرٌ كنتُ أجهلهوغامضُ العلم بالتدريج يكتسبُ
بأنكِّ المرءُ في أهل وفي وطنٍلكنه بالسجايا البيض مغتربُ
ضافي المروءة لولا فضلُ نخوتهودينه أدرك الواشون ما طلبوا
وكيف ينفقُ زورٌ عند مجلسيهوالغالبان عليه الدين والحسبُ
وعاد معي إلى أفضل ما كان عليه من الانبساط وسماع الفضيلة والنادرة والضحك فكنت لا أجتمع به إلا إذا حجب الناس وقام فإني أقعد عنده حتى يقوم فأتحدث معه بما يخف عليه من أنواع المحاضرة والمذاكرة فأذكر يوماً أنه توضأ ومسح رجليه ولم يغسلهما فتناولت الإبريق فسكبت الماء على رجله فجذبها وهو يضحك فقلت له إن كان الحق معكم في مسح الرجلين يوم القيامة فما نُعطى ولا نعاقب على غسلهما وإن كان الحق معنا في غسل الرجلين خرجتم من الدنيا بلا صلاة لأنكم تتركون غسل الرجلين وهو فرض فكان يقول لي بعد ذلك الله لقد ادخلت على قلبي الشك والوسواس بكلامك في مسألة الوضوء وقال لي يوماً ونحن على خلوة أعلمت أن الصالح طمع فيك أن تصير مؤمناً من يوم دخل الأشتر بن ذي الرئاستين في المذهب ولولا طعمه فيك أن ترجع إلى مذهبه ما سامح ابن ذي الرئاستين بدرهم
فأنشدته قولي:
مجالس الأنس تطوىعلى الذي كان فيها
فقال قل ولا حرج قلت لو لم أكن على بصيرة من مذهبي لمنعتني النخوة من التنفل فكان بعد ذلك يقول للصالح ما لكم فيه طمع فاتركوه.
وأما طي بن شاور فإن جميع ما قلته فيه نهب من دار الخليج ولم تطل مدته بل كان لي مكرماً وإلى محسناً هو الذي زادني في الراتب خمسة عشر ديناراً إقامة وأطلق لي في القوت مائة اردب وستين وأطلق لي رسم الشعير لخيلي ورتب لي عشرين اردباً من القمح في كل شهر وعشرة شعيراً ورتب لي من خريطته خارجاً عن راتبي وهو أربعة وعشرين ديناراً وخلع على ثلث مرات وحملني على مهرة دهماء وبرذون وأطلق
إذني عليه وقبل شفاعتي إليهوأذكر ليلة أنه استدعاني وقد
نمت فركبت ومعي مشعل من عنده فوجدته في دار عباس بالصاغة وقد كاد الشراب أن يغلبه فأفاض على ثيابا سنية
ودفع لي خمسين ديناراً وقال الله لو ملاك لك هذه الفسقية ما قضيت حقك لقولك في أبى؛
ولله في واحات أيامك التيتزيد على مر الدهور شهورها
أقمت بها تلوي حبالَ مكيدةلوى عنقَ الدنيا إليك مريرها
وقد زعموا أنّ الملوك مناهلٌفإن صح ما قالوا فأنتم بحورها
ودخلت إليه يوماً وفي يده تفاحة كبيرة مذهبة فدفعها لي فوجدتها ثقيلة فقال لي هبها لجواريك وبقيت في كمي ولما قمت قال لمن لحقني قل له أن فيها أربعين ديناراً ورباعية فدفعتها للجواري كما أمر هذا في اليوم السابع والعشرين منه سير إلى
منزلي من الفطرة معتصمين كبيرين وسدًى من الحلاوة وعشرين ديناراً برسم العيد وفي اليوم الثامن والعشرين منه جاز رأسه على رمح تحت الطيقان والنساء يكبرن تلك الفطرة بأرجلهن ويولولن بالصراخ وكانت فيهن واحدة تحفظ قولي في الصالح
أينسى وفي العينين صورةُ وجههالكريم وعهدُ الانتقال قريبُ
فما زالت تكرره حتى رأت ضرغام فتركت ذلك فرحم الله طياً وأما أخبار الكامل بن شاور فإني أفتح من ذكرها كنيفاً، وأسعها ذماً وتعنيفاً، لما ولى أبوه أعمال قوص قال لي قبل مسيره ساعدني عند فارس المسلمين أن يقرضني مالاً أدفعه للصالح قبل خروجي فما معنى أكثر من ألف وثلاثمائة
ديناراً فأخذتُ له من فارس المسلمين مائة دينار حتى حمل للصالح الفين وقال لي قبل مسيره إن العرب من العرب وقد أوصيت الكامل أن لا ينقطع عنك وعاهدني على ما أراد وتوجه فلم يكن الكامل ينقطع عن منلي في الأسبوع مراراً إما ثلاثاً أو أكثر وربما ظل النهار كله وبعض الليل وربما طرقني سحيراً وخرج عشياً فما وزر أبوه
تكلَّف لي عند اللقاء بشاشتهًوأقبحُ ما استحسنتُ بشرُ التكلفِ
ثم لزم الحجاب والإعجاب فكأنه ما يعفني وهذا غاية اللوم ولقيته بقصيدة أولها
إذا لم يسالمك الزمانُ فحاربوباعدْ إذا لم تنتفع بالأقاربِ
ولا تحتقرْ كيداً ضعيفاً فربماتموت الأفاعي من سمام العقارب
فقد هدَّ قدما عرشَ بلقيسَ هدهدٌوأخربَ فأرٌ قبل ذا سد مأربِ
إذا كان رأسَ المال عمرك فاحتزرْعليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معركٌيكرُّ علينا جيشُه بالعجائب
وما راعتني غدرُ الشباب لأننيأنستُ بهذا الخلق من كل صاحبِ
وغدرُ الفتى في عهده ووفائهوغدرُ المواضى في نُبوء المضارب
منها:
إذا كان هذا الدرُّ معدنه فمىفصونوه عن تقبيل راحة واهبِ
رأيتُ رجالاً أصبحتُ في مآدبِلديكم وحالي وحدها في نوادبِ
تأخرتُ لما قومتهم عُلاكمُعلى وتأبى الأسدُ سبق الثعالبِ
تُرى أين كانوا في مواطني التيغدوت لكم فيهن أكرمَ نائبِ
لياليَ أتلو ذكرَكم في مجالسٍحديثُ الورى فيها بغمز الحواجبِ
فلم يفلح لما زالت أيامهم الأولى وصار هو وعمه صبح منقطعين إلى همام أخي ضرغام لقيت هماما بقصيدة أقول منها في حق آل شاور جريا على عاديت في حفظ من مضت
أيامه
مآثرٌ لو تركنا شرحَ جملتهاغنيتُ فيها عن التفصيل بالجملِ
منها الجميلُ الذي أبقيتَ سيرتهفي آل شاورَ حتى سار كالمثلِ
ما زلت توسعهم بشراً وتكرمةٌحتى كأنَ ليالي القوم لم تزلِ
ولستُ في هذه الدعوى بملتمسٍشهادة ولسانُ الحال يشهدُ لي
سجيةٌ من وفاءٍ فيك لو خلقتْفي صبغة الشعرَ المسودَ لم تحلِ
فقال الكامل بعد قيام همام لا أماتني الله حتى أقدر على مكافاتك فقلت في نفسي ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ولم تمض إلا أيام قلائل حتى عادت الوزارة إلى أبيه وإليه فاستأنف طريقته الأولى وتضاعفت وكأن الأيام بالنكبة الأولى أغرته وأضرته على مساوي العشرة مع الخلق حتى مع أبيه فإنه كان يصل إلى داره فيحجب عنه.
وكتبت إليه من قصيدة:
وسمتَ بنعماك الرقاب تبرعاوأجيادُ شعري ما عيهن ميسمُ
وأنسيتني حتى وقفتُ مذكراًبنفسي وقوفاً حقه لك يلزمُ
وألغيتني حتى رأيتُ غنيمةًدخولي مع الجم الغفير أسلمُ
كأنيَ لم أخدمكمُ في مواطنٍأصرحُ فيها والرجالُ تجمجمُ
ولم أغشَ هذا البابَ لأيام لم تكنتضايقي فيه الرجالُ وتزخمُ
كذبتُ على نفسي إذا قمتُ شاكراًوليس لسانُ الحال عني يترجمُ
وقالوا يجملْ لا تخلّ بعادةعرفتَ بها فالطيرُ أولى وأحزمُ
وهل بعد عتادانَ تعلمُ قريةٌكما قيل أو مثلُ ابن شاورَ يغلمُ
فلم يفلح وخاطبته بقصيدة أقول فيها:
مضى بدرٌ فأغنى عنه طيٌبما أولى من الكرم الجزيل
وقدماً ما كنتُ أمدحُ للعطايافقد أصبحتُ أمدحُ للسبيلِ
لقد طلعتْ علىَّ الشمسُ لماعدمتُ وقايةَ الظلّ الظليلِ
ولي فيه أشعار كثيرة ثابتة في الديوان لا حاجة إلى إيرادها
وأما البخل فكان مفتوح البصيرة فيه
تسمى بأسماء الشهور فكفه جمادىوما ضمت عليه المحرمُ
ولم تكن له إلا حسنةٌ واحدة ولست أظلمه حقه فيها وهي أنه كان يردع إخوة شاور عن كثير من الظلم فإنه لولا هيبته عليهم أهلكوا الناس.
وأما الأوحد صبح أخو شاور فجاءني رسوله من سندفا بكسوة وغلة يستدعي المدح مني فكتبت إليه قصيدة منها: لبيكَ تلبيةَ الحجيج إلى الصف=يا داعيَ الكرم المقيمَ بسندفا جودٌ تشوفَ ناظراه فزارني=كرماً ولم أكُ نحوه متشوفاً نزهتُه عن موعدٍ يغدو الندى=بنَجازه لي آملاً ومسوفاً وافي كبادرة الغمام إذا سرتْ=فتقدمت عن رعدها وتخلَّفاً قل لي فداك الأكرمُون ولا غدت=طيرُ المُنَى إلا ببابك عكَّفَا لأمِن السماحة أن تبيت مقدَّماً=بين المدائح قبلها وملَّفا وكتبتَ تسأل في قبول مثوبةٍ=منها ببابك منعماً ومشرِفَّا
وهي طويلة
أخبار ركن الإسلام نجم أخي شاور لم تكن لي به أنسة ولا معرفة حتى سمعني أنشد أخاه شاور بالليل قصيدة وفيها ذكر الكامل دون أهله فلما أصبح وجه إلى رسولا فحضرت إليه فقال لم تركت ذكرى وذكرت الكامل قلت إنما ذكرته تقربا إلى قلب أبيه فاعمل قلت حتى تعمل فضحك وأمر لي بعشرة دنانير فرددتها عليه وأقسمت لا صارت إلى ثم حملت له ما يوكل وعملت له مقطوعاً فغنى به عنده وتزايدت المعرفة عن الصحبة إلى المودة والمكاشفة فدفع لي إقطاعاً بمنية أبي اليسار من السمنودية وأطلق لي من خريطته في غرة كل شهر خمسة عشر ديناراً مدة ثلاث سنين فمن الشعر الذي قلته فيه على جهة الدعابة
أتيت إلى بابك المرتجىفالفيتهُ مغلقاً مرتجا
فقلت لبوابه سائلاًأيغلقُ باب الندى والحجى
فقال أراك كثيرَ الكلاموعندي من الرأي أن تخرجا
وإلا نتفتُ سبالَ المديحوأتبعتها بسبال الهجا
فضرب البواب وطرده عن بابه ولم يكن له ذنب وصرف من الغربية بالفلماط وشاور والروم على الإسكندرية فغضب وعاد إلى منية غمر فركبت إليه في البحر باستدعائه وأنشدته قولي
ولما دنا علي ركابك هزنيإليك اشتياق ضاع في جنبه صبري
وحين رأيت البرَ وعراً طريقهركبت أخاك البحرَ شرقاً إلى البحر
وما أنا بالمجهول علم مسيرهإليك ولا الخافيَّ حديثي ولا ذكري
ولا أنت بالمرغوب عن قصد بابهلقد جل عن زيد سؤالي وعن عمرو
ولا أنت ممن يرتجى لسوي الغنىولا أنا من أهل الضرورة والفقرِ
سيسألني بعد القدوم جماعةٌمن الناس عماذا لقيت من الأمرِ
ولا بدَّ أن يجري الحديثُ بذكر مافعلت معي فأخترْ بنا أشرفَ الذكرِ
ومن ينتجع أرض العراق وَجِلِقفمنيةُ غمرٍ مركزُ الكرم الغمرِ
ولي فيه من مقطوع
ولا تسئلْ لجودِ يديه غيريفإنك قد سقطتَ على الخبيرِ
هو الركنُ الذي أسندتُ ظهريإليه فكان أقوى من ثبيرِ
ولستُ أخافُ أيامي ونجمٌمجيري في زمان بني المجيرِ
حملتُ على نداه ثقل هميّفقام وخفف عن ضمبري
واستشفع بي بعض أصحابه في حاجة فمكل بقضائها فقلت
سأحمل نفسي عنك فعلَ مخُففٍوأبقى على ودي وشكر لساني
تماطلني في حاجة لو بذلتهاوأكرمتني أكرمتَ غيرَ مهانِ
وما أصنعُ المعروفَ إلا صنيعةُيؤرخها شكري وفضلُ بياني
ولم يكن لسليمان بن شاور إلى من الإحسان ولا من التقصير ما يوجب ذكره.
ومن أماثل الأمراء وأعيانهم محمد بن شمس الخلافة كتبت إليه وقد انصرف من الإسكندرية أو من دمياط وقد سير إلى خمس منتخبات.
أيا شمس الخلافة وهو نعتٌيصدقه جبينك بالضياءِ
رأيتُ ندى بنانك وهو أندىعلى العافينَ من ماء السماءِ
أبي حبِّ الصحابة في الهداياودان بحب أصحاب الكساءِ
تشيع جودُ كفك في الهداياوعهدي بالتشيُّع في الولاءِ
وقلت في المعنى
قل للخطير الذي مكارمُهقد عظمتْ في زمانه خطرَهْ
وأقسم المجدُ أنّ صاحبهلا يتقي شره ولا أشرهْ
ليت نداه في حقّ خادمهكلُّ محبٍ للخمسة البرره
وكتبت إليه وهو بدمياط أستهديه عمامة شرب جديدة قصيدة منه:
رأيتك في المنام بعثتُ نحويبحامله الحيَا وهي الغمامة
فأولتَ الحيَا حياك منيوصحفت الغمامةَ بالعمامةْ
فأنفذْ لي بأطولَ من حسابيإذا أحضرتُ في يوم القيامة
ولا تك يا خطيرُ فدتك نفسيقديمةَ مدة لحقت قدامهْ
وأرسلها وختمَ الشرب فيهاكخودٍ فوق وجنتها عرامةْ
كأن بياضها وجه نقيٍّوحسنَ الرقم فوق الخدّ شامةْ
ولا تبعث بقيمتها فإنيأراه من التكلف والغرامةْ
وليس القصدُ إلا تاجَ فخريطول قامةً ويصون هامةْ
وما هذا المديحُ سوى أذانٍفقل لنداك حيَّ على الإقامةْ
فسير تلثيمة جديدة طولها اثنان وثلاثون ذراعاً
وممن لا أقيس أحداً من الأمراء الأكابر بمكارمه إلى وجميلة على الأمير الظهير مرتفع الثائر في أيام ضرغام من الإسكندرية يطلب الوزارة عرفته من مجلس سيف الدين حسين وكنت مجاوراً له في الصاغة بحارة الأمراء سنة إحدى وخمسين وحصلت بيني وبينه مودة أكيدة ففلما عزمت على الحج دفع لي عينا وكسوة ما ينيف على مائة وستين ديناراً وعمل لي أزواداً منها عشرون حملة دقيق وعشرون سلة حلاوة وكعك مطابق وكساء غلماني وأهدى على يدي إلى أمير الحرمين
بدلة مذهبة وثلاثين منتخبة وأهدى لي سرية جميلة وركب معي إلى مصر يودعني ومعه القطوري وصبح بن شاهانشاه وواليها تاج الملوك بدران ثم قال إن بت في هذه الليلة عندنا وتركت السفر حصلت لك مائة دينار قلت فإني أبيت فأنزلهم الوالي دار الطاؤوس وسير مرتفع غلامة اليّ وقال قل له يدخل الحمام فدخلت الحمام فقال لتاج الملوك عب للرجل بدلة يخرج فيها من الحمام فهو ضيف السلطان وضيف أخيك ففعل ثم أخذ منه ومن القطوري والمفضل وتاج الملوك مائة دينار ثم دفع لي ستين دينارً ثمن أستاذين من عدن وخمسين ديناراً ثمن لؤلؤ يشتري له ثم سافرت ولا والله ما قلت فيه بيتاً واحداً من الشعر فلما عدت في السفرة الثانية أخلى لي داراً له على ضفة الخليج وحمل لي الغلة والغنم والسكر ما كفاني سنة ثم جائتني رقعة منه بخمسين تليسا قبضت ثمنها قبل أن يقبض
عليه الصالح بيومين لأنها وأنا غني عنها ولما قبض عليه جاءتني رقعته من الاعتقال ومعها صندوق نحاس وديعة لم أدر ما فيه إلى أن خرج من الاعتقال في أيام رزيك فقال ما فعلت في الصندوق قلت هو مودع بمصر قال فاركب بنا حتى نأخذه فلما فتح الصندوق أخرج منه حلياً وسبع مائة دينار عيناً ثم قبض بيده قبضتين عزلهما لي ومبلغهما مائة وثلاثون ديناراً ثم سير لي من الشرقية من الغلة مائتي أردب قمحاً ولما خرج إلى الغربية في أيام رزيك وعاد إلى القاهرة بعد إصلاح ما تشعث من الغربية وعريانها لقيته مهنئاً بقصيدة أولها
قدومك أفرحَ قلبَ الهدىوآنسَ وحشَ عراضِ الندى
وبرد مني جوى لوعةٍنهتْ نفسَ الليل أن يبردا
أرحتَ على الدجى أبيضاًوقد كان وجه الضحى أسوداً
منها
فدى للظهير لا أتقملامةَ من لام أو فندا
رجالُ هم المبتدا في السماحبهم وهم خبرُ المبتدا
ينداي السماحُ على بابههلموا فهذا مجيبُ الندا
أبا العزَ لو جاز أن تعبد الكرام لأفتيتُ أن تعبدا
رأيتك تسلف أهل المديحُنووالك من قبل أن تخمدا
وغيرك يسدي جميل الثناءِإليه فيذهب لغوا سدى
وكم لك عندي من منةٍأطلتَ على الشكر فيهال المدى
وبرٍ تعودَ قصدي فلوسرى في الدجى وحده لاهتدى
أجدتَّ وعلمتني ما أقولفلا يشكرُ الشعرُ إن جودا
وحضرت معه يوماً عند عز الدين حسام في داره فلما فرغ الغذاء قام مرتفع فقال عز الدين ما في الأمراء أكرم من هذا الأحوال الأعرج ويتلوه مرتفع بن فحل قال ورد ما نرى
من كرمه شيئاً فأمر عز الدين من رده وقال له إن ولد فلان يعني ولدي محمداً عازم على السفر إلى زبيد يأخذ أهله ويجيء قال اكتب له غنى ما شئت إلى ابن ميسر من ثمن القند الذي لي عنده قال اكتب علامتك على هذه الورقة فكتب العلامة وخرج فقال عز الدين لورد كيف رأيت قال ورد والله لا كتب المبلغ غيرك يعني حساماً فكتب بمائة دينار وخمسين وسيرتها إلى مصر وتشاغلنا في الحديث والمذاكرة إلى اصفرار الشمس حتى جاء المبلغ بكامله فقبضته وأتيت به إلى الظهير وأعلمته الحال فقال وبقي له الزاد والحلاوة والدقيق وأربع شكائر ثم لم أشعر به يوماً بعد خروجه من الاعتقال حتى استدعاني فركبنا إلى شمس الخلافة فاشترى منه جارية حتى حملها إلىّ وقال إن زوجتي جرى بيني وبينها شر على هذه الجارية وقد وهبتها لك واحترق جميع ما قلت فيه من الأشعار
أخبار المكرم علىّ بن الزيدكان المذكور من الغلاة
المغتالين في مذهبه من غير علم وكان في الوفاء لبني رزيك نصيري الموالاة والعقيدة وحضر مع الصالح يوم قاعة الذهب فقاتل عنه أشد القتال ولم يزل يضرب بسيفه حتى انقطع من وسطه نصفين فلما لم يبق معه سيف ألقى نفسه على الصالح وهو طريح في دهليز السرداب ووقاه بنفسه فلم تزل السيوف تنحره حتى قام الصالح وتكاثر الناس وذكرته في قصيدة رثيت بها الصالح يوم نقل تابوته إلى القرافة منها في ذكر ابن الزبد.
أوفى أبو حسنٍ عند ماخذلت يمين أختها ويسار
لا تسئلا إلا مضارب سيفهفلقد تزيد وتنقص الأخبار
حتى إذا انقطع الحسام بكفهوانفلّ منه مضربٌ وغرارُ
منها
ألقى عليك وقاية لك نفسَهلما انتحتك صوارمٌ وشفارُ
إن لم يذق كأس الردى فبقلبهمن خمرها أسفا عليك خمارُ
هي وقفةُ رزق المكرمُ حمدهاوعلى رجال لؤمها والعار
وحضرنا ليلة عند رزيك في وزارته وقد جمع له كل واحد من أهل الأدب بين العزاء والهناء على عظيم الرزية، وجسيم العطية، فلما أنشدناه قال أنتم تعلمون أن الصالح لو قطع رأسه في القصر لم يصح لي ملك بعده ولولا بلاء على بن الزبد يومئذ لم يسلم رأس الصالح فمن كان منكم عاملاً شعرا فينا فليمدح ابن الزبد فعملت في ذلك قصيدة أولها:
أوجبتَ في ذمة الأشعار والخطبِدنيا أبا حسن يبقى على الحقبِ
أيامك البيضُ لا تحْصى وأفضلهايومٌ خصصتَ به في قاعة الذهب
وفيتَ للصالح الهادي وقد غدرتْبه الصنائع من ناءٍ ومقترب
كان ضرغام يقول لو قلت لعدت كان أصلح من غدرت قلت إنما أردت مقابلة الوفاء بالغدر قال وعلى مقابلتك تنسبنا إلى الغدر.
فعلت فعلَ علىٍ علىُّ وقدفدى نبيَّ الهدى بل سيدَ العربِ
لما أتتك بنانُ الموت سائلةًوهبتَ روحكَ مختاراً ولم تهبِ
أقدمتَ وحدكَ إقدام الليوث علىهول يمهدُ عذرَ الليث في الهربِ
آثار سيفك أجلى من روايتناوالسيف أصدقُ إنباءً من الكتبِ
أرهفته بيمين غير طائشةعند الضراب وعزمٍ غير مضطربِ
فهل بنانك أقوى أم جنانك إذشطبت بالضرب متن السيف ذي الشطبِ
لولا حفاظك يوم القصر لاضطربتقواعد الملكِ واحتاجت إلى التعبِ
وحضر معي ضرغام دفن امرأة لي ماتت وكانت من أهل اليمن فقال أعندك حرة غيرها قلت لا قال فلا خير في دار ليست فيها حرة مهيبة ثم ذكر لي عدة نساء وقع الرأي على واحدة منهن قال ضرغام وعلى أن آخذ لك مهرها وكان حسن التأني في الحوائج عند السلطان فلم أشعر بعد يومين حتى جاءتني منه رقعة ومعها أربعون ديناراً لم أشعر ما الذي قال لرزيك حتى دفعها وسمع ابن الزبد بالحديث وكانت بينه وبين
ضرغام منافسة الضرائر فسير إلى ابن الزبد بثلاثين ديناراً وستة أباليج سكر وبدلة ثياب مذهبة ومعها ثوب ديباج أحمر بأزرار ذهب وخمس شمعات موكبية وعشرة أرؤس غنم ومعها رقعة بغير خطه فيها بيت للمتنبي وهو قوله:
ليس الذي يعطيك تالدَ مالهمثل الذي يعطيك مال الناسِ
وولى المحلة فقلت أودعه:
قل للمكرم والألقاب واقعةٌعلى علاهُ وقوعَ النقش في الحجرِ
يا كعبةً للندى لو كنت ذا أملٍغداً إلى بها حجي ومعتمري
