من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
السّيادة والكمال في الحداثة
قال الأحنف: السّؤدد مع السواد، يريد أنه يكون سيدا من أتته السيادة في حداثته وسواد رأسه ولحيته، وقد يذهب بمعناه إلى سواد الناس وعامّتهم يراد أن السّؤدد يكون بتسويد العامّة. وقال أبو اليقظان: ولّى الحجّاج محمد ابن القاسم بن محمد بن الحكم الثّقفيّ قتال الأكراد بفارس فأباد منهم، ثم ولّاه السّند فافتتح السند والهند وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، فقال فيه الشاعر:
إن السماحة والمروءة والنّدىلمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجّةيا قرب ذلك سؤددا من مولد!
ويروى: يا قرب ذلك سورة من مولد؛ السّورة المنزلة الرفيعة. قال أبو اليقظان: وهو جعل شيراز معسكرا ومنزلا لولاة فارس. وقال حمزة بن بيض لمخلّد بن يزيد بن المهلّب:
بلغت لعشر مضت من سنيك ما يبلغ السيّد الأشيب
فهمّك فيها جسام الأموروهمّ لداتك أن يلعبوا
نظر الحطيئة إلى ابن عباس يتكلم في مجلس عمر، فقال: من هذا الذي نزل عن الناس في سنّه وعلاهم في قوله! وقال ابن مسعود: لو بلغ أسناننا ما عشره منّا رجل. ونظر رجل إلى أبي دلف في مجلس المأمون
فقال: إن همته ترمي به وراء سنه. وولي عبيد الله بن زياد خراسان وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وليها لمعاوية. قيل لزياد عند موته: استخلف عبيد الله، فقال: إن يك فيه خير فسيولّيه عمّه، فلما مات زياد شخص عبيد الله إلى عمه معاوية فقال له: ما منع أباك أن يولّيك؟ أما إنه لو فعل فعلت، فقال عبيد الله:
يا أمير المؤمنين، لا يقولنّها أحد بعدك: ما منع أباه وعمه أن يكونا استعملاه، فرغب فيه فاستعمله على خراسان. وولى معاذ اليمن وهو ابن أقل من ثلاثين سنة. وحمل أبو مسلم أمر الدولة والدعوة وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وحمل الناس عن إبراهيم النّخعيّ وهو ابن ثماني عشرة سنة. وولّى رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد مكة وهو ابن خمس وعشرين سنة. وسوّدت قريش أبا جهل ولم يطرّ شاربه فأدخلته مع الكهول دار النّدوة. قال الكميت:
رفعت إليك، وما ثغرت، عيون مستمع وناظر
ورأوا عليك ومنك في المهد النّهى ذات البصائر
قال: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز من العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحوّز يريد الكلام، فقال عمر: كبّروا كبّروا، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسنّ منك، قال صدقت فتكلّم. قال الشاعر في خلاف هذا المعنى:
إنما الهلك أن يساسوا بغرّلم تعره الأيام رأيا وثيقا
وقال آخر:
ألا قالت الحسناء يوم لقيتهاكبرت، ولم تجزع من الشيب مجزعا
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبةتقنّع منها رأسه ما تقنّعا
فقلت لها: لا تهزئي بى فقلّمايسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
وللقارح اليعبوب خير علالةمن الجذع المجرى وأبعد منزعا
رأى بكير بن الأخنس المهلّب وهو غلام فقال:
خذوني به إن لم يسد سرواتهمويبرع حتى لا يكون له مثل
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع