تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الصبر وحضّ الناس يوم اللّقاء عليه

حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: كان عاصم بن الحدثان رجلا من العرب عالما قديما وكان رأس الخوارج بالبصرة وربما جاءه

الرسول منهم من الجزيرة يسأله عن بعض الأمر يختصمون فيه فمرّ به الفرزدق فقال لابنه: أنشد أبا فراس، فأنشده:

وهموا إذا كسروا الجفون أكارمصبر وحين تحلّل الأزرار
يغشون حومان المنون وإنهافي الله عند نفوسهم لصغار
يمشون في الخطّي لا يثنيهموالقوم إذ ركبوا الرماح تجار

فقال له الفرزدق: ويحك! أكتم هذا لا يسمعه النسّاجون فيخرجوا علينا بحفوفهم. فقال عاصم: يا فرزدق، هذا شاعر المؤمنين وأنت شاعر الكافرين.

حدّثنا سهل قال: حدّثنا الأصمعي قال: قال سليط بن سعد: قال بسطام ابن قيس لقومه: تردون على قوم آثارهم آثار نساء وأصواتهم أصوات صردان ولكنهم صبر على الشرّ. يعني بني يربوع. وفي هؤلاء يقول معاوية: لو أنّ النجوم تناثرت لسقط قمرها في حجور بني يربوع. قال الأصمعيّ قلت لسليط: أكان عتيبة بن الحارث ضخما؟ قال: لا، ولا من قوم ضحام. يعني بني يربوع.

وقال عمر بن الخطاب لبني عبس: كم كنتم يوم الهباءة ؟ فقال: كنا مائة

كالذهب، لم نكثر فنتواكل ولم نقلّ فنذلّ. قال: فكيف كنتم تقهرون من ناوأكم ولستم بأكثر منهم عددا ولا مالا؟ قال: كنا نصبر بعد اللقاء هنيهة.

قال: فلذلك إذا. قيل لعنترة العبسيّ: كم كنتم يوم الفروق؟ قال: كنا مائة لم نكثر فنفشل ولم نقلّ فنذلّ. وكان يقال: النصر مع الصبر. ومن أحسن ما قيل في الصبر، قول نهشل بن حرّي بن ضمرة:

ويوم كأنّ المصطلين بحرّهوإن لم تكن نار قيام على الجمر
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
صبرنا له حتى يبوخ وإنماتفرّج أيام الكريهة بالصبر

ومثله قول الآخر:

بكى صاحبي لمّا رأى الموت فوقنامطلّا كإطلال السّحاب إذا اكفهر
فقلت له لا تبك عينك إنمايكون غدا حسن الثناء لمن صبر
فما أخّر الإحجام يوما معجّلاولا عجّل الإقدام ما أخّر القدر
فآسى على حال يقلّ بها الأسىوقاتل حتى استبهم الورد والصّدر
وكرّ حفاظا خشية العار بعد مارأى الموت معروضا على منهج المكر

وقال أبو بكر الصدّيق ﵁ لخالد بن الوليد حين وجهه:

احرص على الموت توهب لك الحياة. وتقول العرب: الشجاع موقّى. وقالت الخنساء:

نهين النفوس وهون النفوس يوم الكريهة أوقى لها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا ما لعينك أم ما لها»

وقال يزيد بن المهلّب:

تأخّرت أستبقى الحياة فلم أجدلنفسي حياة مثل أن أتقدّما
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «جزى الله أفناء العشيرة كلها»

وقال قطريّ بن الفجاءة:

وقولي كلّما جشأت وجاشتمن الأبطال ويحك لا تراعي
فإنّك لو سألت حياة يومسوى الأجل الذي لك لم تطاعي»

وقال معاوية بن أبي سفيان: شجّعني على عليّ بن أبي طالب قول عمرو بن الإطنابة:

أبت لي عفّتي وأبى بلائيوأخذي الحمد بالثمن الرّبيح
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»
وإقدامي على المكروه نفسيوضربي هامة البطل المشيح
وقولي، كلّما جشأت، لنفسيمكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحاتوأحمي بعد عن عرض صحيح
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»
أبت لي أن أقضّي في فعاليوأن أغضي على أمر قبيح
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»

وقال ربيعة بن مقروم:

ودعوا نزال فكنت أوّل نازلوعلام أركبه إذا لم أنزل؟

وكان خالد بن الوليد يسير في الصفوف يذمّر الناس ويقول: يا أهل الإسلام، إنّ الصبر عزّ وإنّ الفشل عجز وإنّ النصر مع الصبر. وقال بعض أبطال العرب:

إنّ الشّواء والنّشيل والرّغفوالقينة الحسناء والكأس الأنف

للضاربين الخيل والخيل قطف

وقال أعرابي: الله يخلف ما أتلف الناس، والدهر يتلف ما جمعوا، وكم من ميتة علّتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرّض للموت. ومثله قول أبي بكر الصديق لخالد: إحرص على الموت توهب لك الحياة.

قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية، فدعا رجالا من عظمائهم فقال: ويحكم! أخبروني ما هؤلاء الذين تقاتلونهم؟ أليسوا بشرا مثلكم؟ قالوا:

بلى. يعني العرب. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كلّ موطن. قال: ويلكم! فما بالكم تنهزمون كلّما لقيتموهم؟ فسكتوا، فقال شيخ منهم: أنا أخبرك، أيها الملك، من أين تؤتون. قال: أخبرني.

قال: إذا حملنا عليهم صبروا وإذا حملوا علينا صدقوا، ونحمل عليهم فنكذب ويحملون علينا فلا نصبر. قال: ويلكم فما بالكم كما تصفون وهم كما تزعمون؟ قال الشيخ: ما كنت أراك إلا وقد علمت من أين هذا؟ قال له: من أين هو؟ قال: لأنّ القوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يظلمون أحدا ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنّا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بما يسخط الله وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. قال:

صدقتني، والله لأخرجنّ من هذه القرية فما لي في صحبتكم خير وأنتم هكذا.

قالوا: نشهدك الله، أيها الملك. تدع سورية وهي جنة الدنيا وحولك من الروم عدد الحصى والتراب ونجوم السماء ولم يؤت عليهم؟.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.