إن كنت أزمعتَ مختاراً على سفرٍفاللهُ يُحْمَدُ عقبى ذلك السفرِ
أين المحلة من والٍ محلتهمن المعالي محلُّ النور في البصرِ
أثنى عليه بما يبقى بما يبقى مناقبهمذكورةً بلسان الصارم الذكرِ
وسوف تنظم أشعاري وقد نظمتْله من المدح عقدا فاخر الدررِ
لك الأمانةُ في ودي أبا حسنٍمحمولةٌ فأقمْ إن شئتَ أو فسرِ
فقد منحتك وداً مثل عرضك لاتسمو إلى صفوه الأيام بالكدرِ
وصادفت عند وداعه رسولا له كان بدمياط يستعمل شروباً فدفع لي ممل إليه في تلك الساعة شقة خزائني ولفافة وتلثيمة طولها ثلاثون دراعاً رقم الجميع نسجة واحدة كان استعملهم لنفسه فبما صرف هاداني بألطاف جزيلة منها بدلة ذهبية الثوب والعمامة
وأما أسدٌ الغاوي فغاو فسد موضع جسمه من الأرض، ومكان اسمه من جريدة العرض، هذا على أنه كان يوافق في المذاهب والاعتقاد، وينافق في الانتقاد.
وأما صبح بن شاهنشاه فرفق يلم الصحبة يلين لين الفتاة، ويبعد بعد الظبي في الفلاة، لا تعرف سمينه من غثه، ولا
قويه من رثه، وليس لسوء نية، ولا لخبث طويه، وإنما عنانه في خطواته.
يوماً بخزوي ويماً بالعقيق ويوماً بالعُذيبِ ويوماً بالخُليصاءِ
وكان شاور في وزارته الأولى قد وهب لي حجراً دهماء تسوي خمسين ديناراً فلما خرج شاور إلى دمشق ادعاها أحد الأستاذين وجاءني صبح سائلاً فيها مع الأستاذ وقال هذه الحجر من خيل بني رزيك وما يحل لك أن تركبها وهي معصوبة وكان صبح قد تزوج بنت سيف الدين حسين فقلت له ركوبي ظهور خليهم أخف عند الله من ركوبك بطون نسائهم فقال جرى القبيح لعن الله الفرس وصاحبها ولم يراجعني بعد ذلك فيها وقال لي ويماً لي ويماً عز الدين حسام ما ترى في أن أزايد لورد ولأخي مؤيد حتى آخذ لك من كل واحد خلعة فقلت:
من كلّ واحد خلعة فقلتوما لم يكن طبعاً فذاك تكلفُ
ثم قال لأخيه إنه قبيح بمثلك أن لا تحتال على مدح
فلان بشيء توصله إليه ولورد كذلك فأما أخوه فيسر لي منديلاً طوله مائة ذراع فرددته وقلت ما أريد إلا أن تشتري لي نسخة من الكامل للمبرد وكانت في عشرة أجزاء طائلة فاشتراها ثم رغب فيها فكتبت إليه:
يا سيّداً قامت علاه بذاتهامستغنياً عن نعتها وصفاتها
إن لم يكن لك في القوافي رغبةٌفالطمْ بها وجهَ الرَّجاء وهاتها
فالأمُّ لا تأبي إذا لم تولهاأصهارها خيرا طلاقَ بناتها
فغضب وقال هجوتني فقلت بل عاتبتك ولكنك لا تفرق بين الهجاء والعتب وتحاكما إلى عز الدين فقضى لي عليه وسير لي النسخة والمنديل وذهبا وصار صديقا
النص من طبعة مرسو بشالون (١٨٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع