تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب العزّ والذلّ والهيبة

أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا عمر بن السّكن قال: قال سليمان ابن عبد الملك ليزيد بن المهلّب: فيمن العزّ بالبصرة؟ فقال: فينا وفي حلفائنا من ربيعة، فقال عمر بن عبد العزيز: ينبغي أن يكون العزّ فيمن تحولف عليه يا أمير المؤمنين. قالت قريبة: إذا كنت في غير قومك فلا تنس نصيبك من الذّلّة. قال رجل من قريش لشيخ منهم: علّمني الحلم، قال: هو، يا ابن أخي، الذلّ، أفتصبر عليه؟. وقال الأحنف: ما يسرّني بنصيبي من الذلّ حمر النّعم، فقال له رجل: أنت أعزّ العرب، فقال: إن الناس يرون الحلم ذلا، فقلت ما قلت على ما يعلمون.

وقرأت في كتاب للهند أن الريح العاصف تحطم دوح الشجر ومشيّد البنيان ويسلم عليها ضعيف النبت للينه وتثّنيه. ويقال في المثل: «تطأطأ لها تخطئك»، وقال زيد بن عليّ بن الحسين حين خرج من عند هشام مغضبا: ما أحبّ أحد قطّ الحياة إلا ذلّ؛ وتمثّل:

شرّده الخوف وأزرى بهكذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الخفّين يشكو الوجىتنكبه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحةوالموت حتم في رقاب العباد

وقال المتلمس:

إن الهوان، حمار البيت يعرفهوالمرء ينكره والجسرة الأجد
ولا يقيم بدار الذلّ يعرفهاإلا الحمار حمار الأهل والوتد

وقال الزّبير بن عبد المطلب:

ولا أقيم بدار لا أشدّ بهاصوتي إذا ما اعترتني سورة الغضب

وقال آخر:

إذا كنت في قوم عدا لست منهمفكل ما علفت من خبيث وطيّب

وقال العباس بن مرداس:

أبلغ، أبا سلم، رسولا نصيحةفإن معشر جادوا بعرضك فابخل
وإن بوّؤوك منزلا غير طائلغليظا فلا تنزل به وتحوّل
ولا تطعمن ما يعلفونك إنّهمأتوك على قربانهم بالمثمّل
أراك إذن قد صرت للقوم ناضحايقال له بالغرب أدبر وأقبل

وقال آخر:

فأبلغ لديك بني مالكعلى نأيها وسراة الرّباب
بأنّ امرأ أنتمو حولهتحفّون قبّته بالقباب
يهين سراتكمو عامداويقتلكم مثل قتل الكلاب
فلو كنتمو إبلا أملحتلقد نزعت للمياه العذاب
ولكنكم غنم تصطفىويترك سائرها للذئاب

وقال آخر:

تالله لولا انكسار الرمح قد علمواما وجدوني ذليلا كالذي أجد
قد يحطم الفحل قسرا بعد عزّتهوقد يردّ على مكروهه الأسد

وقال بعض العبديين:

ألا أبلغا خلّتي راشداوصنوي قديما إذا ما اتّصل
بأنّ الدّقيق يهيج الجليلوأنّ العزيز إذا شاء ذلّ
وأنّ الحزامة أن تصرفوالحيّ سوانا صدور الأسل
فإن كنت سيّدنا سدتناوإن كنت للخال فاذهب فخل

وقال البعيث:

ولو ترمى بلؤم بني كليبنجوم الليل ما وضحت لساري
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»
ولو لبس النهار بنو كليبلدنّس لؤمهم وضح النهار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»
وما يغدو عزيز بني كليبليطلب حاجة إلا بجار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»

جاور ابن سيابة مولى بني أسد قوما فأزعجوه، فقال لهم: لم تزعجوني من جواركم؟ فقالوا: أنت مريب، فقال: فمن أذلّ من مريب ولا أحسن جوارا. أبو عبيدة عن عوانة قال: إذا كنت من مضر ففاخر بكنانة وكاثر بتميم وألق بقيس، وإذا كنت من قحطان فكاثر بقضاعة وفاخر بمذحج وألق بكلب، وإذا كنت من ربيعة ففاخر بشيبان وألق بشيبان وكاثر بشيبان. كان يقال: من أراد عزّا بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فليخرج من ذلّ معصية الله إلى عز طاعة

الله. قيل لرجل من العرب: من السيد عندكم؟ قال: الذي إذا أقبل هبناه وإذا أدبر اغتبناه. ونحوه قول مسلم:

وكم من معدّ في الضمير لي الأذىرآني فألقى الرّعب ما كان أضمرا
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «وكم من معد في الضمير لي الأذى»

وقال أيضا:

يا أيها الشاتميّ عرضي مسارقةأعلن به، أنت إن أعلنته الرجل

ومن أحسن ما قيل في الهيبة:

في كفّه خيزران ريحها عبقمن كفّ أروع في عرنينه شمم
للشاعر الحزين الديلي، اقرأ القصيدة
يغضي حياء ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلا حين يبتسم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»

وقال ابن هرمة في المنصور:

له لحظات عن حفافي سريرهإذا كرّها فيها عقاب ونائل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «سرى ثوبه عنك الصبا المتخايل»
فأمّ الذي آمنت امنة الرّدىوأمّ الذي أوعدت بالثّكل ثاكل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «سرى ثوبه عنك الصبا المتخايل»
كريم له وجهان وجه لدى الرّضاأسيل، ووجه في الكريهة باسل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «سرى ثوبه عنك الصبا المتخايل»
وليس بمعطي العفو عن غير قدرةويعفو إذا ما أمكنته المقاتل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «سرى ثوبه عنك الصبا المتخايل»

وقال آخر في العفو بعد القدرة:

أسد على أعدائهما إن يلين ولا يهون
فإذا تمكّن منهمفهناك أحلم ما يكون

وقال آخر في مالك بن أنس:

يأبى الجواب فما يراجع هيبةوالسائلون نواكس الأذقان
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
هدي التّقّي وعزّ سلطان التّقىفهو المطاع وليس ذا سلطان

وقال آخر:

وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهمخضع الرّقاب نواكس الأبصار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم»

وقال أبو نواس:

أضمر في القلب عتابا لهفإن بدا أنسيت من هيبته

المدائني قال: قال ابن شبرمة القاضي لابنه: يا بنيّ، لا تمكّن الناس من نفسك، فإنّ أجرأ الناس على السباع أكثرهم لها معاينة. قيل لأعرابيّ:

كيف تقول: استخذأت أو استخذيت؟ قال: لا أقوله، قيل: ولم؟ قال: لأن العرب لا تستخذي. وكان يقال: إصفح أو اذبح.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.