تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

اختلاف الهمم والشهوات والأماني

اجتمع عبد الله بن عمر وعروة بن الزّبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان بفناء الكعبة، فقال لهم مصعب: تمنّوا فقالوا: إبدأ أنت.

فقال: ولاية العراق وتزوّج سكينة ابنة الحسين وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فنال ذلك وأصدق كلّ واحدة خمسمائة ألف درهم وجهّزها بمثلها.

وتمنى عروة بن الزّبير الفقه وأن يحمل عنه الحديث فنال ذلك. وتمنّى عبد الملك الخلافة فنالها. وتمنى عبد الله بن عمر الجنة.

قال قتيبة بن مسلم لحصين بن المنذر: ما السّرور؟ قال: امرأة حسناء،

ودار قوراء، وفرس مرتبط بالفناء. وقيل لضرار بن الحسين: ما السّرور؟

قال: لواء منشور، وجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير. وقيل لعبد الملك بن صالح: ما السّرور؟ فقال:

كلّ الكرامة نلتهاإلّا التحية بالسلام

يريد أنه لم يسلّم عليه بالخلافة. وأخذه من قول الآخر:

من كلّ ما نال الفتىقد نلته إلّا التحيّه
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة

يريد الملك. قيل لعبد الملك بن الأهتم: ما السّرور؟ فقال: رفع الأولياء، وحطّ الأعداء، وطول البقاء، مع القدرة والنماء. وقال آخر:

أطيب الطيّبات قتل الأعاديواختيال على متون الجياد
وأياد حبوتهنّ كريماإنّ عند الكريم تزكو الأيادي

قيل للفضل بن سهل: ما السّرور؟ فقال: توقيع جائز وأمر نافذ. وقال يزيد بن أسد يوما: أيّ شيء أسرّ للقلوب؟ فقالوا: رجل هوي زمانا ثم قدر، فقال: إن هذا السّرور. وقال آخر: رجل طلب الولد زمانا فلم يولد له ثم بشّر بغلام، فقال يزيد: أسرّ من هذا كلّه قفلة على غفلة. قيل لبعض الحكماء:

تمنّ، فقال: محادثة الإخوان، وكفاف من عيش يسدّ خلّتي ويستر عورتي، والانتقال من ظلّ إلى ظل. قيل لآخر: ما بقي من ملاذّك؛ قال: مناقلة الإخوان الحديث على التّلاع العفر في الليالي القمر. قيل لامرىء القيس: ما

أطيب عيش الدنيا؟ فقال: بيضاء رعبوبة، بالطّيب مشبوبة، بالشحم مكروبة. وقيل لطرفة مثل ذلك فقال: مطعم شهيّ وملبس دفيّ، ومركب وطيّ. وقيل للأعشى مثل ذلك، فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية. وقال طرفة:

ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتىوجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»
فمنهنّ سبقي العاذلات بشربةكميت متى ما تعل بالماء تزبد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»
وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجبببهكنة تحت الطّراف المعمّد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»
وكرّي إذا نادى المضاف محنّباكسيد الغضا نبّهته المتورّد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وقال أبو نواس:

قلت بالقفص ليحيىونداماي نيام
يا رضيعي ثدي أمّليس لي عنه فطام
إنّما العيش سماعومدام وندام
فإذا فاتك هذافعلى العيش السلام

وقال سحيم:

تقول حدراء: ليس فيك سوى الخمر معاب يعيبه أحد
فقلت: أخطأت، بل معاقرتي الخمر وبذلي فيها الذي أجد
هو السّناء الذي سمعت بهلا سبد محتدي ولا لبد
ويحك لولا الخمور لم أحفل العيش ولا أن يضمّني لحد
هي الحيا والحياة واللهو لاأنت ولا ثروة ولا ولد

وقال أبو الهنديّ:

تركت الخمور لأربابهاوأصبحت أشرب ماء قراحا
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
وقد كنت حينا بها معجباكحبّ الغلام الفتاة الرّداحا
وما كان تركي لها أنّنييخاف نديمي عليّ افتضاحا
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
ولكنّ قولي له مرحباوأهلا مع السّهل وانعم صباحا
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

اسقني بالكبير إنّي كبيرإنّما يشرب الصغير الصغير
لا يغرّنك يا عبيد خشوعيتحت هذا الخشوع فسق كثير

كان ابن عائشة ينشد:

لمّا رأيت الحظّ حظّ الجاهلولم أر المغبون غير العاقل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لما رأيت الحظ حظ الجاهل»
رحّلت عنسا من كروم بابلفبتّ من عقلي على مراحل

وقال آخر:

شربنا من الدّاذيّ حتى كأنناملوك لهم برّ العراقين والبحر
فلمّا انجلت شمس النهار رأيتناتولّى الغنى عنّا وعاودنا الفقر

قال بعضهم: العيش كله في كثرة المال وصحة البدن وخمول الذكر.

وكان يقال: ليس السّرور للنفس بالجدة، إنما سرور النفس بالأمل. قال يزيد بن معاوية: ثلاث تخلق العقل وفيها دليل على الضّعف: سرعة الجواب؛ وطول التمنّي، والاستغراب في الضحك. وكان يقال: المنى والحلم أخوان. وسئل ابن أبي بكرة: أيّ شيء أدوم إمتاعا؟ فقال: المنى.

وقال الشاعر:

إذا تمنّيت بتّ الليل مغتبطاإنّ المنى رأس أموال المفاليس

وقال آخر:

ما فاتني منك فإنّ المنىتدنيه منّي فكأنّا معا

وقال آخر:

وإنّ لوّا ليس شيئا سوىتسلية اللّوماء بالباطل

وقال بعض الأعراب:

منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنىوإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أمانيّ من سعدى عذابا كأنماسقتك بها سعدى على ظمأ بردا

وقال بشّار:

كررنا أحاديث الزمان الذي مضىفلذّ لنا محمودها وذميمها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نهاني أمير المؤمنين عن الصبا»

وقال المجنون:

أيا حرجات الحيّ حيث تحمّلوابذي سلم، لا جادكنّ ربيع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «سأصرم لبنى هبل وصلك مجملا»
وخيماتك اللّاتي بمنعرج اللّوىبلين بلى لم تبلهنّ ربوع
للشاعر أسامة بن منقذ، من قصيدة «كعهدك بانات الحمى فوق كثبها»
فقدتك من نفس شعاع فطالمانهيتك عن هذا وأنت جميع
فقرّبت لي غير القريب وأشرفتإليك ثنايا ما لهنّ طلوع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك إني يوم جرعاء مالك»

وقال ابن الدّمينة:

يا ليتنا فردا وحش ندور معانرعى المتان ونخفى في نواحيها
أو ليت كدر القطا حلّقن بي وبهادون السماء فعشنا في خوافيها
أكثرت من ليتنا لو كان ينفعنيومن منى النفس لو تعطى أمانيها

وقال كثيّر:

فيا ليتنا، يا عزّ، من غير ريبةبعيران نرعى في الفلاة ونعزب
نكون لذي مال كثير يضيعنافلا هو يرعانا ولا نحن نطلب

وقال جران العود:

ألا ليتنا طارت عقاب لنا معالها سبب عند المجرّة أو وكر

وقال مالك بن أسماء:

ولما نزلنا منزلا طلّه النّدىأنيقا وبستانا من النّور حاليا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
أجدّ لنا طيب المكان وحسنهمنى فتمنينا فكنت الأمانيا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

وأنشدنا الرّياشيّ:

نهاري نهار الناس حتّى إذا دجالي الليل ملّتني هناك المضاجع
أقضّي نهاري بالحديث وبالمنىويجمعني والهمّ بالليل جامع
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أقمت على رمان يوما وليلة»

وأنشد أبو زيد:

كأنّي، إذ أسعى لأظفر، طائرمع النجم في جوّ السماء يطير
فتى متلهّى بالمنى في خلائهوهنّ وإن حسّنتهنّ غرورا

أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: زعم شيخ من بني القحيف قال: تمنّيت دارا فمكثت أربعة أشهر مغتما للدّرجة أين أضعها. قال الوليد بن عبد الملك لبديح المغني: خذ بنا في التمنّي فوالله لأغلبنّك. قال: والله لا تغلبني أبدا.

قال: بلى. قال بديح: فإني أتمنّى كفلين من العذاب، وأن يلعنني الله لعنا كثيرا فخذ ضعفي ذلك. قال: غلبتني، لعنك الله. قيل لمزبد: أيسرّك أنّ هذه الجنة لك؟ قال: وأضرب عشرين سوطا. قالوا: ولم تقول هذا؟ قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء.

الأصمعيّ عن مبشّر بن بشير أن رجلا كان يطلبه الحجّاج فمرّ بساباط فيه كلب بين حبّين يقطر عليه ماؤهما. فقال: يا ليتني مثل هذا الكلب، فما لبث ساعة أن مرّ بالكلب في عنقه حبل، فسأل عنه، فقالوا: جاء كتاب

الحجّاج يأمر فيه بقتل الكلاب. قال مدينيّ لكوفيّ: ما بلغ من حبك لرسول الله ﷺ؟ فقال: وددت أنّى وقيته ولم يكن وصل إليه يوم أحد ولا غيره شيء من المكروه إلّا كان بي دونه. قال المدينيّ: وددت أن أبا طالب كان أسلم فسرّ به رسول الله ﷺ وأنّي كافر.

تمنّى ابن أبي عتيق أن يهدى له مسلوخ يتخذ منه طعاما، فسمعته جارة له فظنّت أنه قد أمر أن يشترى له، فانتظرت إلى وقت الطعام ثم جاءت تدقّ الباب، وقالت: شممت ريح قدوركم فجئت لتطعموني، فقال ابن أبي عتيق:

جيراني يشمّون ريح الأماني.

وفي كتاب للهند أن ناسكا كان له عسل وسمن في جرّة، ففكّر يوما فقال: أبيع الجرّة بعشرة دراهم، وأشتري خمسة أعنز فأولدهنّ في كلّ سنة مرتين؛ ويبلغ النتّاج في سنين مائتين، وأبتاع بكل أربع بقرة، وأصيب بذرا فأزرع، وينمى المال في يدي؛ فأتّخذ المساكن والعبيد والإماء والأهل ويولد لي ابن فأسميه كذا وآخذه بالأدب، فإن هو عصاني ضربت بعصاي رأسه وكانت في يده عصا فرفعها حاكيا للضرب، فأصابت الجرّة فانكسرت، وانصبّ العسل والسمن على رأسه.

ابن الكلبيّ قال: كان رجل من ولد عمر بن الخطاب إذا كان مسرورا قال:

ليت أيّامنا ببرقة خاخولياليك، يا طويل، تعود

وإذا كان مغتمّا قال:

ترى الشيء مما تتّقي فتخافهوما لا ترى مما يقي الله أكثر

الأصمعيّ عن أبيه قال: قال زياد: أيّ الناس أنعم؟ قالوا: معاوية.

قال: فأين ما يلقى من الناس! قالوا: فأنت. قال: فأين ما ألقى من الثغور والخراج! قالوا: فمن؟ قال: شابّ له سداد من عيش، وامرأة قد رضيها ورضيته، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإن عرفناه أفسدنا عليه دينه ودنياه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.