تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

أخبار الجبناء

حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله عن عمه الأصمعي قال: أرسل عبيد الله بن زياد رجلا في ألفين إلى مرداس بن أديّة وهو في أربعين فهزمه مرداس فعنّفه ابن زياد وأغلظ له فقال: يشتمني الأمير وأنا حيّ أحبّ إليّ من أن يدعو لي وأنا ميت. فقال شاعر الخوارج:

أألفا مؤمن منكم زعمتمويهزمهم باسك أربعونا؟
كذبتم ليس ذلكم كذاكمولكنّ الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة قد علمتمعلى الفئة الكثيرة ينصرونا

حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن عون عن الحسن قال: قال النبي ﷺ: «ما التقت فئتان قطّ إلا وكفّ الله بينهما فإذا أراد أن

يهزم إحدى الطائفتين أمال كفّه عليها». ورفع معاوية ثندوته بيده وقال: لقد علم الناس أن الخيل لا تجري بمثلي، فكيف قال النّجاشيّ:

ونجّى ابن حرب سابق ذو علالةأجشّ هزيم والرماح دواني

ابن دأب قال: قال عمرو بن العاص لمعاوية: لقد أعياني أن أعلم أجبان أنت أم شجاع؟ فقال:

شجاع إذا ما أمكنتني فرصةوإلّا تكن لي فرصة فجبان
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

شهد أبو دلامة حربا مع روح بن حاتم فقال له: تقدّم فقاتل.

فقال:

إني أعوذ بروح أن يقدّمنيإلى القتال فتخزى بي بنو أسد
إن المهلّب حبّ الموت ورّثكمولم أورّث حبّ الموت عن أحد

أبو المنذر قال: حدّثنا زيد بن وهب قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: عجبا لابن النابغة! يزعم أني تلعابه أعافس وأمارس! أما وشرّ

القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف ويسأل فيبخل، فإذا كان عند البأس فإنه امرؤ زاجر ما لم تأخذ السيوف مأخذها من هام القوم، فإذا كان كذلك كان أكبر همّه أن يبرقط ويمنح الناس استه. قبحه الله وترحه. وقال الفرّار السّلمي:

وكتيبة لبّستها بكتيبةحتى إذا التبست نفضت بها يدي
وتركتهم تقص الرماح ظهورهممن بين منجدل وآخر مسند
ما كان ينفعني مقال نسائهموقتلت دون رجالهم: لا تبعد

وقال آخر:

أصخت تشجّعني هند وقد علمتأن الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي حجّت الأنصار كعبتهما يشتهي الموت عندي من له أرب
للشاعر أبو الغَمْر الطبري، اقرأ القصيدة
للحرب قوم أضلّ الله سعيهمإذا دعتهم إلى حوبائها وثبوا
للشاعر أبو الغَمْر الطبري، اقرأ القصيدة
ولست منهم ولا أبغي فعالهملا القتل يعجبني منها ولا السّلب

وقال أيمن بن خريم:

إنّ للفتنة ميطا بيّنافرويد الميط منها يعتدل
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
فإذا كان عطاء فأتهموإذا كان قتال فاعتزل
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
إنما يسعرها جهّالهاحطب النار فدعها تشتعل
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

كملقي الأعنة من كفّهوقاد الجياد بأذنابها

وقال جران العود في الدّهش:

يوم ارتحلت برحلي قبل تودعتيوالقلب مستوهل بالبين مشغول
ثم اغترزت على نضوي لأدفعهإثر الحمول الغوادي وهو معقول

كان خالد بن عبد الله من الجبناء خرج عليه المغيرة بن سعيد صاحب المغيريّة من الرافضة وهو من بجيلة فقال من الدّهش: أطعموني ماء. فذكّره بعضهم فقال:

عاد الظلوم ظليما حين جدّ بهواستطعم الماء لما جدّ في الهرب

وقال عبيد الله بن زياد إما للكنة فيه أو لجبن أو دهشة: افتحوا سيوفكم.

وقال ابن مفزّغ الحميري:

ويوم فتحت سيفك من بعيدأضعت وكلّ أمرك للضياع
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

وكان معاوية يتمثل بهذين البيتين كثيرا:

أكان الجبان يرى أنهسيقتل قبل انقضاء الأجل
فقد تدرك الحادثات الجبانويسلم منها الشجاع البطل
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

وقال خالد بن الوليد: لقد لقيت كذا وكذا زحفا وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه طعنة أو ضربة أو رمية ثم ها أنا أموت على فراشي حتف أنفي، فلا نامت أعين الجبناء.

قيل لأعرابي: ألا تغزو فإن الله قد أنذرك. قال: والله إني لأبغض الموت على فراشي فكيف أمضي إليه ركضا؟ وقال قرواش بن حوط وذكر رجلين:

ضبعا مجاهرة وليثا هدنةوثعيلبا خمر إذا ما أظلما

وقال عبد الملك بن مروان في أمية بن عبد الله بن خالد:

إذا صوّت العصفور طار فؤادهوليث حديد الناب عند الثرائد

ونحوه قول الآخر:

ولو أنها عصفورة لحسبتهامسوّمة تدعو عبيدا وأزنما
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

وقال الله جلّ وعزّ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ

ومن أشعار الشّطّار في الجبان:

رأى في النوم إنسانافوارى نفسه أشهر

قال ابن المقفع: الجبن مقتلة والحرص محرمة فانظر فيما رأيت وسمعت: من قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا؟ وانظر من يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحقّ أن تسخو نفسك له بالعطية أم من يطلب إليك بالشره والحرص؟ وقال حنش بن عمرو:

وأنتم سماء يعجب الناس رزّهالها زجل باق شديد وئيدها
تقطّع أطناب البيوت بحاصبوأكذب شيء برقها ورعودها
للشاعر قراد بن حنش الصاردي، اقرأ القصيدة
فويلمّها خيلا تهاوى شرارهاإذا لاقت الأعداء لولا صدودها

وقال الفرزدق أو البيعث:

سائل سليطا إذا ما الحرب أفزعهاما بال خيلكمو قعسا هواديها
لا يرفعون إلى داع أعنّتهاوفي جواشنها داء يجافيها
للشاعر جرير، من قصيدة «اسأل سليطاً إذا ما الحرب أفزعها»

كان بالبصرة شيخ من بني نهشل يقال له عروة بن مرثد ويكنى أبا الأغرّ ينزل ببني أخت له في سكة بني مازن، وبنو أخته من قريش، فخرج رجالهم إلى ضياعهم في شهر رمضان وخرج النساء يصلّين في مسجدهم فلم يبق في الدار إلا الإماء فدخل كلب يعتسّ فرأى بيتا فدخله وانصفق الباب فسمع الحركة بعض الإماء فظنوا أن لصا دخل الدار فذهبت إحداهنّ إلى أبي الأغر فأخبرته، فقال أبو الأغر: ما يبتغي اللص؟ ثم أخذ عصاه وجاء، فوقف على باب البيت وقال: إيه، يا ملأمان، أما والله إنك بي لعارف فهل أنت إلا من لصوص بني مازن شربت حامضا خبيثا حتى إذا دارت القدوح في رأسك منّتك نفسك الأماني وقلت: أطرق ديار بني عمرو والرجال خلوف والنساء يصلّين في مسجدهم فأسرقهم؟ سوءة لك، والله ما يفعل هذا ولد الأحرار، وايم الله لتخرجنّ أو لأهتفنّ هتفة مشؤومة يلتقي فيها الحيّان عمرو وحنظلة وتجيء سعد

بعدد الحصى وتسيل عليك الرجال من هاهنا ومن هاهنا ولئن فعلت لتكوننّ أشأم مولود. فلما رأى أنه لا يجيبه أحد أخذ باللين فقال: أخرج بأبي وأمي، أنت مستور، إني والله ما أراك تعرفني ولو عرفتني لقنعت بقولي واطمأننت إليّ. أنا- فديتك- أبو الأغر النّهشلي، وأنا خال القوم وجلدة بين أعينهم لا يعصونني، ولن تضارّ الليلة فاخرج فأنت في ذمتي وعندي قوصرّتان أهداهما إليّ ابن أختي البارّ الوصول فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من الله ورسوله.

وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق وإذا سكت وثب يريغ المخرج، فتهاتف أبو الأغرّ ثم تضاحك وقال: يا ألأم الناس وأوضعهم، لا أرى إلا أني لك الليلة في واد وأنت لي في واد، أقلّب السوداء والبيضاء فتصيخ وتطرق، وإذا سكتّ عنك وثبت تريغ المخرج، والله لتخرجنّ أو لألجنّ عليك البيت. فلما طال وقوفه جاءت إحدى الإماء فقالت: أعرابي مجنون، والله ما أرى في البيت شيئا، فدفعت الباب فخرج الكلب شدّا وحاد عنه أبو الأغر ساقطا على قفاه، ثم قال: يا لله ما رأيت كالليلة! والله ما أراه إلا كلبا، أما والله لو علمت بحاله لولجت عليه.

وشبيه بهذا حديث لأبي حية النّميري، وكان له سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق، وكان يسميه لعاب المنيّة. قال جار له: أشرفت عليه ليلة وقد انتضاه وشمّر وهو يقول: أيها المغترّ بنا والمجترىء علينا، بئس والله ما أخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنية الذي سمعت به، مشهور ضربته لا تخاف نبوته. أخرج بالعفو عنك وإلا دخلت بالعقوبة عليك، إني والله إن أدع قيسا تملأ الأرض خيلا ورجلا. يا سبحان الله، ما

أكثرها وأطيبها! ثم فتح الباب فإذا كلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني حربا.

وقرأت في كتاب كليلة ودمنة: يخاف غير المخوف طائر يرفع رجليه خشية السماء أن تسقط، وطائر يقوم على إحدى رجليه حذار الخسف إن قام عليهما، ودودة تأكل التراب فلا تشبع خوفا أن يفنى إن شبعت فتجوع، والخفافيش تستتر بالنهار خذار أن تصطاد لحسنها.

بينا عبد الله بن خازم السّلمي عند عبيد الله بن زياد إذ دخل عليه بجرذ أبيض فعجب منه وقال: يا أبا صالح، هل رأيت أعجب من هذا؟ وإذا عبد الله قد تضاءل حتى صار كأنه فرخ واصفّر حتى كأنه جرادة ذكر. فقال عبيد الله:

أبو صالح يعصى الرحمن ويتهاون بالشيطان ويقبض على الثعبان ويمشي إلى الأسد الورد ويلقى الرماح بوجهه قد اعتراه من هذا الجرذ ما ترون! إن الله على كل شيء قدير!.

كان الحارث بن هشام أخو أبي جهل بن هشام شهد بدرا مع المشركين وانهزم، فقال فيه حسان:

إن كنت كاذبة الذي حدثتنيفنجوت منجى الحارث بن هشام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تبلت فؤادك في المنام خريدة»
ترك الأحبّة لم يقاتل دونهمونجا برأس طمرّة ولجام

فاعتذر الحارث من فراره وقال:

الله يعلم ما تركت قتالهمحتى علوا فرسي بأشقر مزبد
للشاعر الحارث بن هشام المخزومي، اقرأ القصيدة
وعلمت أنّي إن أقاتل واحداأقتل ولا يضرر عدويّ مشهدي
للشاعر الحارث بن هشام المخزومي، اقرأ القصيدة
فصددت عنهم والأحبة فيهمطمعا لهم بعقاب يوم مفسد
للشاعر الحارث بن هشام المخزومي، اقرأ القصيدة

وأسلم يوم فتح مكة وحسن إسلامه، وخرج في زمن عمر من مكة إلى الشام بأهله وماله، فاتّبعه أهل مكة يبكون، فرقّ وبكى ثم قال: أما إنا لو كنا نستبدل دارا بدارنا وجارا بجارنا ما أردنا بكم بدلا، ولكنها النّقلة إلى الله، فلم يزل هنالك مجاهدا حتى مات.

المدائني قال: رأى عمرو بن العاص معاوية يوما يضحك فقال له: مم تضحك يا أمير المؤمنين أضحك الله سنّك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب، أما والله لقد وافقته منّانا كريما، ولو شاء أن يقتلك لقتلك. قال عمرو: يا أمير المؤمنين، أما والله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولّت عيناك وربا سحرك وبدا منك ما أكره ذكره لك فمن نفسك فاضحك أو دع.

وقدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك فدخل وعليه درع وعمامة سوداء وقوس عربية وكنانة، فبعثت إليه أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان فقالت: من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك وأنت في غلالة؟

فبعث إليها أنه الحجاج، فأعادت الرسول إليه، فقال: تقول لك والله لأن يخلو بك ملك الموت أحيانا أحبّ إليّ من أن يخلو بك الحجاج، فأخبره بذلك الوليد وهو يمازحه، فقال: يا أمير المؤمنين، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف

القول فإنما المرأة ريحانة وليست قهرمانة فلا تطلعها على سرك ومكايدة عدوّك. فلما دخل الوليد أخبرها بمقالة الحجاج فقالت: يا أمير المؤمنين، حاجتي أن تأمره غدا بأن يأتيني مستلئما، ففعل ذلك وأتاها الحجاج فحجبته فلم يزل قائما، ثم قالت: إيه يا حجاج، أنت الممتنّ على أمير المؤمنين بقتال ابن الزبير وابن الأشعث، أما والله لولا أنّ الله علم أنك شر خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام ولا بقتل ابن ذات النّطاقين أول مولود ولد في الإسلام، وأما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذّاته وأوطاره فإن كنّ ينفرجن عن مثله فغير قابل لقولك، أنا والله لقد نفض نساء أمير المؤمنين الطّيب من غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من القرن قد أظلتك رماحهم وأثخنك كفاحهم وحين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم فأنجاك الله من عدوّ أمير المؤمنين بحبهم إياه، قاتل الله القائل حين نظر إليك وسنان غزالة بين كتفيك:

أسد عليّ وفي الحروب نعامةفتخاء تنفر من صفير الصافر
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
هلّا كررت على غزالة في الوغىبل كان قلبك في جوانح طائر

وغزالة امرأة شبيب الخارجي. ثم قالت: أخرج، فخرج.

وكان في بني ليث رجل جبان بخيل فخرج رهطه غازين وبلغ ذلك أناسا من بين سليم وكانوا أعداء لهم فلم يشعر الرجل إلا بخيل قد أحاطت بهم فذهب يفرّ فلم يجد مفرّا، ووجدهم قد أخذوا عليه كل وجه فلما رأى ذلك جلس ثم نثل كنانته وأخذ قوسه وقال:

ما علّتي، وأنا جلد نابلوالقوس من نبع لها بلابل
يرزّ فيها وتر عنابلإن لم أقاتلكم فأميّ هابل
أكلّ يوم أنا عنكم ناكللا أطعم القوم ولا أقاتل

الموت حقّ والحياة باطل

ثم جعل يرميهم حتى ردّهم، وجاءهم الصريخ وقد منع الحيّ، فصار بعد ذلك شجاعا سمحا معروفا.

ولما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير وجّه أخاه بشر بن مروان على الكوفة ووجّه معه روح بن زنباع الجذامي كالوزير، وكان روح رجلا عالما داهية غير أنه كان من أجبن الناس وأبخلهم، فلما رأى أهل الكوفة من بخله ما رأوا تخوّفوا أن يفسد عليهم أمرهم وكانوا قد عرفوا جبه فاحتالوا في إخراجه عنهم فكتبوا ليلا على بابه:

إنّ ابن مروان قد حانت منيّتهفاحتل لنفسك يا روح بن زنباع

فلما أصبح ورأى ذلك لم يشكّ أنه مقتول فدخل على بشر فاستأذنه في الشخوص فأذن له وخرج حتى قدم على عبد الملك فقال له: ما أقدمك؟

قال: يا أمير المؤمنين، تركت أخاك مقتولا أو مخلوعا. قال: كيف عرفت

ذلك؟ فأخبره الخبر فضحك عبد الملك حتى فحص برجليه، ثم قال: إحتال لك أهل الكوفة حتى أخرجوك عنهم.

كان أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد وجّه إلى أبي فديك فانهزم وأتي الحجاج بدوابّ من دوابّ أمية قد وسم على أفخاذها «عدّة» فأمر الحجاج فكتب تحت ذلك: «للفرار».

وقال عمر ﵁: إنّ الشجاعة والجبن غرائز في الرجال، تجد الرجل يقاتل عمن لا يبالي ألا يؤوب إلى أهله، وتجد الرجل يفرّ عن أبيه وأمه، وتجد الرجل يقاتل ابتغاء وجه الله فذلك هو الشهيد.

وقال الشاعر:

يفرّ الجبان عن أبيه وأمّهويحمي شجاع القوم من لا يناسبه

باب من أخبار الشّجعاء والفرسان وأشعارهم

حدّثني أبو حاتم قال: حدّثني الأصمعي قال: سمعت الحرسيّ يقول:

رأيت من الجبن والشجاعة عجبا. استثرنا من مزرعة في بلاد الشام رجلين يذريان حنطة، أحدهما أصيفر أحيمش، والآخر مثل الجمل عظما، فقاتلنا الأصيفر بالمذرى لا تدنو منه دابة إلّا نخس أنفها وضربها حتى شقّ علينا فقتل، ولم نصل إلى الآخر حتى مات فرقا فأمرت بهما فبقرت بطونهما فإذا

فؤاد الضخم يابس مثل الحشفة، وإذا فؤاد الأصيفر مثل فؤاد الجمل يتخضخض في مثل كوز من ماء.

وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدّثنا أبو عمرو الصّفّار قال:

حاصر مسلمة حصنا فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد. فجاء رجل من عرض الجيش فدخله ففتحه الله عليهم، فنادى مسلمة: أين صاحب النقب؟ فما جاءه أحد، فنادى: إني قد أمرت الأذن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه إلّا جاء. فجاء رجل فقال: إستأذن لي على الأمير. فقال له: أنت صاحب النقب؟

قال: أنا أخبركم عنه. فأتى مسلمة فأخبره عنه، فأذن له فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثا: ألّا تسوّدوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه ممن هو. قال: فذاك له. قال: أنا هو. فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.

حدّثني محمد بن عمرو الجرجاني قال: كتب أنو شروان إلى مرازبته:

عليكم بأهل الشجاعة والسخاء فإنهم أهل حسن الظن بالله تعالى. وذكر أعرابي قوما تحاربوا فقال: أقبلت الفحول تمشي مشي الوعول، فلما تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها. وذكر آخر قوما اتبعوا قوما أغاروا عليهم فقال:

احتثّوا كلّ جماليّة عيرانة فما زالوا يخصفون أخفاف المطيّ بحوافر الخيل حتى أدركوهم بعد ثالثة فجعلوا المرّان أرشية الموت واستقوا بها أرواحهم.

حدّثني عبد الرحمن عن عمه عن رجل من العرب قال: انهزمنا من قطريّ وأصحابه فأدركني رجل على فرس فسمعت حسّا منكرا خلفي،

فالتفتّ فإذا أنا بقطري فيئست من الحياة فلما عرفني قال: أشدد عنانها وأوجع خاصرتها قطع الله يديك. قال: ففعلت فنجوت منه.

وحدّثني عبد الرحمن عن عمه قال: لما غرق شبيب قالت امرأة: الغرق يا أمير المؤمنين، قال ذلك تقدير العزيز العليم قال: فأخرج فشقّ بطنه وأخرج فؤاده فإذا مثل الكوز، فجعلوا يضربون به الأرض فينزو.

حدّثنا الرياشي قال: حدّثنا الأصمعي قال: أخبرنا صاحب لنا عن أبي عمرو بن العلاء قال: لما كان يوم الكلاب خرج رجل من بني تميم، أحسبه قال: سعديّ، فقال: لو طلبت رجلا له فداء! قال: فخرجت أطلبه، فإذا رجل عليه مقطّعة يمانيّة على فرس ذنوب، فقلت له: على يمينك. قال: على يساري أقصد لي. قلت: أيهات منك اليمن. قال: العراق مني أبعد.

قلت: وتالله لا ترى أهلك العام. قال لا والله أهلك لا أراهم. قال: فتركته ولما كان بعد أيام ونعتّ نعته بعد ذلك، فقيل لي: هو وعلة الجرميّ.

حدّثنا محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن هشام عن محمد بن سيرين قال: بعث عمر بن الخطاب ﵁ الأحنف بن قيس على جيش قبل خراسان فبيّتهم العدوّ ليلا وفرّقوا جيوشهم أربع فرق

واقبلوا معهم الطبل ففزع الناس وكان أوّل من ركب الأحنف فأخذ سيفه وتقلّده ثم مضى نحو الصوت وهو يقول:

إنّ على كل رئيس حقّاأن يخضب الصّعدة أو تندقّا

ثم حمل على صاحب الطبل فقتله، فلما فقد أصحاب الطبل الصوت انهزموا. ثم حمل على الكردوس الآخر ففعل مثل ذلك وهو وحده، ثم جاء الناس وقد انهزم العدوّ فاتبعوهم يقتلونهم، ثم مضوا حتى فتحوا مدينة يقال لها مرو الرّوذ.

سأل ابن هبيرة عن مقتل عبد الله بن خازم، فقال رجل ممن حضر:

سألنا وكيع بن الدّورقيّة كيف قتلته؟ قال: غلبته بفضل فتاء كان لي عليه فصرعته وجلست على صدره وقلت له: يا لثارات دويلة. يعني أخاه من أبيه.

فقال من تحتي: قتلك الله! تقتل كبش مضر بأخيك وهو لا يساوي كفّ نوى! ثم تنخّم فملأ وجهي نخامة، فقال ابن هبيرة: هذه والله البسالة! استدلّ عليها بكثرة الريق في ذلك الوقت.

قال هشام لمسلمة: يا أبا سعيد، هل دخلك ذعر قطّ لحرب أو عدوّ قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه على حيلة ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي. قال هشام: هذه البسالة.

خرج رهم بن حزم الهلاليّ ومعه أهله وماله يريد النّقلة من بلد إلى بلد فلقيه ثلاثون رجلا من بني تغلب فعرفهم، فقال: يا بني تغلب، شأنكم بالمال وخلّوا الظعينة. فقالوا: رضينا إن ألقيت الرمح. قال: وإنّ رمحي لمعي. وحمل عليهم فقتل منهم رجلا وصرع آخر وقال:

ردّا على آخرها الأتالياإن لها بالمشرفيّ حاديا

ذكّرتني الطعن وكنت ناسيا

قال الزّبيري: ما استحيا شجاع أن يفرّ من عبد الله بن خازم السّلمي وقطريّ بن الفجاءة.

أبو اليقظان قال: كان حبيب بن عوف العبدي فاتكا، فلقي رجلا من، أهل الشام قد بعثه زياد ومعه ستون ألفا يتّجر بها فسايره، فلما وجد غفلة قتله وأخذ المال فقال يوما وهو يشرب على لذته:

يا صاحبيّ، أقلّا اللوم والعذلاولا تقولا لشيء فات ما فعلا
ردّا عليّ كميت اللون صافيةإني لقيت بأرض خاليا رجلا
ضخم الفرائص لو أبصرت قمّتهوسط الرجال إذن شبّهته جملا
ضاحكته ساعة طورا وقلت لهأنفقت بيعك إن ريثا وإن عجلا
سايرته ساعة ما بي مخافتهإلّا التّلفّت حولي هل أرى دغلا
للشاعر عبيد الله الجَعفي، اقرأ القصيدة
غادرته بين آجام ومسبعةلم يدر غيري بعدي بعد ما فعلا
يدعو زيادا وقد حانت منيّتهولا زياد لمن قد وافق الأجلا

المفضّل الضّبيّ: كان سليك بن سلكة التميمي من أشدّ فرسان العرب وأذكرهم وأدلّ الناس بالأرض وأجودهم عدوا على رجليه لا تعلق به الخيل وكانت أمّه سوداء وكان يقول: اللهمّ إنك تهيء ما شئت لما شئت إذا شئت، اللهمّ إني لو كنت ضعيفا كنت عبدا ولو كنت امرأة كنت أمة، اللهمّ إني أعوذ بك من الخيبة فأما الهيبة فلا هيبة. وأملق حتى لم يبق له شيء، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرّة من بعض من يمرّ عليه فيذهب بإبله، حتى إذا أمسى في ليلة مقمرة واشتمل الصّمّاء ونام، إذا برجل قد جثم على صدره وقال:

إستأسر. فرفع سليك رأسه وقال: «إن الليل طويل وأنت مقمر» فجرى مثلا، وجعل الرجل يلهزه ويقول: استأسر، يا خبيث، فلما آذاه ضمّه إليه ضمّة ضرط منها وهو فوقه، فقال له سليك: «أضرطا وأنت الأعلى» فجرى مثلا، ثم قال له: ما أنت؟ قال: أنا رجل افتقرت، فقلت: لأخرجنّ ولا أرجع حتى أستغنى. قال: فانطلق معي، فمضيا فوجدا رجلا قصته مثل قصتهما، فأتوا جوف مراد وهو واد باليمن فإذا فيه نعم كثيرة، فقال لهما سليك: كونا قريبا حتى آتي الرّعاء وأعلم لكما علم الحي أقريب هو أم بعيد، فإن كانوا قريبا رجعت إليكما، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أحي به لكما فأغيرا. فانطلق حتى أتى الرّعاء، فجعل يستنطقهم حتى أخبروه بمكان الحي فإذا هم بعيد، فقال لهم سليك: ألا أغنّيكم؟ قالوا: بلى. فتغنّى بأعلى صوته ليسمع صاحبيه:

يا صاحبيّ، ألا لا حيّ بالواديإلا عبيد وآم بين أذواد
للشاعر السليك بن السلكة، من قصيدة «وأذعر كلاباً يقود كلابه»
أتنظران قليلا ريث غفلتهمأم تعدوان فإنّ الربح للعادي
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «أتنظران قليلاً ريث غفلتهم»

فلما سمعا ذلك أتيا السليك فأطردوا الإبل وذهبوا بها.

حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: كان سليك يحضر فتقع السهام من كنانته فترتنّ في الأرض من شدّة احضاره. وقال له بنو كنانة حين كبر: أرأيت أن ترينا بعض ما بقي من إحضارك؟ قال: نعم، إجمعوا لي أربعين شابا وابغوني درعا ثقيلة. فأخذها فلبسها وخرج بالشباب حتى إذا كان على رأس ميل أقبل يحضر فلاث العدو لوثا واهتبصوا في جنبتيه فلم يصحبوه إلا قليلا فجاء يحضر منبترا من حيث لا يرونه وجاءت الدّرع تخفق في عنقه كأنها خرقة.

قال سهل: حدّثني العتبي قال: حدّثني رجل من بني تميم عن بعض أشياخه من قومه قال: كنت عند المهاجر بن عبد الله والي اليمامة فأتى بأعرابي قد كان معروفا بالسّرق فقال له: أخبرني عن بعض عجائبك، قال:

إنها لكثيرة، ومن أعجبها أنه كان لي بعير لا يسبق وكانت لي خيل لا تلحق، فكنت لا أخرج فأرجع خائبا فخرجت يوما فاحترشت ضبّا فعلّقته على قتبي ثم مررت بخباء سّريّ ليس فيه إلّا عجوز، فقلت: أخلق بهذا الخباء أن يكون له رائحة من غنم وإبل، فلما أمسيت إذا بإبل مائة فيها شيخ عظيم البطن مثدّن اللحم ومعه عبد أسود وغد، فلما رآني رحّب بي ثم قام إلى ناقة فاحتلبها وناولني العلبة فشربت ما يشرب الرجل فتناول الباقي فضرب به جبهته

ثم احتلب تسع أينق فشرب ألبانهن ثم نحر حوارا فطبخه ثم ألقى عظامه بيضا وحثا كومة من بطحاء وتوسّدها وغطّ غطيط البكر، فقلت: هذه والله الغنيمة. ثم قمت إلى فحل إبله فخطمته ثم قرنته إلى بعيري وصحت به فأتبعني الفحل وأتبعته الإبل إربابا به، فصارت خلفي كأنها حبل ممدود، فمضيت أبادر ثنيّة بيني وبينها مسيرة ليلة للمسرع، فلم أزل أضرب بعيري بيدي مرّة وأقرعه برجلي أخرى حتى طلع الفجر، فأبصرت الثنيّة فإذا عليها سواد فلما دنوت إذا أنا بالشيخ قاعدا وقوسه في حجره فقال: أضيفنا؟ قلت:

نعم. قال: أتسخوا نفسك عن هذه الإبل. قلت: لا. فأخرج سهما كأن نصله لسان كلب ثم قال: أبصر بين أذنيّ الضّبّ، ثم رماه فصدع عظمه عن دماغه، ثم قال: ما تقول؟ قلت: أنا على رأيي الأوّل. قال: أنظر هذا السهم الثاني في فقرة ظهره الوسطى. ثم رمى به فكأنما قدّره بيده ثم وضعه بإصبعه، ثم قال: أرأيت؟ قلت: إني أحب أن أستثبت. قال: أنظر هذا السهم الثالث في عكوة ذنبه والرابع والله في بطنك. ثم رماه فلم يخطىء العكوة، فقلت:

أنزل آمنا؟ قال: نعم. فنزلت فدفعت إليه خطام فحله وقلت: هذه إبلك لم يذهب منها وبرة وأنا أنتظر متى يرميني بسهم ينتظم به قلبي، فلما تنحّيت قال لي: أقبل. فأقبلت، والله، خوفا من شرّه لا طمعا في خيره، فقال: أي هذا، ما أحسبك جشمت الليلة ما جشمت إلا من حاجة. قلت: أجل. قال:

فاقرن من هذه الإبل بعيرين وامض لطيّتك، قلت: أما والله حتى أخبرك عن

نفسك قبلا. ثم قلت: والله ما رأيت أعرابيا قطّ أشدّ ضرسا ولا أعدى رجلا ولا أرمى يدا ولا أكرم عفوا ولا أسخى نفسا منك.

وقرأت في كتاب سير العجم أن بهرام جور خرج ذات يوم إلى الصيد ومعه جارية له فعرضت له ظباء، فقال للجارية: في أيّ موضع تريدين أن أضع السهم من الوحش؟ فقالت أريد أن تشبّه ذكرانها بالإناث وإناثها بالذكران، فرمى تيسا من الظّباء بنشّابة ذات شعبتين فاقتلع قرنيه ورمى عنزا منها بنشّابتين فأثبتهما في موضع القرنين. ثم سألته أن يجمع أذن الظبي وظلفه بنشّابة واحدة فرمى أصل أذن الظبي ببندقة فلما أهوى بيده إلى أذنه ليحتكّ رماه بنشّابة فوصل ظلفه بأذنه ثم أهوى إلى القينة فضرب بها الأرض وقال: شدّ ما اشتططت عليّ وأردت إظهار عجزي!.

وقرأت في كتبهم أن كسرى استعمل قرابة له على اليمن يقال له المروزان، فأقام بها حينا ثم خالفه أهل المصانع- والمصانع جبل باليمن ممتنع طويل ووراءه جبل آخر بينهما فصل إلا أنه متقارب ما بينهما- فسار إليهم المروزان فنظر إلى جبل لا يطمع أحد أن يدخله إلا من باب واحد يمنع ذلك الباب رجل واحد. فلما رأى أن لا سبيل إليهم صعد الجبل الذي هو وراء المصانع من حيث يحاذي حصنهم فنظر إلى أضيق مكان فيه تحته هواء لا يقدر قدره، فلم ير شيئا أقرب إلى افتتاح ذلك الحصن من ذلك الجبل، فأمر أصحابه أن يقوموا به صفّين ثم يصيحوا به صيحة واحدة ثم ضرب فرسه حتى إذا استجمع حضرا رمى به أمام الحصن وصاح به أصحابه فوثب الفرس الوادي فإذا هو على رأس الحصن، فلما نظرت إليه حمير قالوا: هذا أيم.

والأيم بالحميرية شيطان، فانتهرهم بالفارسية وأمرهم أن يربط بعضهم بعضا ففعلوا واستنزلهم من حصنهم فقتل طائفة وسبى طائفة وكتب بما كان منه إلى

كسرى، فتعجّب كسرى وأمره بالاستخلاف على عمله والقدوم إليه وأراد أن يسامي به أساورته، فاستخلف المروزان ابنه ثم توجّه نحوه فلما صار ببعض بلاد العرب هلك فوضعوه في تابوت ثم حملوه حتى قدموا به على كسرى فأمر كسرى بذلك التابوت فوضع في خزانته فكان يخرج في كل عام إليه وإلى من عنده من أساورته فيقول: هذا الذي فعل كذا وكذا.

وروى أبو سوقة التميمي عن أبيه عن جدّه عن أبي الأغرّ التميمي قال:

بينا أنا واقف بصفّين مرّ بي العباس بن ربيعة مكفّرا بالسلاح وعيناه تبصّان من تحت المغفر كأنّهما عينا أرقم وبيده صفيحة له وهو على فرس له صعب يمنعه ويليّن من عريكته إذ هتف به هاتف من أهل الشام يقال له عرار بن أدهم: يا عباس، هلمّ إلى البراز. قال العباس: فالنزول إذا فإنه إياس من القفول. فنزل الشامي وهو يقول:

إن تركبوا فركوب الخيل عادتناأو تنزلون فإنّا معشر نزل

وثنى العباس وركه فنزل وهو يقول:

وتصدّ عنك مخيلة الرجل العرّيض موضحة عن العظم
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «إن امرأ سرف الفؤاد يرى»
بحسام سيفك أو لسانك والكلم الأصيل كأرغب الكلم
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «إن امرأ سرف الفؤاد يرى»

ثم غضّن فضلات درعه في حجزته ودفع قوسه إلى غلام له أسود يقال له: أسلم، كأني أنظر إلى فلائل شعره ثم دلف كلّ واحد منهما إلى صاحبه فذكرت بهما قول أبي ذؤيب:

فتنازلا وتواقفت خيلاهماوكلاهما بطل اللقاء مخدّع

وكف الناس أعنّة خيولهم ينتظرون ما يكون من الرجلين فتكافحا بينهما مليّا من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لأمته إلى أن لحظ العباس وهيا في درع الشاميّ فأهوى إليه بيده فهتكه إلى ثندؤته ثم عاد لمجاولته وقد أصحر له مفتّق الدرع فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره وخرّ الشامي لوجهه وكبّر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض من تحتهم وانشام العباس في الناس وانساع أمره وإذا قائل يقول من ورائي قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

فالتفت وإذا أمير المؤمنين، ﵁، عليّ بن أبي طالب، فقال: يا أبا الأغر، من المنازل لعدوّنا؟ فقلت: هذا ابن أحيكم، هذا العباس بن ربيعة. فقال: إنه لهو، يا عباس، ألم أنهك وابن عباس أن تخلّا بمركزكما أو تباشرا حربا؟

قال: إن ذلك. يعني نعم. قال: فما عدا مما بدا؟ قال: فأدعى إلى البراز فلا أجيب؟ قال: نعم، طاعة إمامك أولى بك من إجابة عدوّك. ثم تغيّظ واستشاط حتى قلت: الساعة الساعة، ثم تطأمن وسكن ورفع يديه مبتهلا فقال: اللهمّ اشكر للعباس مقامه واغفر له ذنبه، اللهمّ إني قد غفرت له فاغفر

له. قال: وتأسّف معاوية على عرار وقال: متى ينطف فحل بمثله! أيطل دمه! لاها الله ذا. ألا لله رجل يشري نفسه يطلب بدم عرار؟ فانتدب له رجلان من لخم. فقال: اذهبا فأيّكما قتل العباس برازا فله كذا. فأتياه ودعواه إلى البراز فقال: إن لي سيدا أريد أن أؤامره. فأتى عليّا فأخبره الخبر، فقال عليّ: والله لودّ معاوية أنه ما بقي من هاشم نافخ ضرمة إلّا طعن في نيطه إطفاء لنور الله ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، أما والله ليملكنّهم منا رجال، ورجال يسومونهم الخسف حتى يحفروا الآبار ويتكفّفوا الناس. ثم قال: يا عباس، ناقلني سلاحك بسلاحي، فناقله ووثب على فرس العباس وقصد اللخميين. فلم يشكّا أنه العباس فقالا له: أذن لك صاحبك؟ فخرج أن يقول نعم، فقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ

فبرز له أحدهما فضربه ضربة فكأنما أخطأه، ثم برز له الآخر فألحقه بالأوّل، ثم أقبل وهو يقول: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ

ثم قال: يا عباس، خذ سلاحك وهات سلاحي، فإن عاد لك أحد فعد إليّ، ونمي الخبر إلى معاوية فقال: قبح الله اللّجاج إنه لقعود ما ركبته قط إلا خذلت. فقال عمرو ابن العاص: الخذول والله اللخميان لا أنت. قال معاوية: أسكت، أيها

الرجل، فليس هذه من ساعتك. قال: وإن لم تكن، رحم الله اللخميين وما أراه يفعل. قال: ذاك والله أخسر لصفقتك وأضيق لحجرك. قال: قد علمت ذلك ولولا مصر لركبت المنجاة منها. قال: هي أعمتك ولولا هي لألفيت بصيرا. وقال عمرو بن العاص لمعاوية:

معاوي، لا أعطيك ديني ولم أنلبه منك دنيا، فانظرن كيف تصنع
للشاعر عمرو بن العاص، اقرأ القصيدة
فإن تعطني مصرا فأربح بصفقةأخذت بها شيخا يضرّ وينفع
للشاعر عمرو بن العاص، اقرأ القصيدة

خرج الأخينس الجهنيّ فلقي الحصين العمريّ، وكانا جميعا فاتكين، فسارا حتى لقيا رجلا من كندة في تجارة أصابها من مسك وثياب وغير ذلك، فنزل تحت شجرة يأكل، فلما انتهيا إليه سلّما. قال الكنديّ: ألا تضحّيان؟

فنزلا. فبينما هم يأكلون مرّ ظليم فنظر إليه الكنديّ وأبّده بصره فبدت له لبّته، فاغتره الحصين فضرب بطنه بالسيف فقتله، واقتسما ماله وركبا، فقال الأخينس: يا حصين، ما صعلة وصعل؟ قال: يوم شرب وأكل. قال: فانعت لي هذه العقاب. فرفع رأسه لينظر إليها فوجأ بطنه بالسيف فقتله مثل قتله الأوّل. ثم إنّ أختا للحصين يقال لها صخرة لما أبطأ عليها خرجت تسأل عنه في جيران لها من مراح وجرم. فلما بلغ ذلك الأخينس قال:

وكم من فارس لا تزدريهإذا شخصت لموقفه العيون
يذلّ له العزيز وكلّ ليثشديد الهصر مسكنه العرين
علوت بياض مفرقه بعضبينوء لوقعه الهام السّكون
فأمست عرسه ولها عليههدوء بعد ليلته أنين
كصخرة إذ تسائل في مراحوفي جرم، وعلمهما ظنون
تسائل عن حصين كلّ ركبوعند جهينة الخبر اليقين

فذهبت مثلا.

خرج المهدّي وعليّ بن سليمان إلى الصيد ومعهما أبو دلامة الشاعر، فسنحت لهم ظباء فرمى المهديّ ظبيا فأصابه، ورمى عليّ بن سليمان كلبا فعقره، فضحك المهدي وقال لأبي دلامة: قال في هذا، فقال:

ورمى المهديّ ظبياشكّ بالسهم فؤاده
وعليّ بن سليمان رمى كلبا فصاده
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»
فهنيئا لهما كل امرىء يأكل زاده
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»

قال أبو دلامة: كنت في عسكر مروان أيام زحف إلي شبيب الخارجيّ، فلما التقى الزّحفان خرج منهم فارس ينادي: من يبارز؟ فجعل لا يخرج إليه إنسان إلا أعجله ولم ينهنهه، فغاظ ذلك مروان، فجعل يندب الناس على خمسمائة، فقتل أصحاب الخمسمائة، وزاد مروان على ندبته فبلغ بها ألفا، فما زال ذلك فعله حتى بلغ بالندبة خمسة آلاف درهم، وتحتي فرس لا أخاف خونه، فلما سمعت بالخمسة آلاف نزّقته واقتحمت الصفّ. فلما نظر إليّ

الخارجيّ علم أن خرجت للطمع، فأقبل يتهيأ لي وإذا عليه فرو له قد أصابه المطر فارمعلّ ثم أصابته الشمس فاقفعلّ وعيناه تدرّان كأنهما في وقبين، فدنا منّي وقال:

وخارج أخرجه حبّ الطمعفرّ من الموت وفي الموت وقع

من كان ينوي أهله فلا رجع

فلما وقرت في أذني انصرفت عنه هاربا، وجعل مروان يقول: من هذا الفاضح؟ ائتوني به. ودخلت في غمار الناس فنجوت.

كان خالد بن جعفر نديما للنعمان، فبينا هو ذات يوم عنده وقد دعا النعمان بتمر وزبد فهما يأكلان منه إذ دخل عليهما الحارث بن ظالم. فقال النعمان: أدن، يا حارث، فكل، فدنا. فقال خالد: من ذا أبيت اللعن؟ قال:

هذا سيد قومه وفارسهم الحارث بن ظالم. قال خالد: أما إنّ لي عنده يدا.

قال الحارث: وما تلك اليد؟ قال: قتلت سيد قومك فتركتك سيدهم بعده.

يعني زهير بن جذيمة، قال الحارث أما إني سأجزيك بتلك اليد. ثم أخذه الزّمع»

وأرعدت يده، فأخذ يعبث بالتمر فقال له خالد: أيّتهنّ تريد فأناولكها؟ قال الحارث: أيّتهن تهمّك فأدعها؟ ثم نهض مغضبا، فقال النعمان لخالد: ما أردت بهذا وقد عرفت فتكه وسفهه؟ فقال: أبيت اللعن، وما

تتخوّف عليّ منه؟ فوالله لو كنت نائما ما أيقظني. فانصرف خالد فدخل قبّة له من أدم بعد هدأة من الليل وقام على بابها أخ له يحرسه. فلما نام الناس خرج الحارث حتى أتى القبة من مؤخّرها فشقّها ثم دخل فقتله، فقال عمرو ابن الإطنابة:

علّلاني وعلّلا صاحبيّاواسقياني من المروّق ريّا
للشاعر عمرو بن الإطنابة، اقرأ القصيدة
إنّ فينا القيان يعزفن بالضّرب لفتياننا وعيشا رخيّا
يتناهين في النعيم ويضربن خلال القرون مسكا ذكيا
أبلغا الحارث بن ظالم الرّعديد والناذر النّذور عليّا
إنما تقتل النّيام ولا تقتل يقظان ذا سلاح كميّا

وكان عمرو قد آلى ألا يدعوه رجل بليل إلا أجابه ولم يسأله عن اسمه.

فأتاه الحارث ليلا فهتف به، فخرج إليه، فقال: ما تريد؟ قال أعنّي على أبل لبني فلان وهي منك غير بعيدة فإنها غنيمة باردة. فدعا عمرو بفرسه وأراد أن يركب حاسرا. فقال له: إلبس عليك سلاحك فإني لا امن امتناع القوم، فاستلأم وخرج معه، حتى إذا برزا قال له الحارث: أنا أبو ليلى فخذ حذرك، يا عمرو، فقال له: أمنن عليّ. فجزّ ناصيته. وقال الحارث:

علّلاني بلذّتي قينتيّاقبل أن تبكي العيون عليّا
قبل أن تذكر العواذل أنيكنت قدما لأمرهنّ عصيّا
ما أبالي إذا أصطبحت ثلاثاأرشيدا دعوتني أم غويّا
غير ألّا أسرّ إثمافي حياتي ولا أخون صفيّا
بلغتني مقالة المرء عمروبلغتني وكان ذاك بديّا
فخرجنا لموعد فالتقينافوجدناه ذا سلاح كميّا
غير ما نائم يروّع بالليل معدّا بكفّه مشرفيّا
فرجعنا بالمنّ منّا عليهبعد ما كان منه منّا بديّا

ووفد تميم بن مرّ وبكر بن وائل على بعض الملوك، وكانا ينادمانه فجرى بينهما تفاخر فقالا: أيها الملك، أعطنا سيفين، فأمر الملك بسيفين من عودين فنحتا وموّها بالفضة وأعطاهما إياهما، فجعلا يضطربان بهما مليّا من نهارهما، فقال بكر:

لو كان سيفانا حديدا قطعا

وقال تميم:

أو نحتا من جندل تصدّعا

ففرّق الملك بينهما، فقال بكر لتميم:

أساجلك العداوة ما بقينا

وقال تميم:

وإن متنا نورّثها بنينا

فأورثاها بنيهما إلى اليوم.

حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن خلف الأحمر قال: كان أبو عروة السباع يصيح بالسبع وقد احتمل الشاة فيسقط فيموت فيشقّ بطنه فيوجد فؤاده قد انخلع. وهو مثل في شدّة الصوت. قال الشاعر في ذلك:

زجر أبي عروة السباع إذاأشفق أن يلتبسن بالغنم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «هل بالديار الغداة من صمم»

قال: وأبو عطية عفيف النصريّ نادى في الحرب التي كانت بين ثقيف وبين بني نصر لما رأى الخيل بعقوته: يا سوء صباحاه، أتيتم يا بني يربوع! فألقت الحبالى أولادها، فقيل في ذلك:

وأسقط أحبال النساء بصوتهعفيف لدن نادى بنصر فطرّبا

في أخبار وهب بن منبه أن يهوذا قال ليوسف: لتكفنّ أو لأصيحنّ صيحة لا تبقي حامل بمصر إلا ألقت ما في بطنها.

محمد بن الضحاك عن أبيه قال: كان العباس بن عبد المطلب يقف على سلع فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعهم وذلك من آخر الليل. وبين الغابة وبين سلع ثمانية أميال، وسلع جبل وسط المدينة. وكان شبيب بن ربعيّ يتنحنح في داره فيسمع تنحنه بالكناسة، ويصيح براعيه فيسمع نداؤه

على فرسخ وكان هذا مؤذن سجاح التي تنبّأت ذكر هذا خالد بن صفوان، وسمعه أبو المجيب النهديّ فقال: ما سمع له بصوت أبعد من صوته بآذانه فإنه كان مؤذنها يعني سجاح.

ذم رجل الأشتر فقال له قائد: أسكت فإن حياته هزمت أهل الشام وإن موته هزم أهل العراق.

المدائني قال: أتى عمر بن الخطاب ﵁ رجل يستحمله، فقال له: خذ بعيرا من إبل الصدقة. فتناول ذنب بعير صعب فجذبه فاقتلعه، فعجب عمر وقال له: هل رأيت أشدّ منك؟ قال: نعم، خرجت بامرأة من أهلي أريد بها زوجها فنزلنا منزلا أهله خلوف فقربت من الحوض فبينا أنا كذلك إذ أقبل رجل ومعه ذود والمرأة ناحية فسرّب ذوده إلى الحوض ومضى إلى المرأة فساورها ونادتني، فما انتهيت إليها حتى خالطها، فجئت لأدفعه عنها فأخذ برأسي فوضعه بين عضده وجنبه فما استطعت أن أتحرك حتى قضى ما أراد ثم استلقى. فقالت المرأة: أيّ فحل هذا! لو كانت لنا منه سخلة ! وأمهلته حتى امتلأ نوما فقمت إليه بالسيف فضربت ساقه فأبنتها، فانتبه وتناول رجله فعلما فغلبه الدم فرماني برجله وأخطأني وأصاب عنق بعيري

فقتله. فقال عمر: ما فعلت المرأة؟ قال: هذا حديث الرجل. فكرر عليه مرارا لا يزيده على هذا، فظنّ أنه قد قتلها.

حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا أشهل بن حاتم قال: حدّثنا ابن عون عن عمير بن إسحاق قال: كان سعد على ظهر بيت وهو شاك والمشركون يفعلون بالمؤمنين ويفعلون. وأبو محجن في الوثاق عند أم ولد لسعد فأنشأ يقول:

كفى حزنا أن تلتقي الخيل بالقناوأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا شئت غنّاني الحديد وغلّقتمغاليق من دوني تصمّ المناديا

فقالت له أم ولد سعد: أتجعل لي إن أنا أطلقتك أن ترجع إليّ حتى أعيدك في الوثائق؟ قال نعم، فأطلقته فركب فرسا بلقاء لسعد وحمل على المشركين فجعل سعد يقول: لولا أن أبا محجن في الوثاق لظننت أنه أبو محجن وأنها فرسي. فانكشف المشركون وجاء أبو محجن فأعادته في الوثاق وأتت سعدا فأخبرته، فأرسل إلى أبي محجن فأطلقه وقال: والله لاحبستك فيها أبدا. يعني الخمر، فقال أبو محجن: وأنا الله لا أشربها بعد اليوم أبدا.

وقال الشاعر:

سأغسل عني العار بالسيف جالباعليّ قضاء الله ما كان جالبا
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
وأذهل عن داري وأجعل هدمهالعرضي من باقي المذمّة حاجبا
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنتيميني بإدراك الذي كنت طالبا
فيا لرزام رشّحوا بي مقدّماإلى الموت خواضا إليه الكرائبا
إذا همّ لم يردع كريمة همّهولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
أخا غمرات لا يريد على الذييهمّ به من مفظع الأمر صاحبا
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمهونكّب عن ذكر العواقب جانبا
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
ولم يستشر في رأيه غير نفسهولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
عليكم بداري فاهدموها فإنهاتراث كريم لا يخاف العواقبا

وقال رجل من بني العنبر:

لو كنت من مازن لم تستبح إبليبنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
للشاعر محمد المهدي المجذوب، من قصيدة «رقصة الحمامة»
إذن لقام بنصري معشر خشنعند الكريهة إن ذو لوثة لانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»
قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهمطاروا إليه زرافات ووحدانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»
لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عددليسوا من الشرّ في شيء وإن هانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةومن إساءة أهل السوء إحسانا
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وفى السحاب لمغناه وإن خانا»
كأنّ ربّك لم يخلق لخشيتهسواهمو من جميع الناس إنسانا
للشاعر قريط بن أنيف العنبري، من قصيدة «لو كنت من مازن لم تستبح إبلي»
فليت لي بهمو قوما إذا ركبواشنّوا الإغارة فرسانا وركبانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما قال برهانا
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «يا للحماسة ضاقت بينكم حيلي»
لكن يطيرون أشتاتا إذا فزعواوينفرون إلى الغارات وحدانا

وقال آخر:

ولئن عمرت لأشفينن النفس من تلك المساعي
ولأعلمنّ البطن أنن الزاد ليس بمستطاع
أمّا النهار فرأي أصحابي بمرقبة يفاع
أثر الشجاع بها كسرد الخرز في سير الصّناع
ترد السباع معي فألفى كالمدلّ من السبّاع

