من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الكمال والتناهي في السّؤدد
حدّثني أبو حمزة الأنصاريّ عن العتبيّ قال: قال قال الأحنف: الكامل من عدّت هفواته. وكتب معاوية إلى زياد: أنظر رجلا يصلح لثغر الهند فولّه، فكتب إليه إنّ قبلي رجلين يصلحان لذلك: الأحنف بن قيس، وسنان بن سلمة الهذلي. فكتب إليه معاوية: بأيّ يومي الأحنف نكافيه: أبخذلانه أمّ المؤمنين، أم بسعيه علينا يوم صفّين؟ فوجّه سنانا، فكتب إليه زياد: إن الأحنف قد بلغ من الشرف والحلم والسؤدد ما لا تنفعه الولاية ولا يضرّه العزل. وقال أبو نواس يمدح رجلا:
أوحده الله فما مثلهلطالب ذاك ولا ناشد
وليس لله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
وقال أيضا في نحو هذا:
يا ناق، لا تسأمي أو تبلغي رجلاتقبيل راحته والرّكن سيّان
متى تحطّي إليه الرّحل سالمةتستجمعي الخلق في تمثال إنسان
محمد خير من يمشي على قدمممن برا الله من إنس ومن جان
تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبهاخلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان
سيّان لا فرق في المعقول بينهمامعناهما واحد والعدّة اثنان
وقال الطائي:
لو أنّ إجماعنا في فضل سؤددهفي الدّين، لم يختلف في الملّة اثنان
وقال أيضا:
فلو صوّرت نفسك لم تزدهاعلى ما فيك من كرم الطّباع
وقال خالد بن صفوان: كان الأحنف يفرّ من الشرف والشرف يتبعه.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: وفد الأحنف والمنذر بن الجارود إلى معاوية، فتهيّأ المنذر وخرج الأحنف على قعود وعليه بتّ، فكلما مرّ المنذر قال الناس: هذا الأحنف، فقال المنذر: أراني تزيّنت لهذا الشيخ. وقالت بنو تميم للأحنف: ما أعظم منّتنا عليك! فضّلناك وسوّدناك، فقال: هذا شبل بن معبد، من سوّده وليس بالحضرة بجليّ غيره؟ أو قال بالبصرة.
قال عبد الملك بن مروان لعبد الله بن عبد الأعلى الشاعر الشّيباني: من أكرم العرب أو من خير الناس؟ قال: من يحبّ الناس أن يكونوا منه، ولا يحب أن يكون من أحد، يعني بني هاشم. قال: من ألأم الناس؟ قال: من يحب أن يكون من غيره، ولا يحب غيره أن يكونوا منه. قال رجل من أشراف العجم لرجل من أشراف العرب: إن الشّرف نسب مفرد، فالشريف من كل قوم نسيب. وكان يقال: أكرم الصّفايا أشدّها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أحنّها إلى أوطانها، وأكرم الأفلاء أشدّها ملازمة لأمهاتها، وخير الناس آلف الناس للناس
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع