تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب المروءة

في الحديث المرفوع: قام رجل من مجاشع إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، ألست أفضل قومي؟ فقال: «إن كان لك عقل فلك فضل، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك تقى فلك

دين» وفيه أيضا: «إن الله يحبّ معالي الأمور ويكره سفسافها». روى كثير بن هشام عن الحكم بن هشام الثّقفيّ قال: سمعت عبد الملك بن عمير يقول:

إن من مروءة الرجل جلوسه ببابه. قال الحسن: لا دين إلا بمروءة. قيل لابن هبيرة: ما المروءة؟ قال: إصلاح المال، والرّزانة في المجلس، والغداء والعشاء بالفناء. قال إبراهيم: ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق ولا سرعة المشي. ويقال: سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن.

قال معاوية: المروءة ترك اللذة. وقال لعمرو: ما ألذّ الأشياء؟ فقال عمرو: مر أحداث قريش أن يقوموا، فلما قاموا قال: إسقاط المروءة. قال جعفر بن محمد عن أبيه: قال قال رسول الله ﷺ: ورّوا لذوي المروءات عن عثراتهم، فوالذي نفسي بيده إنّ أحدهم ليعثر وإنّ يده لفي يد الله. كان عروة ابن الزبير يقول لولده: يا بنيّ، إلعبوا، فإنّ المروءة لا تكون إلا بعد اللعب.

قيل للأحنف. ما المروءة؟ فقال: العفّة والحرفة. قال محمد بن عمران التّيمي: ما شيء حملا عليّ من المروءة، قيل: وأيّ شيء المروءة؟ قال: لا تعمل شيئا في السرّ تستحي منه في العلانية. وقال زهير في نحو هذا:

السّتر دون الفاحشات، ولايلقاك دون الخير من ستر

وقال آخر:

فسرّي كإعلاني، وتلك خليقتيوظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا

قال عمر بن الخطاب: تعلّموا العربية فإنها تزيد في المروءة، وتعلّموا النسب فربّ رحم مجهولة قد وصلت بنسبها. قال الأصمعيّ: ثلاثة تحكم

لهم بالمروءة حتى يعرفوا: رجل رأيته راكبا، أو سمعته يعرب، أو شممت منه رائحة طيبة. وثلاثة تحكم عليهم بالدناءة حتى يعرفوا: رجل شممت منه رائحة نبيذ في محفل، أو سمعته يتكلم في مصر عربيّ بالفارسية، أو رأيته على ظهر الطريق ينازع في القدر. قال ميمون ابن ميمون: أوّل المروءة طلاقة الوجه، والثاني التودّد، والثالث قضاء الحوائج. وقال: من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب أبيه. قال مسلمة بن عبد الملك: مروءتان ظاهرتان: الرّياسة والفصاحة. وقال عمر بن الخطاب: المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة. قالوا:

كان الرجل إذا أراد أن يشين جاره طلب الحاجة إلى غيره. وقال بعض الشعراء:

نوم الغداة وشرب بالعشيّاتموكّلان بتهديم المروءات

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.