وقال آخر:

إنّا محيّون يا سلمى فحيّيناوإن سقيت كرام الناس فاسقينا
إنّا لنرخص يوم الرّوع أنفسناولو نسام بها في الأمن أغلينا
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «يا ذات أجوارنا قومي فحيينا»
بيض مفارقنا تغلي مراجلنانأسو بأموالنا آثار أيدينا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

وقال المعلوط:

ألم ترني خلقت أخا حروبإذا لم أجن كنت مجنّ جاني؟

وقال آخر:

لعمري لقد نادى بأرفع صوتهنعيّ سويد أنّ فارسكم هوى
أجل صادقا والقائل الفاعل الذيإذا قال قولا أنبط الماء في الثرى
فتى قبل لم تعنس السّنّ وجههسوى خلسة في الرأس كالبرق في الدّجى
أشارت له الحرب العوان فجاءهايقعقع بالأقراب أوّل من أتى
ولم يجنها لكن جناها وليّهفآسى فآداه فكان كمن جنى

وقال بشامة:

إنا بني نهشل لا ندّعي لأبعنه ولا هو بالأبناء يشرينا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
إن تبتدر غاية يوما لمكرمةتلق السوابق منا والمصلّينا
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «يا ذات أجوارنا قومي فحيينا»
إنا لمن معشر أفنى أوائلهمقيل الكماة ألا أين المحامونا
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «يا ذات أجوارنا قومي فحيينا»
لو كان في الألف منا واحد فدعوامن فارس؟ خالهم إيّاه يعنونا
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «يا ذات أجوارنا قومي فحيينا»

وقال زهير:

يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

وقالت امرأة من كندة:

أبوا أنّ يفرّوا والقنا في نحورهمولم يرتقوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّةولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
للشاعر أم صريع الكندية، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

بني عمّنا، ردّوا فضول دمائناينم ليلكم، أو لا تلمنا اللّوائم
فإنا وإياكم وإن طال ترككمكذي الدّين ينأى ما نأى وهو غارم

وقال أبو سعيد المخزوميّ وكان شجاعا:

وما يريد بنو الأعيار من رجلبالجمر مكتحل بالنّبل مشتمل
لا يشرب الماء إلا من قليب دمولا يبيت له جار على وجل
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة

وقال عبد القدّوس بن عبد الواحد من ولد النعمان بن بشير:

ندى تحكم الآمال فيه، ونجدةتحكّم في الأعداء بالأسر والقتل

وقال آخر:

ضربناكمو حتى إذا قام ميلكمضربنا العدا عنكم بأبيض صارم

تمثّل زيد بن علي يوم قتل بقول القائل:

أذلّ الحياة وعزّ المماتوكلّا أراه طعاما وبيلا
فإن كان لا بدّ من واحدفسيروا إلى الموت سيرا جميلا

وقال قيس بن الخطيم:

أبلج لا يهمّ بالفرارقد طاب نفسا بدخول النار
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

ومن تكن الحضارة أعجبتهفأيّ رجال بادية ترانا
ومن ربط الجحاش فإنّ فيناقنا سلبا وأفراسا حسانا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
وكنّ إذا أغرن على قبيلفأعوزهنّ كون حيث كانا
أغرن من الضّباب على جلالوضبّة إنه من حان حانا
وأحيانا نكرّ على أخيناإذا ما لم نجد إلّا أخانا

وقال الخنساء:

تعرّقني الدهر نهسا وحزّاوأوجعني الدهر قرعا وغمزا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «تعرقني الدهر نهسا وحزا»
وأفني رجالي فبادوا معافأصبح قلبي بهم مستفزّا
ومن ظنّ ممّن يلاقي الحروببأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «تعرقني الدهر نهسا وحزا»

وفيها تقول:

ونلبس للحرب أثوابهاونلبس في الأمن خزّا وقزّا

وهذا كقولهم: إلبس لكل حالة لبوسها.

وقال عبد الله بن سبرة الحرشي حين قطعت يده:

ويلمّ جار غداة الجسر فارقنيأعزز عليّ به إذ بان فانصدعا
يمنى يديّ غدت منيّ مفارقةلم أستطع يوم خلطاس لها تبعا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة
وما ضننت عليها أن أصاحبهالقد حرصت على أن نستريح معا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة
وقائل غاب عن شأني وقائلةألا اجتنبت عدوّ الله إذ صرعا
وكيف أتركه يمشي بمنصلهنحوي وأجبن عنه بعدما وقعا
ما كان ذلك يوم الرّوع من خلقيوإن تقارب مني الموت واكتنعا
ويلمّه فارسا ولّت كتيبتهحامى وقد ضيّعوا الأحساب فارتجعا
يمشي إلى مستميت مثله بطلحتى إذا مكّنا سيفيهما امتصعا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة
كلّ ينوء بماضي الحدّ ذي شطبجلّى الصّياقل عن درّيّه الطّبعا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة
حاسيته الموت حتى اشتفّ آخرهفما استكان لما لاقى وما جزعا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة
كأنّ لمّته هدّاب مخملةأحمّ أزرق لم يشمط وقد صلعا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة
فإن يكن أطربون الروم قطّعهافقد تركت بها أوصاله قطعا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة
وإن يكن أطربون الروم قطّعهافإنّ فيها بحمد الله منتفعا
للشاعر عبد الله بن سبرة الحرشي، اقرأ القصيدة
بنانتان وجذمور أقيم بهاصدر القناة إذا ما آنسوا فزعا

وقال بعض الشعراء:

إنّ لنا من قومنا ناصرةبيض الظّبا سمر القنا شهب اللّمم
يستنفرون الموت من مجثمهويبعثون الحرب من عقد السّلم
أولاك قيس قومنا أكرم بهمقيس النّدى قيس العلا قيس الكرم

وقال جعفر بن علبة الحارثي:

ليهن عقيلا أنّني قد تركتهاينوء بقتلاها الذّئاب الهوامل
للشاعر جعفر بن علبة الحارثي، من قصيدة «ولما أبوا إلا المضيَّ وقد رأوا»
لهم صدر سيفي يوم برقة سحبلولي منه ما ضمّت عليه الأنامل
إذا القوم سدّوا مأزقا فرّجت لنابأيماننا بيض جلتها الصّياقل

وقال عمرو بن معد يكرب:

أعاذل، شكّتي بزّي ورمحيوكلّ مقلّص سلس القياد
أعاذل، إنما أفنى شبابيركوب في الصّريخ إلى المنادي
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أعاذل إنما أفنى شبابي»

وقال أبو دلف:

لقد علمت وائل أننانخوض الحتوف غداة الحتوف
ولا نتّقيها بزحف الفرارإذا ما الصفوف انبرت للصفوف
ويوم أفاءت لنا خيلنالدى جبل الدّيلمي المنيف
طوال الفتى بطوال القناوبيض الوجوه ببيض السيوف
وكلّ حصان بكل حصانأمين شظاه سليم الوظيف
ألا نعّماني فما نعمتيبرادعتي عن ركوب المخوف
لي الصبر عند حلول البلاإذا نزلت بي إحدى الصّروف
وإن تسألي تخبري أننيأقي حسبي بألوف الألوف
وأحلم حتى يقولوا ضعيفوما أنا قد علموا بالضعيف
خفيف على فرسي ما ركبتولست على ظالمي بالخفيف

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.